ومتي ستريح الامة ابناءها؟

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

لو ان رجلا احب امرأة، او ان امرأة احبت رجلا، فوجد ايُ منهما الآخر في حالة يرثي لها من الضعف او التخٌبط الذي لا ينتهي او ابتلاع الهوان والمذلة المرة تلو المرة.. ولو سار الامر كذلك سنة بعد سنة دون ان يظهر بصيص من امل في ان يحاول هذا الآخر الوقوف علي رجليه وان يخجل من هوانه علي نفسه.. لو ان احدنا صادف مثل هذا الموقف فانه حتما سيدخل جحيم الحياة وسيحاول احد امرين: اما ان ينسحب ويفلت بجلده قبل ان يصاب بالجنون او الموت كمدا، واماُ ان ينخرط في عملية تغيير جذري لواقع الجحيم الذي يعيشه.. اما الوقوف بسكون وقبول الآلام واللُطم علي الخدود والتحسٌر علي هذا البخت النحس فانه حتما دلالة علي العبث بالحياة وعلي اضاعة العمر فيما لا يجدي. لا يمكن تصوٌر انسان سويٍ يقبل ان يعيش كذا قصُة حب مع كذا آخر. هذا حب مرضي يمكن العيش معه لفترة محدودة ولكن ليس طيلة العمر. ومع ذلك فان نفس مثل هذه الظاهرة الفردية العبثية يمارسها الملايين من العرب وهم يعيشون جحيم مآسي حبٍهم لامة العرب دون ان يستطيعوا الفكاك او الهرب مما يبدو انه عبث ودون ان يستطيعوا حسمه والانتقال الي حبٍ غيره. تبدأ القصة بان يلتحق هؤلاء الملايين بالجمعيات السياسية في مدارسهم او جامعاتهم هياما بامتهم ووطنهم، ثم ينضمٌون الي الاحزاب السياسية في مجتمعهم ويقفون مع قضايا امتهم بالكلام والافعال، ويضحُون باوقات راحتهم ومسؤولياتهم العائلية ويحزنون ويتألمون لكل مصاب يلمٌ بامتهم.. حتي اذا مرت العقود من السنين تلو العقود ونظر الفرد منهم الي الوراء وقال لنفسه بانه كفي ما فعل لوطنه وما قدُم لامته وبانه آن الاوان ان يرتاح المحارب في داخله تفجر وضع مأساوي في جزء من الوطن او انتصر عدو في معركة او انهار حلم من احلام شعبه، فيعود من جديد ليقنع نفسه بان فترة الراحة التي يستحقها جسده المتعب يجب ان تؤجل. اذ كيف يستطيع المحبٌ خذلان من احب في لحظات الحاجة لجهده وحنانه! انه وخز الضمير والتزام الخٌلق ونداء الواجب الذي شب علي تلبيته. وهكذا ما ان يحاول هذا الفرد العربي الملتزم الخروج من الجحيم حتي تنكٍسه مآسي امته في جحيم اشد واحر دون ان يمر قط علي الجنة التي وعد بها نفسه في نهاية الطريق انها حلقة مفرغة تبدوا وكانها ابدية. لا يمكن لكذا حب، سواء بالنسبة لحب الحبيبة او الحبيب او بالنسبة لحب الوطن والامة، ان يبقي طازجا وصافيا في مثل هكذا ظروف. انه ضد طبائع الامور، اذ لن يلبث حتي يختلط بمشاعر اخر من مثل الغضب او حتي الكره. وعندما تختلط المشاعر المتضاربة تجاه نفس الهدف (انسان او وطن) تبدأ رحلة العذاب. هناك تعبير لشاعر روما تولس اذ يقول: اني اكره واني احب. ستسألني لماذا افعل ذلك. انني لا اعرف، لكنني وانا اشعر بذلك يمزقني العذاب وهكذا يعيش العربي الملتزم المحب هذا العذاب: حب لامته المهانة المنتهكة حقوقها وكره لبقائها، قرنا بعد قرن، تدور حول جروحها تلعقها دون ان تشفيها. ليست هذه صور شاعرية. انها صور من صميم الواقع النفسي والعقلي الذي يعيشه الكثير من عرب اليوم. ان ومضات الامل وارتفاع المعنويات والاحساس بدفء الارتباط بالامة والوطن، مثل الذي حدث ابُان انتصارات ثورة تموز الناصرية او الانتفاضات الفلسطينية او استعمال سلاح البترول العربي او انجازات حزب الله في الجنوب اللبناني، لن تكفي علي الاطلاق لمنع وصول الفرد العربي الي الحالة التي وصفها شاعر روما. الحركات السياسية العربية النضالية يجب ان تتذكر ذلك، فالانتصارات التراكمية هي التي ستمنع اختلاط المشاعر التي ستأتي برحلة العذاب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية