ازمة انتاج الفتوي في المرجعيات الفقهية

حجم الخط
0

هشام منور

اضطلعت المرجعيات الفقهية الاسلامية بمشاربها المختلفة بدور مهم في المشروع الحضاري للامة عبر تاريخها. ولما كان مصطلح المرجعية بحد ذاته ذا صبغة تكوينية شيعية في الاصل، الا ان التنافس، واحياناً كثيرة الصراع، بين المدارس الفقهية الاسلامية قد فرغ المصطلح من حمولته المصطلحية التاريخية ليضحي استخدامه اقرب الي المنظور اللغوي منه الي الاصطلاحي، والذي يُعني بالثقة والركون الي شخص ما علي قدر من المعرفة والثقافة الشرعية، وله دربة في انتاج الفتوي واصدارها، بصرف النظر عن الاسلوب المعتمد لديه في سبيل ذلك، اجتهاداً او قياساً علي واقعة او فتوي مشابهة او حتي ترجيحاً لبعض الفتاوي علي بعض، وضمن اطار مذهب فقهي محدد مسبقاً او بما يشمل مجالاً فقهياً اوسع.

وعلي الرغم من المكانة الكبيرة التي تحوزها المرجعيات الفقهية ومؤسسات التعليم الديني، الاكاديمية منها والاهلية، في عصرنا الراهن، الا ان جانب السياسة واستطالاتها وتمدد نفوذ الجانب السياسي ليشمل المجال الديني، ابتداء من عصر (المامون) وفتنة القول بخلق القرآن، ونصرته لفئة علمية معينة (المعتزلة) في مواجهة التيار الفقهي التقليدي (اهل الحديث)، وقبل ذلك ما قامت به الدولة الاموية من اشاعة العقيدة الجبرية في النطاق السياسي لتسويغ استئثارها بالمجال السياسي وقلبها لنظام الخلافة الي ملك عضوض، وصولاً الي الحاق مؤسسات التعليم الديني بالدولة الوطنية الحديثة راهناً، واستتباع علمائها وهيئاتها لجهاز سياسي مركزي (وزارات الاوقاف ودوائر الافتاء)، قد اسهم في انقسام تلك المرجعية علي ذاتها وتعميق ازمتها، والنيل من مخزونها الرمزي لدي ابناء الامة، في ظل تسرب نظرة الشك والريبة اليها وقد اصطف رجالاتها، في معظمهم، اما مع النظام السياسي القائم او ضده، بما يعنيه ذلك من تلويث صورتهم الرمزية المراكمة وتشويهها.

ولعل الفتوي الاخيرة التي ترددت اصداؤها في وسائل الاعلام حول قيام فقيه ازهري باصدار فتوي لحل مشكلة الخلوة بين الزملاء في المكاتب الحكومية لتسلط الضوء علي ازمة اضافية تكتنف عملية انتاج الفتوي بما يجعل منها مازقاً تعاني منه مؤسسات الافتاء علي مستوي المنظومة الفقهية التقليدية وقصور بعض جوانبها عن متابعة تطورات العصر وانتاج آليات منهجية تستوعبها. وقد افتي ذلك الازهري بجواز ارضاع زميل العمل من قبل زميلته بغية التخلص من معضلة الاختلاط والخلوة في المكاتب الحكومية دون ان يمنع ذلك جواز الزواج بينهما فيما لو اتفقا علي ذلك. والحاق هذه الحادثة بحادثة ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم، وهي ارضاع زوجة ابي حذيفة لسالم مولي ابي حذيفة عندما تحرجت زوجته من دخوله عليها كبيراً، وقد ابطل الاسلام حكم التبني السابق له من زوجها، وهي المسالة المعروفة بارضاع الكبير. واذا كانت بعض المرجعيات الحديثة قد شككت في صحة الواقعة رغم ورودها في الصحيحين، الا ان ذلك لا يعدو ان يكون مجرد علاج آني يفاقم من الازمة بدلاً من ان يعالجها، فمن السهل مواجهة الازمة بسلاح النفي ما دام ذلك يعفينا من ابتدار جذورها بالتقويم والعلاج. علي ان معظم الردود المنهالة لم تتجاوز الموقف التقليدي الذي اتخذته المنظومة الفقهية تاريخياً، والذي ازاح عن كاهلها همّ محاولة التفهم والتعقل للحادثة من خلال التاكيد علي خصوصيتها واستحالة تكرارها بعد ان رسخت احكام الاسلام، وانه لم يعد من جدوي من مناقشة احتمال تكرر الحادثة في ضوء ذلك.

ورغم ان الفقيه الازهري لم يخرج عن سياق استعمال ادوات الاجتهاد وانتاج الفتوي التقليدية، وفي مقدمتها القياس الاصولي، الا ان مساحة اللغط والاثارة التي حظيت بها فتواه قد اعادت الي الاذهان فتاوي سابقة لم يكن نصيبها من الجدل واللغط حتي في سياق مسائل خلافية بأقل حظاً. فشيخ الازهر الذي عارض بشدة فتوي (ارضاع الكبير)، هو نفسه الذي اشتهر بفتاواه حول الفائدة المصرفية وسندات التوفير. والمفكر السوداني (حسن الترابي)، قد استحوذت فتاواه حول اباحة زواج المسلمة من الكتابي، وانكاره للمهدي، ورجوع النبي عيسي عليه السلام باهتمام بالغ العام المنصرم، حتي الشيخ (القرضاوي) نفسه ثار من الجدل في حق فتاواه بعدم التفريق بين المسلمة وزوجها الكتابي، وجواز استعمال القروض الربوية لاقتناء المساكن في بلاد الغرب ما لم يعد خافياً. وفيما تضرب الحرب الاهلية في العراق وتحوله الي ساحة دامية، فان حرب التكفير الشرسة بين (السنة) و(الشيعة) قد وجدت مستنداً شرعياً لها فيما تم تناقله من فتوي قديمة للمرجع السيستاني وظفت لاقصاء اهل السنة من العملية السياسية، فيما استندت المجموعات السنية المتشددة الي فتاوي كل من ابن تيمية وابن القيم في تكفير الشيعة وقتلهم.

ويبدو ان المرجعيات الفقهية التقليدية ومؤسسات الافتاء قد تشابكت ازمتها السياسية التاريخية مع ازمة بنيتها التصورية وافتقادها لآليات ورؤي منهجية تؤسس لرؤية فقهية تواكب العصر ولا تكون فيه عالة علي نتاج من سبقها، الامر الذي ما عاد معه الحل التبسيطي في انشاء المراجع الفقهية الجماعية او اقامة المؤتمرات الاحتفالية لدعوات التقريب بين المذاهب الاسلامية قادراً علي الاضطلاع به. بل ان ذلك مرهون بعملية اصلاح شاملة للبنية الهيكلية لكل من مؤسسات التعليم الديني ودوائر الافتاء، وبما يشمل آليات انتاج الفتوي والاحكام الشرعية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية