اعلامي يعتبر الاعلاميين قردة وعدم الخيانة سببه ضعف جنسي!

حجم الخط
0

محمد منصور

لم يعد نجوم الحوارات التلفزيونية من المحاورين والمذيعين ومقدمي البرامج، مجرد محاورين يظهرون في برامجهم الحوارية ليطرحوا علي ضيوفهم الأسئلة وينتزعوا منهم الإجابات والمواقف وحسب… ولم يعودوا ضيوفا علي صفحات المجلات والجرائد باعتبارهم زملاء مهنة ينتمون إلي فن إعلامي آخر علي الصحافة أن تحاور صناعه وتكتشف آفاقه، بل صاروا مادة مرغوبة علي شاشات التلفزيونات أيضاً، في برامج أخري باتت مختصة اليوم في استثمار نجومية أهل البيت علي شاشة البيت التلفزيون ينفسه.

مؤخرا تابعت علي قناة (عين) برنامجا للمذيعة بسمة وهبه بعنوان (صناع الحوار) كنت قد شاهدته من قبل علي قناة (دبي) وقد استضافت في الحلقة التي تابعتها (رزان المغربي) التي كانت ترد علي ما نسب إليها علي صفحات المجلات، وتتهم الصحافيين بأنهم ينشرون عناوينهم الفاقعة علي طريقة (لا تقربوا الصلاة) ثم تتحدث بحماسة بالغة عن عشقها للحوار، وعن سعيها كي تقدم ضيوفها بمحبة وبلا عدوانية أو مواقف محرجة.

وقبل ذلك كنت قد تابعت المذيع اللامع جورج قرداحي وهو يظهر ضيفا علي برنامج الدكتورة فوزية الدريع (سيرة الحب) علي قناة (الرأي) الكويتية، باعتباره نجما اجتماعيا له آراؤه في المرأة والحب والعلاقات الاجتماعية.. وجورج هو كذلك بالفعل، لأنه يقول آراءه بوضوح، ويعبر عنها ببساطة ومودة.

لكن مفاجأة هذه النوعية من البرامج كانت علي قناة (روتانا) حيث تابعتُ هذا الأسبوع المذيعة المصرية وفاء كيلاني، وهي تحاور الإعلامي في قناة (الحرة) زياد نجيم في برنامجها (ضد التيار) الذي تخصصه لاستضافة زملائها من إعلاميي التلفزيون، ومحاورتهم في أسلوب عملهم وفي قناعاتهم الذاتية.

والواقع أن قناعات زياد نجيم، تبدو صاعقة فعلا، لأنها تعبر عن شخصية مغالية متطرفة تعاني من مشكلة فرط التعميم، شخصية توزع اتهاماتها علي الآخرين بطريقة صاخبة وصارخة، ليس فيها أدني احترام لاجتهادات الآخرين في هذا الزمن الصعب، ولا لحقيقة تفاوت الناس في أهدافهم وإيمانهم بجدوي عملهم… حيث يتهم زياد نجيم كل الإعلاميين العرب بأنهم مثل القردة في السيرك، وبأنه لا يوجد ولا واحد منهم (حر) فلكل منهم (معلم) إما يتحكم به إما بالمال أو بالفكر، ثم يعود فيستنكر علي محاورِتِه استخدام تعبير (الإعلاميين العرب) سائلا إياها: وين الإعلاميين؟!

والغريب أن زياد نجيم الذي يعمل في قناة مثل (الحرة) يتم الاعتراض فيها علي بث جزء من خطاب لحسن نصر الله، وينتقد بسبب ذلك أداء ادارة المحطة من قبل كوندوليزا رايس نفسها، باعتباره (ترويجا لخطاب الإرهاب) ثم توضع قيود علي تعريف الشهداء، وتوصيف المقاومين، بعيدا عن أية قيم إعلامية، تعطي لمن هم تحت الاحتلال حق المقاومة المشروع في كل القوانين والأعراف الدولية… نجيم العامل في محطة كهذه، يدافع عن قناة بسوية (الحرة) ويعتبر أن عمله فيها هو الحرية بعينها، وينكر تعرضه لأي ضغط يحد من ممارسته لمفهومه الخاص حول هذه الحرية في تلك (الحرة)! وحرية زياد نجيم لا تمس مفاهيمه الدينية وحسب (وهو حر فيها فعلا لأنها تعبر عن علاقته مع خالقه ولا شأن لنا بها) لكنها تتسع لتصل إلي حد الدفاع العلني الصريح عن (الشذوذ الجنسي) ليس باعتباره مرضا يستوجب المساعدة والعلاج، بل خيارا يتعلق بحرية الأفراد ويستوجب كل الاحترام، وحتي حين تسخر المذيعة من هذا الطرح سائلة إياها: (ما ذنب الطفل المتبني أن يكون أمه وأباه زي بعض) فإنه يستمر في اعتبار ذلك أمرا مقبولا وسليما!

أكثر من ذلك يعلن زياد نجيم ازدراءه ليس للمؤسسة الزوجية باعتبارها مؤسسة (كذب ونفاق) كما يري، بل لمفهوم الإخلاص الزوجي في العلاقة الجنسية أيضا، إذ يؤكد لنا أن أي رجل أو امرأة يكتفي بشريك جنسي واحد، يعاني من مشكلة في قدراته الجنسية، أو بتعبير أدق: (رغبته الجنسية متدنية)!! حاول زياد نجيم وهو يجلس في الموقع الخطأ كضيف، أن يكرس صورة شديدة التطرف لإيمانه بكل قيم الحرية ومظاهرها، فأوصل الكثير من مشاهديه إلي حالة تقزز وازدراء من هذه (الحرية) التي فقدت قيمها الإنسانية والأخلاقية، وتحولت إلي غول يلتهم كل الحدود والأعراف والشرائع.

لم تكن الحرية بالنسبة له حقاً مطلقاً، بل أضحت كلمة حق يراد به باطل، وحالة تجاوز لا تميز بين ما لنا وما علينا، وبين قيم الانتماء وذلك الهوس المحموم لازدراء كل انتماء.

نسي في دفاعه المحموم، أن قيمة الحرية تكمن في الضوابط التي تصنع حدودها، ففي مجتمع إباحي ومشاع، لا قانون ولا شريعة ولا عرف ولا أخلاق فيه، ليس هناك معني لإحساس الأفراد بالحرية، حيث لا شيء يوضح معالمها، ويصنع لذة الاستمتاع بها، لأن الإحساس بوجود تلك الحرية معدوم والحاجة إليها منتفية.

حاول زياد نجيم أن يصور الصدق مع الذات باعتباره المعيار الوحيد للحرية، لكنه خانه صدقه مع ذاته وخانته شجاعته، حين كانت ُتطرح عليه أسئلة (أجب بمع أو ضد) رفض أن يقول إن كان هو مع نزع سلاح المقاومة اللبنانية أو ضده، وربط جوابه بأنه إذا كان ذلك وجود ذلك السلاح خطر علي لبنان فهو ضده، وإن كان حماية للبنان فهو معه… وعندما ألحت عليه محاورته بأنه كيف يري ذلك السلاح من هذا المعيار الذي وضعه هو… أجاب بالقول إنه لا يعرف وإنه سيسأل وسيعود ليجيبها (!!) وكان الأحري به أن يحدد موقفه السياسي، مادام (حراً) إلي هذه الدرجة في كل القضايا الأخري، وما دام لا يهمه أي تقييم وطني أو أخلاقي لآرائه الأخري التي أتحفنا بها بوجه متجهم، رغم كثرة ما تبعثه إجاباته من ابتسام!

وأعود إلي الموضوع الأساسي الذي بدأت به: تحول بعض محاوري الفضائيات إلي ضيوف الحوار… وشخصيا أنا أشجع هذه النوعية من البرامج، لأنها تكشف لنا جوانب هامة ومعبرة ـ سلباً وإيجاباً ـ عن حقيقة الحوار الذي يؤمن به هؤلاء حينا، وعن مقدار ثقافتهم وعمق انتمائهم في زمن صار في الانتماء شعاراً مرذولا وبائدا لدي كثير منهم!

الفضائية السورية: تقليد الُمقلّد! سبق أن تحدثت عن هوس التقليد الذي يجتاح أسلوب عمل القنوات الفضائية العربية، ويجعل الأفكار الجديدة فيها تنتقل بين محطة وأخري بالعدوي.. ولعل ما يميز قناة الفضائية السورية، ضمن جمهرة قنوات الترس والمقلدة وكالمصابة بوباء الاستنساخ هذا… هو أنها لا تقلد الجديد، بل تقلد المقلد بعد أن تستهلكه كل المحطات قبلها، بل وبعد أن يكاد يصبح (موضة منقرضة) وهذا ما فعلته مؤخرا مع فواصل الغرافيك التي تعتمد الوجوه البشرية المتحركة مادة لها فبعد سنتين أو أكثر علي ابتداع هذه الفكرة في قناة (دبي) ثم (إم. بي. سي) ثم (إل. بي. سي) و(المستقبل) اللبنانيتين، ثم (الرأي) الكويتية، ها هي تقدم أخيرا نسخة عن هذه الفواصل، التي توظف فيها وجوه الأطفال والشبان والشابات، بالطريقة التي توحي بأنها قناة العائلة التي تقترب من كل الناس بكل فئاتهم.. وهو ما يذكرنا بالمثل الدمشقي الساخر: (يطعمكم الحج والناس راجعة)!! الإعلام التلفزيوني اللبناني: صناعة الهم العام!! يجري الحديث عن التلفزيون دائما، باعتباره ناقلا أمينا للواقع، فهو ـ كالصحافة ـ يعبر عن الواقع الاجتماعي والسياسي بحلوه ومره من دون أن يكون هو صانع الحلو أو مبتدع المر!

وهذه قاعدة صحيحة في كل أرجاء العالم تقريبا إلا في لبنان، فالمحطات التلفزيونية اللبنانية ومنذ ما بعد حرب آخر انتخابات نيابية جرت فيه، إثر مقتل الحريري وانسحاب الجيش السوري، باتت تقود اللبنانيين نحو الحرب الأهلية، ونحو مزيد من التفرقة والانقسام، قبل أن يتنامي الشعور بهذه الكوارث علي أرض الواقع.. يبدأ الأمر بنشرات الأخبار، التي هي نشرات رأي وتحليل ودفاع وهجوم، بعيدة كل البعد عن سرد الأخبار بموضوعية، ولا ينتهي عند برامج الاسكتشات والمشاهد التمثيلية الساخرة: (بسمات وطن) و(لا يمل) و(إربت تنحل) حيث تنمية النعرات الطائفية وتعميق الانقسام السياسي يجري علي قدم المساواة في كل القنوات والاتجاهات، وعبر جهد فني وتمثيلي فذ يبذله جميع الفرقاء!

ثمة من يقول إن الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه لبنان، مهيأ لذلك، وهذا صحيح نسبيا، لكن الإعلام اللبناني يصب الزيت فوق النار، وهو يشجع عوضا عن أن يكبح هذه النزعات التدميرية، ولذلك كانت فرنسا محقة، حين اشترطت في أول جلسات الحوار التي استضافتها في إحدي ضواحي باريس مؤخرا، بين قيادات الصف الثاني، إبعاد الإعلام واستبعاده كليا، كي لا تقتل أي بارقة أمل في التقارب والتوافق والالتقاء مبدأياً… وهذه نقطة قد لا تحسب لفرنسا بالمطلق، إذا أخذنا مبدأ (إنما الأعمال بالنيات)، ولكنها تسجل ضد الإعلام اللبناني المتورط في ركوب موجة الصراعات والانقسامات وتأجيجها!

كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية