وصلت الرسالة

حجم الخط
0

الياس خوري

شعرت بسعادة كبري وانا اقرأ رد زكريا الزبيدي (شبكة فلسطين الاخبارية) علي رسالتي المنشورة في “القدس العربي” الثلاثاء 24 تموز (يوليو). الرسالة وصلت، وما قرأته من زكريا يعيد الينا الأمل الذي كدنا نفقده، في غمرة الفوضي الدموية التي اجتاحت غزة.

قرأت توهجا نضاليا من عمق التضحية، ورأيت كيف يصنع الشباب، شباب فلسطين. من قلب مخيم جنين الذي قدم نموذجا للصمود الاسطوري خلال انتفاضة الأقصي- الاستقلال، يأتي صوت الفدائيين ليذكرنا بأن نهوض فلسطين من ركام النكبة صنعه الفدائيون بتضحياتهم. لذا يجب ان نستمع الي الفدائي حين يحكي، كي نقول له اننا لسنا معه فقط، بل نحن لا نزال في الموقع نفسه، موقع خليل الوزير وصلاح خلف وكمال عدوان وكمال ناصر وماجد ابو شرار، موقع القادة الذين تعلمنا منهم، ان فلسطين اكبر من الجميع، وان قضيتها هي قضية العدالة والتقدم والحرية والكرامة في العالم العربي.

حين يتكلم الفدائيون يقولون قولا واحدا، ان فلسطين لن تسرق من شعبها وتراثها النضالي، لا اسرائيل تستطيع تحطيمها، ولا النظام العربي الكسيح قادر علي ذلك. وانها ليست رهينة تيارات اصولية تجرؤ علي انزال العلم الفلسطيني، الذي هو علم الثورة، وتستبدله بعلم آخر، وتذهب الي نظام دمشق، الذي لم يتوقف عن محاولاته تصفية استقلال القرار الوطني الفلسطيني، كي تلقي علينا من هناك دروسا في الوطنية.

لكن الأمل في حاجة الي رعاية وحدب وعمل كي ينمو. فالقضية الفلسطينية تواجه اليوم اخطارا لا تحصي، ولا يحق لنا ان نقف متفرجين بحجة ان لا دور لنا. لكل دوره وواجبه في اضاءة شمعة صغيرة كي يتبدد الظلام، وكي نستعيد القدرة علي الرؤية وعلي رسم سياسة وطنية مرتبطة بالثقافة الوطنية.

وحين اتكلم عن الثقافة، فأنا لا احيل فقط الي ثقافة المثقفين، التي لعبت دورا كبيرا في تاسيس الوعي الفلسطيني، بل اتكلم عن الثقافة المعيشة، من دلال المغربي التي افتتحت بطولة الاستشهاد عام 1978، الي نضال ابناء المخيمات والفدائيين في الأردن ولبنان وسورية والضفة وغزة، الي الثقافة الشعبية التي طحنت الصخر، وجعلت من ذاكرة القري المهدمة والمدن المحتلة، تراثا عصيا علي الاندثار.

من هنا نبدأ كي نقرأ الواقع المرير الذي تعيشه الحركة الوطنية، بعد افول الانتفاضة الثانية مع غياب قيادتها التاريخية: ياسر عرفات قضي كالشهداء، ومروان البرغوثي في الأسر. وهي قراءة تحتاج الي قدرة علي تجاوز الذات، والانتماء التنظيمي الفصائلي، من اجل بلورة رؤية مرحلية تعيدنا الي المنطلقات، التي استطاعت من خلالها حركة فتح النهوض بالقضية الوطنية الفلسطينية.

نبدأ من تجربة المقاومة خلال انتفاضة الأقصي- الاستقلال، وهي تجربة غنية ومريرة في الآن نفسه. فالانتفاضة الثانية التي انطلقت من باحة الأقصي، كانت انتفاضة من اجل الاستقلال، وعبرت عن ارادة وطنية صلبة في اتجاهين: مقاومة الاحتلال تمهيدا لدحره، واحداث تغيير داخلي في بنية السلطة وفتح طال انتظاره. غير ان الحصاد لم يكن علي مستوي التضحيات، وهذا ما عبر عنه عجز قوي التغيير في فتح عن متابعة ترشيح البرغوثي الأسير للرئاسة، ثم تمادي التراجع مع نتائج الانتخابات التشريعية، وفقدان حركة فتح للمبادرة النضالية في قطاع غزة، وتحول امراض البيروقراطية والفساد والاستئثار بالسلطة الي ما يشبه العاهات الدائمة.

الانقلاب الدموي في غزة جاء محصلة للتراجع والاكتهال والفساد، وفقدان اللغة النضالية الفتحاوية. كأن استشهاد الأب افقد الأبناء القدرة علي المبادرة، وتحولت التحايلات العرفاتية من اجل المرور بين نقاط الماء الي جمود سياسي، تفاقم مع الحصار. وبلغ التفكك ذروته، حين لم تستطع الحركة الوطنية استثمار الانسحاب من غزة، بحيث نجحت الرؤية الاسرائيلية في تحويله الي ما يشبه الكارثة.

الخروج من هذا النفق يبدأ باستعادة اللغة الوطنية، ورسم الأهداف. استعادة الوحدة الجيوسياسية بين غزة والضفة هدف اول، لكن يجب ان يوضع في سياق مشروع الاستقلال الوطني، اي في سياق القدرة علي امتلاك ادوات ضغط نضالية وشعبية علي الاحتلال. فالاحتلال لن يسلم بالدولة المستقلة وعاصمتها القدس، من دون معركة نضالية كبري جديدة. هنا بالضبط يقع دور الفدائيين. الفدائيون هم اساس هذه المعركة، لذا قرروا البقاء خارج اطر السلطة. اطارهم هو التنظيم الذي يجب ان يبني من جديد، والتأكيد علي الثوابت، وصوغ لغة وطنية استقلالية ورافضة للاحتواء الامريكي، الذي لا يريد سوي حماية امن دولة الاحتلال.

لا تصدقوا ايها الاخوة ان هناك املا اذا لم تصنعوه بأيديكم، ولا تلتفتوا الي لغة الاحباط التي تحاصركم. الاستسلام امام امريكا لن يكون سوي كارثة، وسيادة المنطق الاستئصالي-الاصولي لن يقود الا الي التعفن والاندثار.

الأمل ينعقد حين يعود صوت الفدائيين هو الأعلي، ويلوح في الأفق عندما نعي من جديد لماذا اختير نشيد فدائي ليكون النشيد الوطني الفلسطيني.

المسيرة طويلة وصعبة، لكن نتائجها سوف تقرر المصير الفلسطيني في العقد الآتي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية