وكفت نور عن الكلام المباح

حجم الخط
0

خالد عاشور

أصرت حبيبتي علي أن نتعارف. هي التي تعرف خوفي الدائم من معرفة الغرباء أصرت وبعناد علي أن تعرفني بنور صديقتها الوحيدة، قالت أنها تمر بأزمة عاطفية وأنها تريد التحدث إلي، أنا الرجل الذي لا يحب حديث الغرباء. تدعوني حبيبتي لأن أتحدث مع أنثي غيرها بمنتهي البساطة.! في كل مرة كنا نقابل نور كنت أبتعد عنهما قليلاً لأترك لهما مجالاً لأحاديثهما الأنثوية الخاصة، غير أن صوتيهما كانا يصلانني، صوت حبيبتي دائماً خافت أما نور فصوتها دائماً واضح قوي، كانت تضحك وتثرثر وحين يخفت صوتاهما أعلم أن في الأمر سراً فأبتعد.

نور تحب، يظهر من عينيها أنها تحب، تدندن باسمه كثيراً، اسمه محمود وتطلق عليه حوده، تضحك دائماً حين تأتي سيرته وتصر علي أنها ستصنع منه شيئاً، تقول وهي تنظر نحوي:- الرجل طفل… طفل عنيد..! تقولها وتضحك في هستيريا، وتسألها حبيبتي عن أحوالها معه، أسمعها وهي تقول بأنه سيتقدم لخطبتها قريباً حين ينتهي من دراسته الجامعية، عرفت من كلامها أن قصتها معه بدأت منذ الدراسة، أنهت هي دراستها بينما تركته متعثراً في الحصول علي شهادته الجامعية بينما عملت هي لأنها – كما أكدت لحبيبتي – تكره قعدة البيت، تقول أنه يعمل مع أبيه في التجارة برغم دراسته للقانون، تتنهد نور وهي تقول:- قانون الحياة هو المال… لا شيء فوقه..! أهز رأسي وأنا أتحسس جيبي وأعرف ساعتها أنني لا أمتلك في جيبي الفارغ أي مادة من مواد القانون الذي تتحدث عنه نور، وأنه لولا أن منحني الله سكناً خاصاً بي لكنت بناء علي رأيها أحبو في قانون الشحاذة، فأدير وجهي عنهما وأصمت. تمهلت نور قبل أن نفترق، رمقتني وكأنها ستقول شيئاً، غير أنها لم تقل، فقط طلبت رقم هاتفي لتقص عليّ حكايتها التي طلبت من أجلها لقاءنا فأعطته لها حبيبتي بكل بساطه، حبيبتي التي تغار عليّ تعطي صديقتها رقم هاتفي لتزرع دون أن تقصد أولي بذور الحب بيني وبين صديقتها الوحيدة.

في الصباح وقبل أن أفيق كان جرس الهاتف اللعين يرن، حين أجبت كان صوت نور واضحاً جلياً في أذني، تكلمت كثيراً بينما كنت أنا ألتزم الصمت، قالت أنها ستفسخ علاقتها بمحمود، لأنها يئست منه ومن سلبيته فهي غير مستعدة أن تضيع ما تبقي من عمرها في انتظار ما لا يجيء بعد أن تعدت سنوات عمرها الثلاثين، وأنها في كل مرة كانت تراني كانت تتمني أن أكون أنا حبيبها بدلاً منه، وأنه لولا وجود حبيبتي – صديقتها الوحيدة – لأخذتني بين ذراعيها في كل لقاء. لم أجبها بشيء، غير أنها شعرت بحاستها الأنثوية أنني ما زلت أتمسك بذلك الشيء الذي يسمونه وفاء، أنا الرجل الخائن دائماً والذي لم يكن له هم غير اصطياد النساء يتحول الي وفي.! أنا الذي كنت علي أتم استعداد للخيانة بلا مبررات أشعر أن الخيانة تخونني للمرة الأولي، كنت فقط أسمعها وهي تقول أنها تريدني، وحين ذكرتُ لها اسم حبيبتي كي أوقظها ضحكت وقالت:- كل شيء يولد صغيراً ويكبر، إلا الأحزان فانها تولد كبيرة ومع الأيام تصغر..! لم أجبها ساعتها وقررت علي الفور أن أقطع ذلك الحبل السري الذي قذفت به نور تجاهي لتجذبني لها وأغلقت الهاتف.

جاهدت كثيراً كي أبتعد عنها، غير أن حبيبتي كانت تقص عليّ أخبارها دوماً في سذاجة، وكأنها تُصر علي أن تروي ذلك النبت الغريب الذي وضعته لينمو دون أن تدري بقلبي الخائن بطبعه، والذي ذات صباح مات فجأة حين دعتني حبيبتي كي أقابل نور مع ذلك الشاب العشريني الذي انحني أمامي في أدب مُتصنع وهو يقدم لي نفسه علي أنه حبيبها. ها هي ذي نور تعود الي الحب لتعفيني لذة الخيانة، وها هو ذا الشاب العشريني الذي يصغرها بعشر سنوات والذي لم أرتح له منذ رأيته أخذ يثرثر في غرور متباهياً بطوله المبالغ وهندامه الأنيق تاركاً لي خيار الصمت في حوارنا المقتضب.! كنت أرقب نور وحبيبها الصغير وهما يتهامسان واضعاً يده في وقاحة حول خصرها تاركاً عقلي الباطني يسبّه بأقذع الشتائم دون أن أنطق. أنا الرجل الوقح كنت أشعر أن وقاحة ما قد توطدت بين نور وذلك الشاب العشريني القذر، تلك الوقاحة التي كانت تطل من عينيه باستمرار كلما نظر نحوي أو نحو حبيبتي مما جعلني اسحب حبيبتي معتذراً لكي نتركهما ينعمان بالوقاحة التي بدأت تخنقني.! مرت شهور حاولت خلالها أن أنسي نور وفتاها العشريني الوقح، ولم أشأ حتي أن أعرف أخبارها، غير أن ذلك الصوت الذي وصلني عبر الهاتف أكد لي أنه صوت نور، كانت تبكي بحرقة، قالت في عجالة:- أريد أن أراك..! في ميدان التحرير وجدتها بصعوبة تختبيء بين الزحام، اقتربت منها في توجس، وقبل أن أمد يدي بالسلام مدت هي يدها بجريدة الصباح الرسمية، بهتَّ وأنا أقرأ المانشت التي وضعت حوله دائرة حمراء وهي تقدم لي الجريدة:- مفتي الديار المصرية يبيح عملية ترقيع غشاء البكارة.

لم أنطق بشيء وتركتها تتكلم، كانت ترتعد، وحين كفت عن الكلام كنت أنا ما زلت أنظر إلي الجريدة وأقرأ الفتوي. التفتُّ إليها لأجد أنها رحلت في صمت دون أن تنبهني بعد أن كفت عن الكلام المباح، بينما عدت أنا وبين يدي الجريدة وقد انتقلت الدائرة الحمراء الموضوعه حول الفتوي إلي عقلي فجعلتني اتحرك بلا وعي بين الزحام.

قاص من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية