الاستراتيجية الامريكية الجديدة في مواجهة ايران

حجم الخط
0

هشام منورہ

عرفت العلاقات الامريكية ـ الايرانية، تاريخياً، تقلبات عديدة كان يحكمها مدي تقارب المصالح الحيوية لكل من الطرفين او تباعدها وفق معطيات السياسات المتبعة في كلا البلدين. فـ(ايران الشاه)، علي سبيل المثال، مثلت النموذج الاكثر قبولاً وتوافقاً مع المنظومة السياسية الامريكية وتفرعاتها الشرق اوسطية، واضطلعت (ايران) الشاهنشاهية بدور شرطي الخليج الامريكي، والذي كان كفيلاً باثارة التوجس وزعزعة استقرار اي بلد عربي (قد) يحاول تغيير قوانين اللعبة السياسية في الشرق الاوسط لجهة الصالح العام عربياً واسلامياً.

ومع انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين ابان قيام الثورة الاسلامية في ايران، لم تجد الادارات الامريكية المتعاقبة علي البيت البيضاوي خيراً من النظام العراقي السابق، والجار اللدود لايران، للوقوف في وجه المد الثوري الايراني الذي تصورت الادارات الامريكية انه يهدد نفوذها في منطقة الخليج العربي، المزود الرئيسي للنفط لامريكا، ومنطقة الشرق الاوسط، ذات القلاقل المتناسلة، بوجه عام.

الا ان تصاعد النفوذ الايراني في المنطقة مع تراجع نظيره الامريكي ابان غزو (العراق) وتحطيم ما كانت تعتبره الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي المتصدي للمد الايراني في المنطقة، وتخفيف الولايات المتحدة دون قصد منها للضغط علي الجمهورية الاسلامية باسقاط نظام طالبان في افغانستان، مهد الطريق الي تعاظم المخاوف الامريكية من الخطر الايراني المحدق بالمصالح الحيوية الامريكية في المنطقة، وصولاً الي اصابة الادارة الامريكية بالهلع جراء اعلان (ايران) عن برنامجها النووي الذي سوف يهدد، من وجهة نظرها، الحليف الاستراتيجي الحقيقي في المنطقة (اسرائيل). وبين محاولات الترغيب والترهيب الامريكية والغربية عموماً لثني (ايران) عن امتلاك التقنية النووية بكافة الوسائل، وعدم نجاعة الحل العسكري الذي اعتادت الولايات المتحدة استخدامه في حل ازماتها الدولية، كان لا بد لصناع القرار والمحللين السياسيين والاستراتيجيين الامريكيين ان يتلمسوا ملامح الحل لهذه الازمة بعيداً عن الحل العسكري المعتاد. وهو ما حاول بيتر رودمان الخبير المتخصص في السياسات الاقليمية بالشرق الاوسط والخليج العربي ومنطقتي شرق آسيا وجنوبها، اجتراحه في مشروعه البحثي بمركز بروكينجز، والذي نُشر تحت عنوان مواجهة تحدي ايران الثورة: استراتيجية للمرحلة القادمة.

فالباحث الامريكي يقدم عرضه الاستراتيجي بنصيحة لصانع القرار الامريكي بالا يري في ايران مشكلةً امريكيةً بالاساس، بل ان يعدّها مجرد بالنسبة للولايات المتحدة مشكلة تحدٍ – في المقام الاول – لحلفائنا واصدقائنا في الشرق الاوسط. ومن ثم، فان المرحلة الاولي لاستراتيجية المواجهة سوف تُركز علي دعم الحلفاء والاصدقاء العرب باعتبارهم ثِقلاً مجابهاً ومضاداً للقوة الايرانية. وقد ركز رودمان في بحثه علي ضروريتين امريكيتين هما ضرورة حماية امن الخليج العربي امريكياً من الكارثة النووية الايرانية المحتملة، عبر دعم سياسات الردع لايران. و ضرورة ايجاد توازن جيو-سياسي ونفسي بين ايران وجيرانها العرب، وذلك عبر التقليل من ثقة الايرانيين بانفسهم من ناحية، وتضخيم ثقة الشركاء العرب بانفسهم من ناحيةٍ اخري، الامر الذي يستدعي استراتيجية امريكية خاصة في مواجهة الخطر الايراني المتعاظم علي المصالح الامريكية، تستند الي ثماني نقاط افاض الباحث الامريكي في تفصيلها.

وتتناول هذه الاستراتيجية بداية مساعدة من سماهم الايرانيين المعتدلين من خلال محاولة الادارة الامريكية معرفة الديناميكيات الداخلية وادراكها في (النظام الايراني)، وكيفية التاثير علي تلك الديناميكيات. ويعتبر رودمان ذلك من اهم واصعب التحديات التي يواجهها صناع السياسة الامريكية. ومن ثم العمل علي التخلص من تحدي ايران الثورة من خلال العمل علي تقوية العراق والتمترس به في مواجهة التحديات الايرانية، ويري رودمان ان خط الدفاع الامريكي الاول يجب ان يتمثل في تقوية شوكة الحلفاء والاصدقاء العرب كجبهة ذات ثقل مضاد للقوة الايرانية. فاذا كان بامكان الدول العربية، من وجهة نظره، ان تتصدي للخطر الايراني من خلال الحصول علي السلاح النووي او مغازلة ايران، الا ان الطريق الاكثر مناسبةً وملاءمةً، في نظر رودمان، هو اعادة ثقة الاصدقاء العرب في الولايات المتحدة، والركون اليها، والاحتماء بها وهو ما يتطلب تركيزاً امريكياً علي دول الخليج العربي بالذات، واعلاناً امريكياً بالالتزام بامن دول الخليج العربي لتعزيز ثقة العرب بالولايات المتحدة.

وينصح رودمان مرشحي الرئاسة الامريكية القادمة (2008) باستخدام العقوبات الاقتصادية الموسعة مع ايران، ولكن شريطةً ان يتم استنفاد جميع الوسائل والحلول السياسية والاقتصادية قبلها. ويؤكد علي ضرورة استنفاد الوسائل والحلول، وليس استنفاد الوقت في الجدل العقيم حولها، كما يحدث الآن. هذا طبعاً مع استبعاد الحلول العسكرية من البداية، وذلك بسبب عدم ملاءمتها للظروف الامريكية الراهنة المتعلقة بتواجدها العسكري في كلٍ من العراق وافغانستان. وعلي الرغم من ان الازمة الراهنة ليست لها علاقة وثيقة بالصراع العربي الاسرائيلي – كما يري رودمان – الا ان تمدد ذلك الصراع، سيكون مصدر ضغط علي الانظمة العربية المعتدلة مما قد يعوقها عن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. ومن ثم، فهناك مصلحة استراتيجية امريكية لحل هذا الصراع. يترافق ذلك مع تدشين الولايات المتحدة لمشاريع تخدم القطاع المدني في ايران وتتواصل معه بغية الضغط علي الحكومة الايرانية.

ويخلص رودمان في نهاية بحثه الي نقطتين مهمتين:

اولاً: العمل علي اثبات القوة الامريكية في العراق من خلال مواصلة السعي لايجاد عراق معتدل ومستقر، ليكون شريكاً للعرب والامريكان في ظل البيئة الاستراتيجية الجديدة التي كبُرت فيها ايران وتعاظمت. وثانياً: تنظيم استراتيجية امريكية مُضادة يعتبرها من اهم اولويات تلك الادارة.

ويبدو ان الادارة الامريكية الحالية قد شرعت بالفعل في التقاط مفردات هذه الاستراتيجية الجديدة، عبر صوغ تحالفات عربية ـ امريكية في مواجهة ما تسعي اليه من تهويل الخطر الايراني وتضخيمه علي حساب الخطر الحقيقي (امريكا واسرائيل)، ومن خلال نشر الفتن الطائفية والمذهبية بين العرب والايرانيين، واستمالة المعتدلين العرب الي صفها في مواجهتها مع (ايران)، من خلال سياسة ضرب البيادق ببعضها، الامر الذي لن يكلفها حياة المزيد من جنودها الذين تستنزفهم يومياً في العراق.

ہ كاتب وباحث فلسطيني [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية