المهدي وبدر: حروب آيات الله الجدد في العراق (4)

حجم الخط
0

التطورات السياسية السريعة دفعت بآيات الحوزة الكبار إلي واجهة دور سياسي لم يستعدوا لملاقاته قطالأتباع والمقلدون يفصلون تلقائياً بين عراقية المؤسسة الدينية وبين الأصول غير العربية للمرجع الأعلي

فاضل الربيعيہفي هذه الدراسة الجديدة وغير المسبوقة يقوم الباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي بتحليل سوسيولوجي لظاهرة الميليشيات في العراق، فيلاحظ أن جيش المهدي قام بتطوير شبكة من المخبرين العلاّسة مهمتها تقديم معلومات تفصيلية عن المواطنين وخصوصاً ممن يعملون في قطاع التجارة والبيع والشراء من أجل تصفيتهم أو ابتزازهم. لقد انتقلت الميليشيات إلي مرحلة التمويل الذاتي. ومن دون تجفيف موارد هذه الجماعات الإجرامية لن تنجح أي محاولة لتفكيكها.

إن مصادر تمويل الميليشيات لا تنحصر في هذا النمط من النهب؛ بل تتخطاه إلي نهب موارد الدولة عن طريق السيطرة علي قطاع النفط في الجنوب والشمال. لكن العلاّسة كظاهرة اجتماعية كما يلاحظ المفكر العراقي الربيعي، تتلازم مع صعود نخب جديدة حاكمة أو مسيطرة علي بعض مفاصل الحكم هي في الغالب الأعم مواد متحللّة من طبقات وفئات اجتماعية هامشية لم تحصل علي أي قدر من التعليم أو الثقافة. الدراسة سوف تصدر قريباً ضمن منشورات المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية ـ عمان “القدس العربي” الحوزة والميليشياتيرتبط صعود الدور السياسي للمرجعية الدينية (الشيعية) في النجف، وتحوّل أقطابها اليوم إلي لاعبين فاعلين علي مستوي صنع القرار، بجملة من التطورات والأسباب والعوامل المحلية والإقليمية والدولية، دفعت المدينة المقدسة إلي واجهة الأحداث العنيفة خلال وقت قصير فقط من الغزو الأمريكي للعراق. من بين أكثر هذه الأسباب والعوامل التي جعلت الحوزة في مركز الصدارة والأضواء أهمية، تفكّك الدولة وتلاشي مؤسساتها وأدواتها، وتدفق أعداد كبيرة من قيادات الأحزاب الشيعية المنفيّة التي انتقل تعاونها المكشوف مع الأمريكيين إلي مرحلة جديدة وغير مسبوقة من التنسيق. ولا يزال حاضراً بقوة في ذاكرة العراقيين ذلك المشهد المثير الذي تلازم مع المراحل الأولي من الغزو، عندما قطع بعض الشبان الطريق علي الدبابات الأمريكية، لحظة دخولها مدينة النجف وهم يصرخون في وجوه الجنود بلغة إنكليزية رديئة: City? yes. imam ali , no (المدينة؟ نعم. ولكن ضريح الإمام علي، كلا). وكان ذلك يعني بوضوح أن جمهوراً من أبناء المدينة المقدسة كان مستعداً، لأسباب براغماتية (ربما لضمان بقاء المراقد المقدسة بعيداً عن المخاطر الجمة، مثلاً) للقبول بفكرة دخول الأمريكيين، شرط أن لا يقتربوا من مرقد الإمام علي (ع) . لكن هذه الموافقة البريئة بدت في أنظار كثيرين، كما لو أنها صدي لنوع من الترحيب أو القبول الضمني بالواقع الجديد. ويبدو أن منظر الجنود الأمريكيين في شوارع النجف، لم يكن وحده المنظر الذي أثار حنق وسخط الشبان الشيعة. لقد كان هناك منظر آخر أكثر إثارة؛ فهم شاهدوا أحد أبناء المراجع الدينية الكبار يلوّح بيده من داخل دبابة أبرامز. وكان المشهد، بكل ما يتضمنه من دلالات وفي أتم المعاني، صادماً للوجدان الشعبي للسكان المذعورين من مرأي الدبابات العملاقة.

وخلال وقت قصير، وبالرغم من المخاوف من اقتحام المدينة المقدسة والنتائج المترتبة علي ذلك، تحوّل ضريح الإمام علي نفسه إلي مسرح دامٍ لحادثة قتل مروّعة، ذهب ضحيتها الزائر المعمّم الذي كان يلوّح بيديه.

لم يكن ذلك الزائر المبتهج ويا للعجب، سوي الابن البكر للمرجع الشيعي الأعلي الراحل أبو القاسم الخوئي. لقد وصل إلي المدينة مع الدفعة الأولي من القوات التي اخترقت تحصينات الجيش العراقي في النجف. وحين توجه صوب الضريح راجلاً؛ فإن أحداً لم يكن ليتوقع حدوث جريمة قتله.

حادث قتل عند الضريح كان عبد المجيد الخوئي قادماً من لندن حيث يعيش ويدير هناك منذ سنوات، واحدة من أكبر المؤسسات المالية الشيعية (مؤسسة آل البيت) التي لعبت دوراً خطيراً في إدارة سلسلة من الاتصالات السرية مع الأمريكيين طوال حقبة التسعينات من القرن الماضي. كما ساهمت في تمويل عدد من النشاطات السياسية للجماعات المناهضة للحكم في الخارج، وثمة تقوّلات عن مشاركة فاعلة من نوع ما في الاتصالات المحمومة داخل لندن وخارجها، وبحثت فيها خلال مراحل مختلفة، طبيعة مشاركة الأحزاب والجماعات الشيعية في خطة غزو العراق. كانت حادثة قتل الخوئي الابن عند ضريح الإمام علي (ع) مرّوعة بالفعل، وانطوت علي دلالات لا حصر لها، أخلاقية ودينية وسياسية؛ إذ هاجمه شبان غاضبون سوف يُعرف عنهم تالياً أنهم ينتمون إلي التيار الصدري، وليسقط الزائر مضرجاً بدمه. ولكن القتلة لم يكتفوا بذلك؛ بل قطعوه بواسطة السكاكين والسيوف إرباً إربا. ولأن الحادث وقع علي خلفية اتهامات شنيعة بالفساد المالي وسرقة ملايين الدولارات من أموال الحوزة، وهي اتهامات لطالما ثارت في الوسط الشيعي وكانت مادة من مواد الصراع والتنافس بين المراجع الكبار، فقد أُضيفت دلالة جديدة ربما طغت علي الحادث برمته. لم يأت الخوئي الابن كزائر أو منفيٍ يعود بعد سنوات إلي مدينته؛ بل بدا في أنظار قتلته والساخطين عليه كما لو كان فاتحاً أسكرته نشوة النصر. وذلك ما وضع مسألة الفساد المالي في الحوزة داخل إطار جديد ومختلف تماماً، أعاد ربط التلاعب بالأموال في سياق التدخل الأجنبي؛ ولنقل أعاد وضع المسألة برمتها داخل إطار العلاقة الجديدة والمثيرة للحيرة بين الأحزاب الشيعية والأمريكيين. يلخص مشهد قتل الخوئي الابن، لا الطريقة التي أصبحت فيها النجف في قلب الحدث؛ وإنما كذلك مغزي التشابك بين الفساد المالي، وبين ما يدعي ـ في بعض الأدبيات السياسية الشيعية الناقدة ـ دور الأصابع الخارجية في التلاعب بمواقف رجال الدين الكبار، وبالتالي علاقة هؤلاء بما يطلق عليه نقّاد الحوزة الاستبداد الديني في المؤسسة التقليدية. كانت النجف علي امتداد التاريخ السياسي للحوزة تقوم بأدوار مقررة علي مستوي الأحداث الوطنية الكبري، قلما عرف العالم العربي/ الإسلامي شبيهاً لها، فلا الأزهر الشريف في القاهرة ولا جامع الزيتونة في تونس عرف أي منهما دوراً مماثلاً، من حيث القوة والنفوذ الروحي وكمية المال كالذي امتلكته الحوزة في النجف. حتي أن السلطان عبد الحميد اضطر في مطالع القرن الماضي، إلي خطب ود المراجع الدينية في النجف بإصدار سلسلة من الفرمانات الإدارية الهادفة إلي تهدئة الخواطر، وتوسيع الفرص أمام المجتهدين الشيعة لتطوير المدارس الدينية ونشر التعليم وفقاً للمذهب الجعفري، فانتشرت إذ ذاك المكتبات ودور النشر وراحت الكتب والمجلات تتدفق علي النجف من مصر ولبنان. كل ذلك كان بأمل تحييد الحوزة علي الأقل، ومن ثم الشيعة بوجه العموم، وإعاقة تحولهم إلي قوة مناوئة للسلطنة العثمانية، أثناء الصراع ضد الخطر الأوروبي. وفي التاريخ السياسي الحديث للعراق لعبت الحوزة أدواراً هامة للغاية علي صعيد بلورة موقف الطائفة الشيعية من الدولة، وهو موقف ظل محكوماً بالكثير من الالتباس بفعل التنافر الذي طبع العلاقة بين الشيعية السياسية والدولة. ومن المعلوم أن المراجع الدينية توّجت موقفها من الدولة منذ العشرينات، بفتوي تحريم دخول أبناء الطائفة في السلك الوظيفي أو التعلم في المدارس الحكومية.

اليوم، وبعد مضي أكثر من أربع سنوات علي الاحتلال الأمريكي للعراق، يبدو أن الحوزة الدينية عادت بقوة إلي واجهة الأحداث العاصفة في العراق الجديد مع تنامي وتصاعد أدوارها المقررة، حتي علي صعيد التنافس السياسي ومسار الانتخابات وتشكيل الحكومة.

إن الإطار المقترح الذي يسمح برؤية هذا الدور علي حقيقته من حيث الحجم والظروف والإمكانيات الواقعية، يمكن أن يُرسم من خلال ثلاثة محاور ذات مضمون تاريخي، شكلت بمجموعها المادة الرئيسية في الصراع والتنافس من أجل السيطرة علي المؤسسة الدينية، وهي محاور تحكمت بدور النجف وتطور حوزتها الدينية حتي اللحظة ويمكن تصنيفها علي النحو التالي:1: الاستبداد الديني ويقصد به الظروف والعوامل التي أدّت إلي تكريس الروح التقليدية والجمود الفكري في التعليم الديني، وتفاقم العداء ـ في نظم التدريس المعتمدة ـ لكل وأي محاولة للتجديد في الفقه الشيعي، وإلي منع وإعاقة نمو تيار حداثي يعيد الحوزة إلي اللحظة التاريخية التي شهدت ولادتها، أي يعيدها إلي لحظة تطوير فكرة الاجتهاد التي ميّزت المذهب الجعفري عن بقية المذاهب الإسلامية. وكان ذلك بمثابة خطر داهم واجهته الحوزة ورجالها بمزيد من التشدد والاستبداد.2: الفساد الماليويُقصد به انعدام أي شكل من أشكال الرقابة علي طرق صرف المال الشرعي، أو أوجه توزيعه وشيوع حالات فساد واسعة النطاق. إن مشكلة الفساد المالي مشكلة قديمة وعويصة لا تزال نتائجها تثير الكثير من الجدل.3: الأصابع الخارجيةويُقصد بها ـ بالترابط مع هذين العاملين ـ وجود دور سياسي خفي للقوي الخارجية. لقد كان هناك علي الدوام عامل تنامي الدور الإيراني في الحياة الداخلية للحوزة؛ ولنقل أن الأمر يتعلق بالدرجة الأولي بالنفوذ الخفيّ للإيرانيين علي المراجع الدينية، وبالتالي تفاقم أشكال التدخل الخارجي، البريطاني ـ الإيراني منذ ولاية داود باشا 1830 حتي عهدي الشاه رضا خان ثم ابنه محمد رضا، وصولاً إلي التدخل الأمريكي في شؤون الحوزة، وتواتر الأنباء عن تنسيق وضحت معالمه أثناء الغزو الأمريكي. ليست هذه العوامل مجتمعة مجرد ظاهرات عابرة، أو ثانوية غير ذات قيمة فاعلة في تاريخ المؤسسة الدينية. وعلي العكس من ذلك؛ فإنها تمثل بحق وكما سوف نبيّن، المادة العضوية غير المرئية التي تغلغلت في نسيج الكيان التاريخي للحوزة. إن نمو وتطوّر المؤسسة الدينية في النجف، ظل متلازماً ومترافقاً باستمرار مع وجود هذه العوامل. وهي ليست ولم تكن مجرد ظاهرات في تاريخها، أو مجرد أخطاء في السيرة الذاتية لأقطابها. وثمة دلائل متزايدة علي أنها كانت ولا تزال وثيقة الارتباط بعوامل وظروف متشابكة يصعب تخيّل إمكانية الفصل بينها.

إن رؤية هذه العوامل وتحليلها، سوف يحدد بشكل حاسم شكل وطريقة فهم الدور السياسي للمؤسسة الدينية. وبالضد من ذلك، ستغدو أي محاولة تتجنب النظر بعمق في مدي التأثير الذي تركته، مجرد محاولة عقيمة وربما لا قيمة لها، فلقد غدت الحوزة في النجف، وبفضل كمية المال المتكدّس بين أيدي رجالها ومؤسساتها المتعددّة منذ حقبة وقف أوض/ أوده في القرن ما قبل الماضي ـ وهو مال وفير تدفق عليها طوال عقود ـ قوة مالية كبري لا تنافسها أي قوة دينية أو سياسية أو اقتصادية محلية. هذا المال الوفير جعل من المؤسسة الدينية بسهولة، وحتي من دون أي دور سياسي ملموس في بلد غني مثل العراق، قوة مهيمنة يتعدي نطاق سيطرتها الروحية علي الأتباع حدود التوجيه والإرشاد، إلي ما يمكن اعتباره نمطاً فريداً من فرض الالتزام الشعبي شبه الجماعي والتقليدي بكل ما يصدر من فتاوي. وأضحت الحوزة بفضل المال وحده، أشبه بإمبراطورية يديرها بارونات معممون، يبدون لشدّة زهدهم وتقشفهم الظاهري، وكأنهم مجرد عبّاد زهدوا في الدنيا ولبسوا مسوح الرهبان، وأنهم لشدة شغفهم بالتعاليم الدينية لا يبدون كرجال معنيين بالشأن الدنيوي، ولكنهم في الواقع كانوا يتحكمون في الكثير من الأمور. كان المال الديني المتدفق علي مؤسسات الحوزة وعلي رجالها بفضل نظام الخمس ولا يزال، عاملاً حاسماً من بين عوامل متشابكة أخري، يقرّر ويحسم شكل وطبيعة الروابط التي يمكن أن تنشأ بين أبناء الطائفة الشيعية والمؤسسة الدينية، بوصفها روابط شديدة الخصوصية ومن طبيعة متراكبة يلعب فيها الولاء المذهبي التقليدي ( الشعبي) دوراً مركزياً. بيد أن المال الديني كان ولا يزال كذلك، موضوعاً من موضوعات نقد المؤسسة الدينية الشيعية. ولطالما أدّي هذا النقد شبه العلني في حالات كثيرة إلي بروز انشقاقات ونشوء صراعات حتي بين المراجع الكبار. المال.. والغضب المكبوتيتركز جزء من الجدل الشعبي الدائر حول الحوزة وأملاكها، وكل ما يتصل بالأموال وطرق استثمارها وتوزيعها وأشكال الرقابة عليها، وبصورة صريحة لا تنقصها الوقاحة في بعض الأحيان، حول وجود تلاعب وفساد مالي، جري فيه تفريط بثروة الطائفة من جانب بعض المراجع الكبار أو أبنائهم ووكلائهم، كما هو الحال مع قضية أموال الحوزة التي أتهم بها الابن البكر للمرجع الراحل آية الله أبو القاسم الخوئي صريع الضريح. كما يتركز علي نحو ما، حول مسألة حرمان قطاعات واسعة من أبناء الطائفة المهمشين والمحرومين الذين كانوا يشعرون باستمرار، أنهم حرموا من أموال كانت تتدفق لصالح رعايتهم في الأصل، ومن أجل تحسين شروط حياتهم اليومية. ولا يزال بوسع المرء سماع مثل هذه الشكاوي في أوساط الشبان الشيعة الفقراء الذين ما انفكوا يتساءلون: لماذا تذهب الأموال إلي جيوب الأثرياء من المجتهدين، بينما المقصود من أموال الزكاة والخمس أن تعمل علي تعديل الشروط الإنسانية للفقراء من الشيعة؟ ومع ذلك، فمن المؤكد أن المال الديني لعب دوراً شبه مباشر في بلورة شكل الصراع وحدوده مع الدولة الوطنية.

وفي هذا النطاق تعزو شخصية روحية بارزة إلي المال، دوراً لم يكن في الحسبان بالنسبة للباحثين؛ إذ ارتأت أن الحرص علي بقاء نوع من الخصومة مع الدولة، حتي ولو كان ذلك ظاهرياً له علاقة وثيقة بخوف المراجع الدينية، وشعور رجال الدين الكبار بالذعر من أي تصالح أو اقتراب من المؤسسات الرسمية، ذلك أن مصالحة الدولة مع المؤسسة الدينية قد يؤدي إلي توقف تدفق المال الديني (نظام الخمس). وبالتالي حرمان المرجع من الحصول علي ما يدعي سهم الإمام (أي حصته) وهي ُخمس الخُمس (ثلاثة أرباع المال المقدم من الفرد للحوزة). كما أن التقارب مع الدولة في أي حال، كان يعني بالنسبة لدافعي أموال الخُمس والزكاة، نوعاً من الأسباب الموجبة للابتعاد عن المرجع الديني، أو تغيير التقليد والانتقال إلي مراجع أخري. وفي هذه الحالة سوف يخسر المرجع الديني شرعاً، الحق في الحصول علي المال أو المطالبة بسهم الإمام، أي ُخمس الخُمس من أموال الزكاة. هذه العوامل الثلاثة (الاستبداد الديني والفساد المالي والتدخل الخارجي) هي العناصر الحقيقية التي يشكل أي فهم مستقل ونزيه وموضوعي لها، مفتاحاً ذهبياً لفهم دور الحوزة وأقطابها وآياتها العظام في ميدان السياسة.

المراجع العظام أقطاب الصراع، الفساد المالي عوامل وآليات التنافسيقود حوزة النجف خمسة من كبار المراجع الشيعية هم علي التوالي: آية الله علي السيستاني (إيراني الأصل من مدينة سيستان) وآية الله محمد سعيد الحكيم (عربي من أصول هندية بعيدة) وآية الله الشيخ بشير النجفي ( باكستاني) وآية الله محمد إسحاق الفيّاض (أفغاني) وآية الله محمد اليعقوبي (عربي). يؤلف هؤلاء المراجع الذين يُطلق عليهم تعبير المراجع العظام ما يمكن اعتباره مجمعاً قيادياً روحياً وسياسياً.

إن معظمهم ـ تقريباً ـ أصبح بفعل التطورات التي شهدها العراق منذ احتلاله، مرجعاً سياسياً، فضلاً عن كونه مرجعاً دينياً لأتباعه الروحيين الذين بات معظمهم اليوم من القادة السياسيين. وعلي الرغم من أن هذا الجانب لم يكن أمراً معتاداً أو مألوفاً في الحياة الداخلية للحوزة؛ إلا أن التطورات السياسية السريعة هي التي دفعت بآياتها الكبار إلي واجهة دور سياسي لم يستعدوا لملاقاته قط؛ بل إن الكثير من المجتهدين الكبار، ربما بسبب أصولهم غير العراقية، غالباً ما ترددّوا أو أحجموا عن المشاركة في أي نشاط سياسي محلي له خاصيّة الشأن الداخلي. فعلي امتداد تاريخ الحوزة الطويل نسبياً، تعاقب علي قيادتها والصعود إلي مركز المرجع الأعلي للشيعة فيها، عدد كبير من آيات الله لم يكن من بينهم سوي عدد قليل فقط من أصول عربية. ومع أن هذا التاريخ يفصح عن نمط من السلاسة والتلقائية في صعود رجال الدين العظام إلي مركز المرجع الأعلي؛ فإنه لم يكن ليخلو من توترات وهزّات متقطعة.

صراع النجف وقم وعلي الرغم من مظاهر السلاسة في أشكال انتقال مركز المرجع الأعلي بين المجتهدين العظام عقب وفاة أيٍ منهم؛ فإن المؤسسة الدينية كانت عرضة للانشقاق بفعل ضراوة التنافسات والصراعات الخفية التي كانت تدور في أروقتها حول موضوعين رئيسيين متلازمين:

الأول: ويدور حول الأصول العرقية (الاثنية) للمرجع الديني. لقد كان هناك علي الدوام جدل حول أصول وجذور الأسر والعائلات التي ينحدر منها علماء النجف من المراجع العظام. بيد أن هذا الجدل ظل داخلياً ومُتستّراً عليه ولم يخرج إلي العلن إلا في حالات استثنائية. ولذلك جسدت ميول الأتباع والمقلدين (الذين يفضلون هذا المرجع علي ذاك) وبعمق نادر في تاريخ المؤسسات الدينية، فكرة وجود نزاع خفي حول الوطنية بين الإيرانيين والعراقيين حصراً. أي حول درجة ولاء هذا المرجع أو ذاك لهويته الجديدة التي اكتسبها بفضل وجوده في المدن العراقية المقدسة (وبالطبع لا يثار أي نقاش حول الأصول الباكستانية أو الأفغانية). إن التركيز علي الأصول الإيرانية للكثير من المراجع الكبار، له صلة عميقة بالتاريخ السياسي المتوتر وربما المأسوي الذي تشكلت العلاقات العراقية ـ الإيرانية في إطاره.

وحتي اليوم لا يزال الكثير من المراجع العظام يحملون الجنسية الإيرانية، ويرفضون ـ كما الحال مع آية الله السيستاني ـ اكتساب الجنسية العراقية. ومع هذا يمكن القول أن الأمر برمته لم يكن ليتصل عضوياً بإثارة مسألة الهوية الوطنية للمؤسسة الدينية، بمقدار ما كان يدور حول أشخاص بعينهم. ومن المؤكد أن الميول لإثارة موضوع الأصول غير العربية وفي مراحل مختلفة، تضمنت رغبة جارفة من جانب العراقيين لإحداث توازن إثني مع الإيرانيين داخل المجمّع القيادي، يسمح ببروز قيادات وطنية محلية. بهذا المعني ظل الأتباع والمقلدون يفصلون تلقائياً بين عراقية المؤسسة الدينية، وبين الأصول غير العربية للمرجع الأعلي، فلا أحد تقريباً يشكك في هوية المؤسسة، حتي وهو يلمح إلي هذه الأصول. وبصعوبة جمة يمكن العثور علي دلائل كافية علي وجود أي نوع من الحساسية من جانب الجمهور(الشعبي) تجاه الأصول الغريبة لهؤلاء العلماء؛ إلا في الحالات التي بدت فيها كما لو أنها كانت دليلاً علي تراخي الروح الوطنية. في مطلع القرن الماضي وتحديداً سنوات 1914 ـ 1919 تفجر جدل واسع النطاق حول الأصول الفارسية لآية الله العظمي كاظم اليزدي، عندما أظهر استعداداً أقل من المطلوب لشحذ الروح الوطنية دفاعاً عن العراق في وجه الاحتلال البريطاني. لكن هذا الجدل من جانب ثانٍ، وربما من غير إرادة المتجادلين، كان يعكس بقوة تنافساً محموماً بين العراق وإيران حول مقدار ونوع النفوذ والسيطرة علي المؤسسة الدينية. ومن غير شك؛ فقد اتخذ هذا التنافس في بعض الأحيان، شكل تجاذب ديني بين المدينتين المقدستين قم والنجف. علي أن التنافس بين إيران والعراق (قم والنجف استطراداً) حول الحوزة، كان يتضمن بدوره وفي الجوهر، نوعاً من النزاع الخفي بين التقليدية والتجديد في الفقه الشيعي؛ ففي حين كانت قم تندفع صوب حركة تجديدية مشحونة بتأملات فكرية عميقة وراديكالية، كانت النجف تغوص أكثر فأكثر في تقليديتها وسكونيتها علي مستوي الإنتاج الفكري. إن تاريخ الحوزة يحتفظ بصورة نموذجية لواحدة من أكبر مظاهر الشقاق بين المراجع العظام حول جملة من المسائل والمواضيع. وقد وقعت أخطر هذه الصراعات علي خلفية مركبّة من التنافس الفقهي والاثني؛ الموّلد لأشكال متعددة من التجاذب السياسي والثقافي بين الإيرانيين والعرب. ويبدو من هذا التاريخ أن الصراع علي مركز المرجعية قد تبلور في عام 1945 علي خلفية وطنية أكثر وضوحاً، وأثيرت فيه للمرة الأولي وبقوة مسألة الهوية من خلال إثارة مشكلة الأصول العرقية (الاثنية) لرجال الدين المتنفذين. ومع تنامي النزعة الوطنية خلال النصف الأول من القرن الماضي بين رجال الدين الكبار ومقلديهم من العراقيين، وفي إطار نزعة أعمّ كانت تشحنها أجواء النضال الوطني من أجل الاستقلال الحقيقي للعراق؛ تبدي هذا الصراع كما لو كان محاولة عراقية مبكرة لانتزاع مركز المرجعية من أيدي الأقلية الفارسية المقيمة في النجف والتي هيمنت علي كل مرافقها. والمثير أن هذا التجاذب الذي عكس بقوة، وجود أزمة هوية في المؤسسة الدينية كان يتواصل بفعالية حتي عام 1960. وطوال عقد ونصف (من عام 1945 حتي 1960) ظلت الحوزة تعيش انشقاقاً مكشوفاً وحاداً، تقاسم فيه الإيرانيون والعراقيون السيطرة علي موقع المرجع الأعلي. وفي هذه الحقبة الطويلة والمريرة من الصراع انقسمت المؤسسة الدينية إلي حوزتين في قم والنجف. انحصر التنافس طوال خمسة عشر عاماً متواصلة بين آية الله محسن الحكيم (العراقي) وآية الله حسين البروجردي (الإيراني) المقيم في قم. وفي حين تمسك العراقيون بالحكيم مرجعاً أعلي؛ فإن الإيرانيين ردّوا بالتشبث بمرجعية البروجردي. لقد عكس هذا التطور الفكرة القائلة أن تنافساً محموماً كان يدور في الخفاء، بين المدينتين المقدستين قم والنجف حول أحقية الاحتفاظ بالمركز الروحي للشيعة، وأن هذا التنافس كان تجسيداً للجدل المُتستر عليه والذي تفجر داخل أروقة الحوزة حول الهوية. واليوم، تثير التطورات السياسية العاصفة في العراق ومن جديد، الجدل القديم نفسه بما ينبئ بوجود أزمة هوية عميقة. الثاني:

وكان يدور في نطاق أضيق حول مسألة بدت في أنظار الكثيرين، كما لو أنها تعبر عن نمط غريب وغير مألوف من التنافس، سرعان ما تبلور بوصفه أكبر وأخطر نزاع داخل المجمع الروحي وامتد إلي خارج الحوزة، ليبلغ أسماع المجتهدين الآخرين الذين أصبحوا طرفاً فيه. كان الصراع يدور وبشكل مكشوف حول الأعلمية، أي حول الجدارة والحق من حيث غزارة العلم في تبوؤ مركز المرجع الأعلي.

هكذا تلازم الجدل حول الجذور الأسرية والأصول العرقية (الاثنية) للمراجع العظام، مع الصراع فيما بينهم حول الأعلمية.

ففي مطلع عام 1992 ومع وفاة الخوئي وعلي خلفية هذا النمط من النزاعات، حدث ما يمكن اعتباره أول لحظة فراغ كبري في مركز القيادة الروحية.

لقد نجمت الأزمة التي تفجرّت علناً حول الأعلمية بعد بروز مطالبين لم تُسمع أصواتهم من قبل.

في هذا التاريخ رحل آية الله أبو القاسم الخوئي تاركاً من ورائه أزمة عاصفة أُثيرت فيها بقوة، ربما للمرة الأولي وبهذا القدر من العلنية والوضوح، المسألتان المتلازمتان: الجذور غير العربية لقادة الحوزة والأعلمية. ولم يكن أمراً مفاجئاً أن يتقدم إلي مسرح النزاع رجل مثل محمد (محمد) صادق الصدر (والد مقتدي) الذي قدّم نفسه آنئذٍ، مستغلاً أصوله العربية وكفاءته العلمية، كمرشح قوي يجمع بين الخصلتين النادرتين. لكن مسار النزاع اتخذ منحي مغايراً لتوقعات الصدر وأنصاره وبشكل مفاجئ ومخيب للآمال، عندما استقر رأي رجال الدين الكبار علي اختيار السيد عبد الأعلي السبزواري. وكان من سكان النجف.

إلي جانب الصدر كان هناك منافس آخر لا يقل هيبة وشعبية في أوساط رجال الدين هو آية الله السيستاني. بيد أن الأغلبية رجحت كفة السبزواري في النهاية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية