عبد الكريم كاظم
غإلي أستاذي مدني صالح الذي نفرَ من كل ما يحيط بنا من خراب وفساد وقتل، وضاق ذرعاً من هكذا حياة.. فاختار الموت.
فالولع الفلسفي.. كأنما الموت يفكّك نسيج حياته الفلسفية ويعيد نسجها من جديد، بهذه الطريقة اختطف الموت الكاتب العراقي الطاعن في الفلسفة مدني صالح.
يري الفيلسوف ما لا يراه من لم يكن فيلسوفاً، إذْ هو يخترق الظاهر إلي الجوهر ويمتلك اللحظـــــة ويعرف ما يتلوها، ولا ينقذ الفيلسوف البشر من شرور المجتــــــمع، إلا بقدر ما يسعي إلي هزيمة المجتـــــــــمع المنتج للشرور، ولعــــــل هذا الأسلوب هو الذي جعل من مدني صالح المولود سنــــــة 1932 في مدينة هيت بمحافظة الأنبار يردد هذا القول: (يفسد الواقع إذا فسدت رؤوسه) وبهذا لم يستسغ البعض كتاباته الفلسفية، وعدها البعض الآخر نوعاً من التعدي علي حرمة الكتابة أو التقاليد.
لا شك أن الفلسفة واقع يومي له وجود حقيقي وفعال وتعبيرات صارخة تتجلي في جميع مستويات الحياة وان الفلسفة في حد ذاتها تكمن في صيرورة الإنتاج المعرفي، وبصورة خاصة في التصوّر الفلسفي للحياة الذي هو مصدر الجدل الفكري في صيرورته وتحولاته وبناه المعرفية المتنامية، وضمن هذه الرؤية تجاوز الراحل مدني صالح الكثير من المعوقات الفكرية التي تخلق هوة بين الجدل الفكري وبين الوعي المعاصر فمعظـــــــم الفلاسفة، أو ممن كتب بالفلسفة، يعترفون دون تردد بانتمائــــــهم الفلسفي ويقصدون من وراء هذا الإعلان انهم يرون ان ثمة قاسماً مشتركاً يجمعهم مع غيرهم من الفلاسفة في وحدة الفكر وذلك بالرغم من التمايزات التي تفرق بينهم وتقسمهم إلي مجموعات اجتماعية متميزة.
بقدر ما تتضح الصورة عن الأديب والمفكر والإنسان الكبير مدني صالح تبقي غامضة ومشوشة، وبقدر ما تكتسب أعماله الفكرية قيمة ذاتية كأسلوب ومضمون يبقي نتاجه الفكري أسير هاجس التعبير عن الفكرة علي حساب الشكل لأنه ينظر إليه مرتبطاً بنظرته الخاصة فيكفيه من الفلسفة ما يسهم في التعبير عن أفكاره دون اكتراث أو عائق إذ ليست قضية الفلسفة عنده قضية غموض أو وضوح وليست قضية قدرتها علي التوصيل أو عدم قدرتها علي ذلك، فهاتان مسألتان ثانويتان وتابعتان، إنما القضية الأساسية هي مدي ارتباط الفلسفة بحياة الواقع التي بدونها لا يكون للفلسفة حياة في الواقع ولا يكون لواقع الفلسفة حياة متجددة حقاً.
من الجلي والواضح أن مدني صالح بقي حتي أيامه الأخيرة متحصناً داخل الفكر الذي نشأ في كنفه معرفياً وآمن به وكتب من اجله ومن خلاله ولا تزال الفلسفة عنده هي ذلك المشــــروع المعرفي الذي لا بديل له ولا غني عنه، إنها مسألة اعتقاد راسخ تدعمه المعرفة وهو، في الوقت عينه، مفكر مسكون بهموم الحياة كما هو مسكون بالمعرفة وبقناعاته الفكرية الراسخة بأن الفلسفة هي المنقذ، من هنا يريد أن يؤصّل البحث الفلسفي فكرياً ليخلق له المجال المناسب أو المكان الواسع كي يغدو مشروعاً حياتياً تغييرياً مجدداً وهو يقترح لنا في كتاباته المتنوعة الدخول في البحث في تجديد وتطوير المعرفة كمشروع مستقبلي لحياتنا الثقافية والإسهام في تجديد الثقافة التي تؤسس لهذا المشروع كمدخل حقيقي إلي الفلسفة.
بقي مدني صالح يكتب ويحلم ويخطط ويوجه فكره باتجاه مشروعه الفلسفي الذي يعتبر شرط تحقق الذات عنده هو وأمثاله (حسام الدين الآلوسي) ممن انغمسوا فكراً وممارسة في الفلسفة التي أعطوها عمراً وجهداً ولم يضنّوا عليها وستكون الكارثة كبيرة عندما لا يبقي للفلسفة موضع أو للمعرفة دور أو للكتابة فائدة وسيكون التراجع الثقافي مثيراً للأسئلة، فيما يتعلق بمصائر مشاريعنا الثقافية المستقبلية بكل أنواعها.
إن المعالجة الفلسفية التي يسوقها مدني صالح في طرح أفكاره تحمل الكثير من الملاحظات علي منطق تجاوز البحث الفلسفي، بصورة عامة، وعلي فهم طبيعة التحولات الفكرية الجديدة التي أصبحت تتحكم بمصائر العالم وبالمفتاح الأساسي لحركية المعرفة، ذاتها، التي تحمل موقفاً ما من هذه التحولات وعليه يخلص، في أغلب كتاباته، للتعبير عن أن المهمة الملقاة علي عاتق الكاتب صعبة وهي مهمة بناء الحاضر والمستقبل مثلما هي مهمة بناء ثقافة صارمة متطورة، والحديث هنا عن إرهاصات الكتابة التي تعتبر من مهمات الفكر الفاعل فدائماً نجد في كتاباته ما نطمح لانجازه مستقبلاً وكم تمنينا ذلك لكن الأماني لا تعفي من الانتظار باعتبار أن المستقبل، في العراق، المسدود الآفاق حالياً والقابع في منطقة الحلم قد يُدخلنا حيز المتاهة أو حيز الضبابية وعدم الوضوح.
قد يبدو للوهلة الأولي أن منطق الفكر الفلسفي لديه وعلي مجري فعلي له يختلف اختلافاً كبيراً عن مجراه النظري، فهو منطق فكري فلسفي يقيس الواقع الحياتي الملموس علي الواقع النظري ويحكم علي الأول في ضوء الثاني، كأن هذا مقياس لذاك، بدلاً من أن يكون الواقع الحياتي في حضوره التجريبي نفسه وبكل توجهاته مقياس الواقع النظري ومقياس كل معرفة باستثناء حالات نادرة جداً تتعلق بنظرته للشعر وربما في وجه من الوجوه قد أخذت نظرته الشعرية تلك في واقعها النقدي مجري ليس الذي نفترضه أنه مجراها الحقيقي النظري بوصفها مشروعاً نقدياً خاصاً به يستمد مصداقيته من نظرته الخاصة وقراءته الفاحصة للشعر التي تفتح النافذة الشعرية علي مصراعيها.
في ضوء ما تقدم، يمكن أن نتبين كيف سار الراحل مدني صالح في منهج الكتابة الفلسفية وأسلوبها، بشكل يسهل الوصول إلي النتيجة المعرفية وهو منهج أثار ويثير التباسات متعددة المستويات ويضع الفرق بين المعرفة الحقيقية ونقيضها في سياق عملية النقد الفلسفي.28/7/2007 ـ شتوتغارتكاتب من العراق يقيم في المانيا