يواجه السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق أزمة جديدة بانسحاب كتلة التوافق التي تمثل العرب السنة من حكومته، لان شروطها في الافراج عن المعتقلين، ووقف الهجمات علي احياء ومساجد طائفتها واعطاء دور اكبر لها ووزرائها في كعكة الحكم لم يتم التجاوب معها رغم الانذارات والتهديدات السابقة بالانسحاب.
انسحاب التكتل السني من الحكومة يعني بدء العد التنازلي لانهيارها، لانها ستظل منقوصة التمثيل، وتقتصر علي الائتلاف الشيعي الحاكم، علاوة علي ممثلي الطرف الكردي. وهي تواجه انتقادات من اطراف كثيرة، بعضها شيعي مثل حزب الفضيلة الذي انسحب منها مبكرا.
توقيت الانسحاب علي درجة كبيرة من الاهمية ايضا، فهو يأتي في وقت تمارس فيه السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية وزميلها في جولتها الحالية روبرت غيتس وزير الدفاع ضغوطا كبيرة علي الحكومات العربية لدعم حكومة المالكي واقامة علاقات دبلوماسية معها.
ففي اجتماع شرم الشيخ لوزراء خارجية حكومات دول محور الاعتدال العربي الذي يضم الدول الخليجية الست علاوة علي مصر والاردن، حرصت السيدة رايس علي حث هؤلاء علي اعادة فتح سفاراتهم وارجاع سفرائهم الي بغداد، وتقديم كل دعم ممكن لحكومة المالكي.
الدعم العربي لحكومة المالكي سيكون ضعيفا وربما يأتي متأخرا ايضا، لانها حكومة فقدت المصداقية او الجزء البسيط المتبقي منها، وهي مستمرة في الحكم لانه لا يوجد بديل لها في الوقت الراهن. فكل المحاولات الامريكية لتجهيز تكتل آخر يحل محلها باءت بالفشل، ونحن نتحدث هنا عن المحاولات المتكررة لاعادة اياد علاوي الي الواجهة مجددا.
الامريكان لديهم الكثير من التحفظات علي حكومة المالكي، واكثر الاطراف ادراكا لضعفها، ومعرفة باخفاقاتها، فالرجل وعد بتحقيق المصالحة الوطنية ولم يف بوعده، وتعهد بفرض الامن والنظام في البلاد دون ان يحقق اي تقدم رغم زيادة عدد القوات الامريكية ووضع خطط امنية جديدة لتأمين العاصمة علي الاقل.
الصبر الامريكي علي حكومة المالكي يعود الي رغبة الادارة الامريكية في اعتماد قانون النفط الذي وضعته، وبات مطروحا حاليا علي البرلمان، مضافا الي ذلك انها لا تريد ازمة دستورية وفراغا سياسيا في العراق قبل اسابيع من موعد تقديم قائد القوات الامريكية لتقريره النهائي امام الكونغرس في ايلول (سبتمبر) المقبل، وهو التقرير الذي سيتقرر علي اساسه البقاء او الانسحاب من العراق.
السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح حاليا هو حول جدية كتلة التوافق ومدي مصداقية قرارها بالانسحاب من الحكومة وحتي متي. فالتجارب السابقة اثبتت ان هذا التكتل لا يحافظ علي قراراته، وسرعان ما يتراجع عنها مع اول مكالمة هاتفية بين الرئيس بوش والسيد طارق الهاشمي زعيم الحزب الاسلامي ونائب رئيس الجمهورية.
ما يمكن قوله هو ان هذا التهديد غير جدي ولان التجارب علمتنا ان معظم السياسيين العراقيين انفعاليون في قراراتهم، ويستخدمون مسألة التهديد بالانسحاب من الحكومة والعملية السياسية لابتزاز رئيسها والطرف الامريكي للحصول علي تنازلات غالبا ما تكون بعض المناصب او الاموال او حتي الامتيازات الشخصية، فكم من مرة انسحب فيها التكتل السني، وكم مرة سحب فيها التيار الصدري وزراءه من الحكومة؟
التكتل السني اخطأ في الاساس في دخول العملية السياسية المنبثقة عن الاحتلال ناهيك عن دخول الحكومة. فكل الاعذار التي تستر بها لدخول هذه العملية ثبت عمليا فشلها، فقتل العراقيين من مختلف المذاهب ما زال مستمرا، وكذلك نسف الجوامع وتوسيع دائرة الاعتقالات، وحدوث خلل في التمـثيل السيـاسي، اي ان هذا التكــتل قــدم غطاء شــرعيا سنــيا عـربيا لحكــومة طــائفية دون ان يجــني غير خيبة الامل.