حكايات من البر الإنكليزي عزف منفرد ومألوف

حجم الخط
0

جمعة بوكليب

الفرق بين لندن وطرابلس كالفرق بين مدينة لا تراك وآخري تنكرك!! تقول لنفسك بحسرة ألا يوجد خيار آخر؟ لكنك بينك وبين نفسك تدرك جيداً أن كل الخيارات الأخري خارج وطنك شديدة الوطأة قاسية المرارة، وتدرك، أيضاً، أنك في منزلة بين المنزلتين، ولا مفر لك سوي أن تتعامل مع ما أنت فيه من واقع وإن كان سيء المذاق، صعب البلع، لذلك من الأسهل لك أن تطلق لجام روحك، وتنزلق في وهاد دنيا جئتها دون طواعية، وتورطت فيها لدرجة أنك لا تريد مفارقتها!

هاانتذا تدخل مسارب نهار لندني آخر، لكنك تحس أن إيقاع قلبك يشتهي أن يندغم مع إيقاع مدينة آخري، احتضن بؤسها طفولتك، وصهدت حرارة شمسها عجين صباك، ثم حين اشتد شجر أحلامك، ذبحتك من الوريد إلي الوريد، ولعقت دمك الساخن المغدور والمسفوح في وضح النهار لماذا؟

هاأنتذا تقودك قدماك في شوارع مدينة آلفت الغرباء، وتصالحت مع المنبوذين من أوطانهم، لكنها لا تحب إلا نفسها. قلبك ما زال ينبض داخل صدرك باسئلة مغموسة في مياه نهر الحسرة، وعيناك غائمتان كمساءات خريف طرابلسي كئيب تجاسر حتي لامس قباب المساجد، وتطاول حتي طوق المآذن من كل الجهات، وأنت تسير في طريقك وحيداً، تقطع أرصفة مزدحمة، كمن يحاول الهروب من قضاء يلاحقه، في مدينة لا تطلب منك، أو من غيرك، أن يحبها، ولا تريد لك، ولا لغيرك، الوقوع في شراك فتنتها، لكنها تتركك تتدبر أمر نفسك بنفسك، وتفتح أمام قدميك شوارعها وأرصفتها، وتمنحك (تذكر ذلك جيداً) ما أنكرته طرابلس عليك، وأقفلت كل أبوابها بينك وبينه، لذلك واصل ما أنت فيه، وافتح نوافذ قلبك علي كل الجهات، وأطلق طيورك لتجوب سماء نهار لندني آخر مشمس، يفيض فتنة وحيوية وحياة. لندن مدينة مشرعة الأبواب علي الحلم، بإمكانك الولوج إليها من كل المداخل، نهاراً وليلاً، دون أن تكون في حاجة إلي تصريح من إدارة الخدمة العسكرية، ودون أن تضطر إلي أن تحمل في جيبك بطاقة هويتك الشخصية، كل ما تريده لندن منك أن تكون علي استعداد دائم للرفرفة، متيقظ الاحساس والمشاعر، وكغيم مكتظ بالتوق للانهمار. في هاي ستريت كنزنغتون، في طريقك إلي محطة قطارات الأنفاق، توقفك امرأة تبدو من ملامحها أنها يابانية. تسألك بإنكليزية مكسّرة عن الطريق إلي متحف فيكتوريا والبرت. تحاول أن تريها الطريق بالكلام وبالإشارات من يديك، تشكرك بانحناءة من رأسها وابتسامة واسعة. قبل أن تغادرك تتجاسر بسؤالها عن بلدها، فتقول لك والابتسامة تغمر وجهها أنها من اليابان. تتركك لحالك وتمضي بخطوات سريعة في الاتجاه الذي حددته لها، بينما تواصل أنت السير في الطريق الذي تحفظه قدماك عن ظهر قلب. قبل الوصول إلي المحطة، تتوقف أمام كشك لبيع صحيفة لندن المسائية وتشتري نسخة وتفرد صفحاتها في الطريق وتنغمس في القراءة. يسترعي إنتباهك خبر حول كاتب ليبي شاب، يعيش في لندن، أصدر أول رواية له باللغة الإنكليزية منذ أسابيع قليلة، وأثارت ضجة غير عادية في الساحة الأدبية البريطانية، وتم ترشيح الرواية لنيل أكبر جائزة أدبية بريطانية. تحس بفرح يتقافز في قلبك كعصفور صغير، وتقرر أن تقتني الرواية. تدخل إلي مكتبة ووترستون وتسأل شاباً طويل القامة يعمل بالمكتبة عن الرواية فيأتيك بها، تدفع ثمنها وتغادر وأنت تكاد لا تصدق. تختار الجلوس علي كرسي في مقهي مجاور، ثم تبدأ قراءة الصفحات الأولي مستمتعاً ومغتبطاً. يرن جرس هاتفك المحمول، ويأتيك صوت صديق ليبي شاب، طبيب وكاتب، تبلغه بالرواية فيقول لك أنه قرأها مؤخراً، وأنه يعرف الكاتب. تستمع له بشغف، وتتفقان علي اللقاء قريباً. تغادر المقهي علي عجل متأبطاً (في بلاد الرجال)، وتدخل محطة قطارات الأنفاق علي عجل. تتذكر أنك منذ أن وطئت قدماك لندن وأنت علي عجل، دائماً علي عجل، وعلي حســـــــــب رأي والدتك ( تقول يزروا فيك القوم)! ، لكن والدتك لا تعرف ان هؤلاء القوم (يزروا) في كل سكان لندن، وأن سرعة ايقاع الحياة هي ما يميز لندن عن غيرها من مدن الدنيا، وهو نفس الإيقاع السريع الذي يجعلك تعود إلي بيتك في المساء ممضوغاً بالتعب والإرهاق كل يوم، في حين أنك في طرابلس ينهكك الملل، وبطء الإيقاع اليومي حتي تخرّ فريسة سهلة للضجر والتوتر الذي لا يجعلك تستريح حتي في نومك!

الفرق بين لندن وطرابلس كالفرق بين مدينتين واحدة لا تريد ان تراك لأنها لا تريد أن تري إلا نفسها، ولا تحب إلا نفسها، وآخري كالقطة تأكل بعض ابنائها، ومن نجا منهم من مصير الأكل عليه مواجهة مصير العيش مكابداً ألم نكران أمه له!

ما أبهج المرارة!! كاتب من ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية