عندما أكتب بالإسبانية أجد نفسي داخل جلدي لأنها لغة مشحونة بالتاريخ العربي

حجم الخط
0

الكاتب والشاعر المغربي إدريس الكنبوري لـ “القدس العربي”:

الرباط ـ “القدس العربي”: شارك الكاتب والصحافي والشاعر المغربي إدريس الكنبوري مؤخرا في الملتقي الأدبي المغربي ـ الإسباني الذي انعقد في قادس جنوب إسبانيا خلال الأسبوع الأول من شهر تموز (يوليو)، إلي جانب عدد من الكتاب والشعراء الإسبان والمغاربة الذين يكتبون بالإسبانية، حيث قام الأديب الإسباني مانويل كاهيتي بتقديم بعض أعماله الشعرية. وسوف تصدر للشاعر الكنبوري قريبا مجموعة شعرية باللغة الإسبانية في قرطبة، كما سبق أن أصدر عام 2003 كتابا تحت عنوان العراق أولا: المشروع الأمريكي الإسرائيلي في العالم العربي. في المجال الصحافي له اهتمام كبير بالشأن الإسباني والعلاقات الإسبانية ـ المغربية. عن أعماله وعلاقته باللغة والثقافة الإسبانيتين وقضايا أخري كان لنا معه هذا الحوار. القراء يعرفون الكنبوري صحافيا ونعتقد أن الكثيرين منهم لا يعرفون الجانب الأدبي منه كقاص وشاعر، نريد أن تحدثنا عن هذا الجانب من شخصيتك؟ بدايتي مع الكتابة، ربما مثلها مثل جميع البدايات، كانت مع الأدب والكتابة الأدبية، وقد بدأت رحلتي مع الكتابة في بداية الثمانينات من خلال النشر في بعض الصحف المغربية، في صفحات الشباب خصوصا، وتنوعت الكتابة في تلك الفترة ما بين الشعر والقصة القصيرة والخاطرة الأدبية، ثم نشرت بعض كتاباتي في الصفحات الثقافية بعد ذلك ثم في بعض المجلات المغربية أو العربية، وعندما دخلت عالم الصحافة تراجع اهتمامي بالكتابة الأدبية نسبيا، لكنه ظل حاضرا مع ذلك واتخذ أبعادا أخري، حيث اكتشفت أن الكتابة الصحافية يمكن أن تكون رافدا من روافد الكتابة الأدبية، والعكس صحيح، وأنا أعتقد أن الصحافة والأدب مدرستان متجاورتان بل متلاقحتان تماما، وهذا ما يجعل الكتابة الصحافية بالنسبة لي نوعا من المتعة، لكي أحاول من خلال ذلك التقليص من الطابع الروتيني الذي تتصف به الكتابة الصحافية. هذا يعني أن أول ما بدأت الكتابة به هو الشعر، هل ارتبط ذلك بظروف اجتماعية معينة جعلت قريحتك تتفتق مبكرا؟ يمكن قول ذلك، فنشأتي كانت في بيئة اجتماعية مغلقة جعلت القراءة بالنسبة لي نافذة علي العالم، ومنذ طفولتي المبكرة نسجت علاقة شبه شخصية مع الكتاب، وتطورت هذه العلاقة إلي محاولة التعبير عن الذات من خلال التقليد، مثل أي كاتب ناشئ، وطبيعي في هذه المرحلة أن يكون الشعر هو المتنفس الأول الذي يلجأ إليه المرء في هذه السن المبكرة، فنحن العرب أمة الشعر والسماع، لذلك فإن كل شخص فينا يختزن بداخله أصداء شعرية مختلفة، ليس من الضروري أن تكون شعرا فصيحا، بل قد تكون أصداء لأهازيج شعبية أو أغان جماعية أو رقصات صوفية. لكنك لم تطبع أي ديوان شعري لحد الآن، هل يرجع ذلك إلي أسباب مادية أم هو اختيار؟ نحن لسنا في زمن التكسب بالشعر، وسوق الشعر في المغرب وفي العالم العربي عموما سوق كاسدة، زد علي ذلك أن الشعر العربي والمغربي منه انحدر كثيرا ولم يعد صالحا للقراءة، مما زاد في نفور القارئ منه، فما يكتب اليوم ويسمي شعرا تسعون بالمائة منه يصلح لكي يجمعه عمال القمامة في شاحنات البلديات ويرمون به إلي المزابل. مثل هذا المناخ لا يشجعك علي المغامرة بطبع عمل شعري، لذلك أكتفي بالكتابة لنفسي، ولا أنشر إلا لماما، فأنا أكتب الشعر لحاجة تدعوني إلي ذلك، وعندما أكتب شيئا أعتبر أن مهمتي انتهت ولا داعي لنشره. تكتب أيضا باللغة الإسبانية، وسيظهر لك في إسبانيا ديوان شعر مكتوب بالإسبانية، نريد أن نعرف لماذا هذا الاختيار؟ الكتابة بالإسبانية كانت بالنسبة لي اختيارا واعيا، وأنا لا اشعر بأي اغتراب داخل هذه اللغة بعكس ما إذا كنت أكتب بالفرنسية مثلا، لأن الفرنسية بالنسبة لي أنا كمغربي تبقي دائما لغة المستعمر. في اللغة الإسبانية أجد نفسي داخل جلدي تقريبا، فهي مشحونة بالتاريخ العربي الإسلامي، وكثير من الكلمات لديها جذور في اللغة العربية، وعندما تقرأ الشعر الإسباني تجد نفسك في بعض الأحيان كأنك تتجول في أروقة الشعر الأندلسي القديم، بل هناك فئة من الشعراء الإسبان الذين يكتبون الشعر الصوفي ممن تكاد تلاحظ في شعرهم حضورا قويا للثقافة العربية الإسلامية، هذا الجانب من الأدب الإسباني للأسف غير معروف لدي قراء العربية، بل إن الأدب الإسباني خصوصا والأدب المكتوب بالإسبانية عموما غير معروف بالشكل الكافي. أما في موضوع المجموعة الشعرية التي ستنشر لي في إسبانيا فهي في الحقيقة ثمرة تعاون بيني وبين الكاتب والشاعر الإسباني الكبير الصديق مانويل كاهيتي الذي قام بتقديم المجموعة والإشراف علي نشرها مشكورا، وبعض قصائد المجموعة سبق نشرها في مجلات إسبانية من بينها لاباطا ديل كاماليون التي تصدر في بونتيفيدرا، و الحسيما التي تصدر في غرناطة، و ثلاث ضفاف التي تصدر بالجزيرة الخضراء، كما نشرت واحدة منها في الكتاب الجماعي نهاية الإذعان الذي صدر في قرطبة وشارك فيه العديد من الكتاب والشعراء الذين يكتبون بالإسبانية، وأشرفت عليه الكاتبة الإسبانية بالبينا بريور. تعمل أيضا علي ترجمة الأدب الإسباني والترجمة من اللغة الإسبانية، ما هي الأعمال التي قمت بترجمتها؟ ترجمت العديد من القصص القصيرة والقصائد الشعرية لكتاب وشعراء إسبان وآخرين من أمريكا اللاتينية، نشر بعضها في صحف ومجلات عربية، وأقترب حاليا من إنهاء ترجمة رواية الكاتب إميليو باييستيروس البركة، وهي رواية جميلة جدا تجري وقائعها بين مدينة فاس المغربية وقرطبة الإسبانية خلال القرن السادس عشر حين كان العرب والمسلمون ملاحقين من قبل المسيحيين، وعنوانها نفسه يحمل دلالة صوفية عربية، وكذا مسرحية أنطونيا بوينو الزهراء حسناء الأندلس، وهي مسرحية تجري أحداثها في الأندلس أيام عبد الرحمن الثالث خليفة قرطبة، ولدي مشروع لترجمة بعض أعمال الأديب المغربي الذي يكتب بالإسبانية سعيد الجديدي، أحد رواد الأدب المغربي المكتوب بالإسبانية، كما أنني انتهيت تقريبا من ترجمة آخر أعمال الشاعر مانويل كاهيتي، وهي مجموعة شعرية جديدة. تكتب القصة القصيرة أيضا ولك تجارب في الكتابة الروائية، أين وصلت مشاريعك بهذا الخصوص؟ الكتابة مثل مدينة واسعة بها عدة شوارع، يمكن أن تجد نفسك في أي وقت وسط أحدها، وهذا ما يحصل لي أحيانا، فأنا مثلا أكتب قصص الأطفال وأقوم بترجمة قصص من أمريكا اللاتينية موجهة للصغار، لأنني أجد في ذلك نوعا من المتعة والشعور بأنني أؤدي عملا تربويا، كما أكتب القصة القصيرة، ولدي مجموعة أتمني أن تسنح الفرصة لطبعها، كما أن لي رواية بعنوان بحر الزقاق تتحدث عن خروج المسلمين من غرناطة بدأت كتابتها قبل خمس سنوات ولم تكتمل بعد. في كتاباتك القصصية ميل واضح إلي السخرية، ما هو السبب؟ السخرية بالنسبة لي هي ملح الكتابة، فأنت تستطيع أن تقول أشياء كثيرة في كلمات أو إشارات مختزلة من خلال السخرية التي تمنحك حيزا واسعا للتعبير، العالم من حولنا مليء بالمظاهر والمفارقات التي تدفع المرء إلي الضحك، لكنه ضحك كالبكاء كما قال المتبني، ووظيفة السخرية المرة هي أن تقرب العالم إلي القارئ ليري الأمور علي حقيقتها، فعندما تتصفح الأعمال الأدبية العظيمة تجد أن السخرية تشكل أبرز ملامحها، خذ مثلا الضون كيخوطي لسرفانتس أو مزرعة الحيوانات لجورج أورويل أو أعمال كبار كتاب أمريكا اللاتينية، فالكتابة الأدبية ليست تسجيلا للواقع كما هو بل للمفارقات الموجودة فيه.

التقاه: عمر العمري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية