لم يغب عن منظمة الامم المتحدة ان دورها الرئيسي ينحصر قبل كل شيء في تسوية الخلافات الدولية التي تهدد الامن والسلم العالميين، حسب المبادئ الأساسية للعدل والقانون الدولي، واذا كانت بعض المؤسسات الفرعية لمنظمة الامم المتحدة كمجلس الامن، تكتفي باحدثت توصيات فان محكمة العدل الدولية قضت في العديد من القضايا التي أحيلت اليها ونفذت تلقائيا معظم القرارات التي اصدرتها.
وفي الواقع فان محكمة العدل الدولية ما هي الا امتداد لمحكمة العدل الدولية الدائمة، التي أسست سنة 1920، تنفيذا لمقتضيات اتفاقية جمعية الامم. وجاءت محكمة لاهاي اليوم متبنية لنظامها الداخلي هذا من جهة، وان المعاهدات والاتفاقيات المبرمة بين الدول سابقا بشأن التزامها بعرض منازعاتها على محكمة العدل الدولية بقيت نافذة المفعول ازاء محكمة العدل الدولية في لاهاي من جهة ثانية، طبقا لمقتضيات الفصل 37 من القانون الأساسي للمحكمة الحالية وسوف نقوم بالحديث عن بعض مظاهر الازمة في هذا الجهاز الدولي.
لعل الاعتراف القوي بوجود جهاز كمحكمة العدل الدولية له ثقل على الساحة العالمية، وهو امر نابع من قناعة اغلبية اطراف المجتمع الدولي بما كان ولايزال لهذا الجهاز من اهمية في لعب ادوار حاسمة، تجسدت في عهد ليس بالبعيد في إجابة القضاء الدولي على مستوى محاكمة بعض المنتهكين لأحكام القانون الدولي الانساني، عبر فترات دولية متلاحقة. ولا ننسى ما أدلت به المحكمة الدولية كرأي استشاري عن قضية الجدار العازل العنصري الاسرائيلي المخالف للشرعية الدولية، فكان رد القضاء الدولي الإدانة لهذا الفعل باعتباره باطلا لا أساس له.
اذن الى حدود هذه السطور ربما يبدو لنا ان دور المحكمة الدولية أدى مهامه بينما يبقى الجدير بنا كذلك ان نوضح انه الى جانب هذا الدور الايجابي وما يعتريه من نواقص ونقائض يجعل محكمة العدل تقع في أزمة حقيقية وان قرارات المحكمة الدولية وان كانت خاضعة بعضها للتنفيذ محكمة لا يجوز لها ان تنظر الا في القضايا التي رفعت اليها بإرادة الاطراف فيما بينها في هذا الشأن، ومن بين أوجه المحدودية كذلك في القضاء الدولي ان قرارات هذه الاخيرة تتسم بطابع الاحتياط والتبصر ورغم كونها قرارات تلزم لإطراف المتقاضية، الا ان هذا الإلزام يقابله غياب مسطرة التنفيذ بالقوة. وبهذا يمكن القول ان نشاط محكمة العدل الدولية بصفة عامة، يبدو ضئيلا جدا بالنسبة لما يعارض الدول في منازعات تهدد السلم والامن الدوليين، ولعل هذا راجع كله الى ان محكمة لاهاي الدولية إنما أرادت ان تبقى منحصرة في إطار القانون الدولي الكلاسيكي مستندة الى المبادئ العامة للقانون المعترف بها من لدن الدول المتحضرة من دون ان تدخل على التشريع الدولي أي تعديل او تغيير في منهجه يتفق والمجتمع الدولي الحالي مما يعني ان احكام القضاء الدولي ظلت ولاتزال حبيسة القواعد القانونية الدولية وهي تعلن في اكثر من مرة عدم اختصاصها في قضايا معينة بما يتماشى ومنطق السياسة الدولية الراهنة المجسد لمنطق واقع القوة على الساحة الدولية.
شنكاو هشام [email protected]