مسرحية هشومة : كرنفال إبداعي للاحتفال بالحكاية الشعبية العربية المفعمة بالأحلام

حجم الخط
0

المخرج الدجيتي اعاد الاعتبار للزجل وحنان الابراهيمي تتألق من جديد

من الرباط ـ “القدس العربي” ـ من مصطفي صوفي: شكل العرض المسرحي المتميز الذي قدم ليلة الجمعة الماضية بعنوان (هشومة) مادة فرجوية راقية من خلالها استشعر الجمهور والمتلقي قيمة البصمة العربية والطابع المغربي الذي وشم كل فصول العرض، لتكون (هشومة) المرأة الرمز التي تختزل الكثير من الدلالات والعلامات السيمائية في قالب فني مصاغ علي مقاس الفرجة العربية الانيقة التي يأمل ان يحيا معها الجمهور والمتتبعون ازهي اللحظات.

قراءة عاشقةوالواضح ان العرض المسرحي الذي اشتغل عليه المخرج والفنان المقتدر الحسين الدجيتي وهو عبارة عن ديوان زجلي طويل للشاعرة والزجالة المغربية المتألقة الزهراء الزرييق فاجئ الجمهور وذلك من خلال تماسك فصوله، ورزانة حكمه، والقيمة الجمالية والشاعرية التي طبعت خطاب الممثلين علي الركح مما أعطاه نوعا من الجدية في تناول موضوع المسرحية (العشق والقيم الإنسانية النبيلة…) والفرجة الراقية التي أبرزت القيمة المثلي والأصيلة في كل ما هو مغربي وعربي سواء في الخطاب المسرحي او في اللباس أو في الديكور.

ولعل هذا العرض الذي أنجزته فرقة مسرح وشمة بالتعاون مع إدارة مسرح محمد الخامس شكل استثمارا حقيقيا لربح رهان مسرح جديد تحرك شخوصه أحلام ورؤي وجوه شابة في التمثيل والإخراج وبلمسة إبداعية جديدة تعي جيدا أن سبيل النجاح هو العمل الناضج والمسؤول الهادف الي تحقيق أفق انتظار المتلقي وهو ما تحقق في مسرحية (هشومة). ومن اجل وضع النص المسرحي في خانة محاكمة قراءة عاشقة ارتأينا ان نقارنه بالنص الذي سبق عرضه الاسبوع الماضي والذي انجز ايضا بالتشارك مع مسرح محمد الخامس وهو (ظفائر السوالف) لمخرجه عبد الإله عاجل فوجدنا كما استشعر العديد من المتتبعين ان الفرق شاسع بين العملين، فيما استطاعت (هشومة) ان تكون عروسا تتلالا مثل شمس في ليلة ظلماء، كانت فيهما (هشومة) امرأة حالمة وعاشقة جميلة، مثيرة، مشوقة وبرعت في تقديم فرجة مشتهاة الي الجمهور الذي معها ادرك نبل العاطفة الانسانية، وقوة البوح الشعري الذي كان يتقطر من شفاه الممثلين والراوية/الاسطورة كعسل من تينة ناضجة.

احلام هشومةواذا كان الاول اعتمد علي أسماء معروفة في التشخيص من مثل عزيز الضيفي، نجوم الزوهرة، صلاح الدين بنموسي، نعيمة إلياس الا انه لم يستطع ان يخرج الجمهور من موضوع روتيني مصاغ في قالب هزلي لم يؤد حقه بما عهدناه من عاجل من مادة مسرحية جيدة، وبالتالي يمكن القول ان عرض (هشومة) التي تألقت فيه بشكل لافت كل من الفنانة حنان الإبراهيمي الوردة الحمراء التي سقت مولاي الغالي من مدام عشقها كأسا اصابه في القلب، ومحسن مهتدي وسميرة الصاقل اللذين اديا دورهما بكل ثقة وثبات، فيما الزهراء التي تكلمت من وراء حجاب برعت في جعل احلام هشومة منبع للفرجة العالمة بكل الرؤي الركحية القوية وسلطة المخرج التي فاضت بنبض فني جميل ابان فيه عن افق مفتوح علي النجاح وعلي علو عكب الجيل الجديد من المخرجين في بسط ديكتاتوريته الإخراجية الجميلة لتكون هشومة هدية فنية تقدم للجمهور في طابق من ذهب.

الفرجة المسرحية العالميةمسرحية هشومة في هذا السياق مقارنة مع (ضفائر السوالف) الذي كان عاديا وروتينا في كل شيء كان عرضا نقيا وصافيا شاهد في مراياه الجمهور أحلاما واقعية كثيرة تفصح عن دور الأخلاق في حياة المجتمعات وعن قيمة الجمال الروحي وليس الخلقي، فضلا عن قيمة العفة التي تشكل نبل العلاقات الإنسانية.

ان(عرض هشومة) استنطق في فصوله شاعرية البوح الزجلي الجميل، وبالتالي كان حوار الممثلين عبارة عن قصيدة زجلية طويلة تترك المتلقي ينصت إليها بإحكام ويتلذذ معانيها بشكل كبير، وكانوا ينطقون حكما ونصائح ومأثورات شعبية تؤكد القيمة الجمالية والإبداعية للزجل المغربي والعربي وللقصيدة العامية الرزينة التي باستطاعتها أن تخلف الفرجة الراقية وليس الفرجة التي تستعير باسنان صفراء ضحكة لا تدغدغ مشاعر الجمهور كما هو الحال في مسرحية (ضفائر السوالف) التي جاءت فرجتها باردة وبدون ان تخلخل ذاكرة المتلقي وتمنحه فسحة للفرح، عكس عرض (هشومة) الذي قدم مشاهد حية ساهمت في تخليص الجمهور والمتلقي من رزايا القلب والروح وتلك خصال حميدة ترتكز عليها الفرجة المسرحية العالمية وهو ما برعت (هشومة) في تحقيقها في كثير من المشاهد.

ان ثيمة العشق التي طرحها المخرج الدجيتي في العرض كانت نبتة خصبة أثمرت عرضا صفق له الجميع، وأثمرت عشقا صوفيا للغالي(البطل) وكانت فيه (شهومة اسباب الكية) معشوقة مولاي السلطان. في المسرحية تحولت (فريحة) الي عصفور ينشد الأمل في قصر مولاي الغالي، وكانت (هشومة) في بادئ الامر بزيها المغربي الأصيل تتبختر بجمالها الساحر مثل الملاك الذي اسقط مولاي الغالي من برجه الاميري العالي، وحين صدته علق أشعارها وملامح أنوثتها علي أستار بيته الذي ظل باردا الي حين رجوعها ليشتعل قلبه بنار الهوي من جديد رغم الخطيئة، لكن القدر لم يسعفه فمات شهيدا لحب رومانسي أمير وماتت معه (هشومة الصغيرة) وماتت معه كل الأحلام لتبقي هشومة تصارع قدرها لوحدها ثم تختفي في الظلام، فتبزغ من جديد (هشومة/الأسطورة/الحمق/الجنون/الرؤيا) لتنهمر مثل شلال علي ضفاف جمهور عانق تلك الأحلام بكثير من العناق الجميل والدموع الدافئة التي هي ليست الا دموع انتصار للخطاب الادبي العربي الجميل ذو الحمولة الثقافية والفنية الخصبة.

الاشباع الفنيمات مولاي الغالي كما ماتت (هشومة الصغيرة) لكن المخرج احيي في نفس هشومة (الأصل) فيضا من الأزجال القوية المؤثرة، التي تبرز ان العشق جنون جميل وحكاية رائعة لا يمل منها العاشقون والحكواتيون، وكل من اكتوي بجمرة الشعر، جمرة الشعر والعشق التي هي قدر المسرحية التي شكلت مهمازا حقيقيا للالتفات الي الأعمال الإبداعية المغربية للاشتغال عليها مسرحيا لما تزخر به من حمولة ثقافية وإبداعية ومجتمعية تستطيع أن تكون بكل ما تحمله الكلمة من معني مشاهد راقية تحرك في الجمهور عشق المسرح الذي ما يزال الشعر هو سدي لحمته، وما يزال أب الفنون.

ان مسرحية (هشومة) التي تحكي قصة عاشق دفعه طموحه الكبير وثروته للظفر بقلب هشومة أجمل البنات مستعينا بـ فريحة الخادمة كمرسول حب، تظل بالرغم من رفض هشومة لمولاي الغالي لتشوهه الخلقي مادة فرجوية حقيقية نجحت في انتزاع الضحكة من الجمهور، لتطرح أشكالا تعبيرية هي عبارة عن رموز، فيكون التشوه الخلقي مجرد اشارة، ولتكون (هشومة) دلالة اخري في بحر الرؤية الإخراجية الدجيتي التي ناورت وغامرت وحققت للمتلقي ذلك الإشباع الفني المفضي الي استرخاء وجودي يعيد القيمة الاعتبارية الي قيمة العلاقات الوجودية والإنسانية في الحياة.

قصة مشوقةان الصراع الذي صنعه التشوه الخلقي في المسرحية خلق نوعا من الميلوديا الفنية الرقيقة لدي المتتبعين، فيها شاهد كيف ان فريحة كانت تتحرك علي الركح مثل عصفورة.

ان هذه القصة المشوقة طرحت في عمق المسرحية تصادم قيم الخير والشر في الحياة، وثنائيات ضدية تفوق المخرج في طرحها في المسرحية من قبل(القبح والجمال، والعشق والصد، والمرأة والرجل، الغني والفقر، الضوء والظلام، الصمت والموسيقي….) ان هذه الثنائية الضدية التي أثثت فضاءات المسرحية بشكل فني جميل وكانت نقطة قوية ارتكزت عليها دعائم المسرحية التي استطاعت ان تبرز قيمة الصراع القائم بين الرجل والمرأة وبخاصة ما يقرب بين قلبي كل واحد منهما في مجتمع يطبعه الكثير من الصراعات والعادات والطقوس والمبادئ.

الجميل في المسرحية ان مخرجها الدجيتي اشتغل علي ديوان زجلي للشاعرة المغربية الزرييق وهي دعوة صريحة ومفتوحة الي كل المخرجين الي الالتفات الي الاعمال الإبداعية المغربية والعربية لمسرحتها بدل الاكتفاء بالاقتباس، هذا فضلا عن اختياره لموضوع رد الاعتبار الي العادات المغربية والعربية والي قيم الرجل او طقوسه ومبادئه وذلك في اطار كوني وانساني بكل ما يميزه من عادات وتقاليد وكلام راق بلغة عامية موزونة مقفاة كأنها شعرا، ومن ثمة استطاع الدجيتي من زاوية معينة في المسرحية ان يحل بطريقته الخاصة شفرة مسرح قام وما يزال منذ القدم يقوم علي الشعر الذي يعد مهد الأشكال الاحتفالية العالمية.

تنمية الممارسة الفنية والثقافيةان الهدف الأول هو خلق مسرحية مغربية تضاهي مسرحيات الحب العالمية لتشكل بدورها أسطورة حب مغربية. ولتحقيق ذلك، كان من الضروري أن يرتكز النص المسرحي علي لغة شعرية علما أن اللغة المسرحية الأساسية كانت منذ الإغريق تعتمد علي الشعر. كما لا يمكن أن نتحدث عن الحب بتغييب الشعر، لأن الشعر هو القادر علي استجلاء واستقراء المشاعر الإنسانية.

وتماشيا مع هذا البعد العالمي في تشكيل الأعمال المسرحية ارتأي المخرج أن نستند علي نص شعري مغربي هو ديوان هشومة للشاعرة المغربية زهرة زرييق، حتي نحقق فرجة مسرحية قريبة أكثر من الجمهور، قريبة من أحاسيسه ومن نبضه. وهو ما يمنح العرض المسرحي دفئا فرجويا يلتقي فيه العقل بالروح والتراث بالحضارة والشعر بأبي الفنون، لتكون (هشومة) فانوسا فنيا عكس بكل تفاصيل الحلم الشاعري رؤي مخرج حالة وممثلين متألقين وطاقم فني برع في ايجاد عمل مسرحي يعتمد عليه في تنمية الممارسة الفنية والثقافية المغربية بشكل عام، وفي الدخول في حلبة منافسة شريفة علي الصعيدين الوطني والعربي وذلك بالظفر بجوائز هي ليست بعيدة المنال عن (هشومة) صاحبة الجمال الساحر والبوح الطويل الذي هو بوح شريف مستلهم من واقع مغربي اصيل هو جزء من حكاية شعبية تنجلي فيها حكايات الف ليلة وليلة المشوقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية