مخيم العالقين علي معبر رفح البري اصبح صورة من صور المعاناة الفلسطينية، انه المخيم صاحب 6000 قصة وما يزيد معظمها قصص تبكي من ليس له قلب ومن لا يملك وطنا ولا احساسا، قصص لا نستطيع ان نكتبها لان الجرح المخفي منها افظع من الظاهر والمعروف ولا نعطيها حقها ان صورناها بالقلم ولا نعطيها حقها ان صورناها بالكاميرا مع ان لا احد من وكالات الانباء المبعبعة صور معاناتهم بالصوت والصورة. انه المخيم الحدودي المشتت ليس الاول ولا الاخير والتهمة انه الفلسطيني صاحب اطول قضية احتلال علي مر التاريخ من جعل من نفسه بندقية ورشاش وقنبلة ان لم يمتلكها ليقاوم. لقد تعدت مشكلة العالقين الزمن المقاس بالزمن وتعدت الزمن خارج اطار الزمن، اما المكان فهو نفس المكان باختلاف الاتجاه انه حافة الوطن المحتل. هذا المخيم تركيبته غريبة تختلف عن كل مخيمات الصمود بالوطن والشتات، مخيم صنعته الانقسامات العربية والفلسطينية الفلسطينية ولم تصنعه الحرب مع الاحتلال بقدر ما هي من نزاعات من داخلنا علي وطن محتل. مخيم قصص سكانه غريبة منهم من وصل المخيم مبصرا مثل محسن عدنان وسماح ابراهيم واصبح لا يري الا الظلام وكانه لا يريد ان يري غزة مرة اخري لانها كانت قاسية عليه ومنهم من كان واحدا واصبح اثنين، امهات ولدن داخل خيم صغيرة او في بيوت حلوا بها ضيوفا غرباء، انجبن عالقين جددا ومنهم من فارق الحياة تاركا اياها لمن يحكمها ويتحكم فيها فانتهت قضية حبسه الاجباري داخل المخيم لان التراب هو الحقيقة الوحيدة التي تريحه في زمن الضياع. منهم من افترش باب احد مساجد رفح المصرية او العريش ليمد يده لاول مرة في حياته ليحصل علي ثمن كسرة خبز او جرعة دواء ومنهم من اصطف ساعات ينتظر اغاثة الهلال الاحمر المصري لطعام ليوم او يومين ومنهم من باع ما باع ولم يبق لديه ما يبيعه ليبقي حيا املا في العودة مرة اخري الي غزة. من مخيم الي سجن قادمون لا يعرفون ان الحال قد يكون واحدا الا ان الموت مع الجماعة رحمة كما يقولون. اختلف سكان ماذا يسمون مخيم الشتات الجديد منهم من يريد تسميته الامل ومنهم من يريد ان يكون الموت وآخرون يريدون تسميته الانشقاق وبعضهم قال هذا مخيم المعبر، فمهما اختلفت التسميات فهو سجن خارج السجن الاكبر غزنتنامو وقد يكون هو اول زنزانة ترحيل الي المعتقل. اختلف بعضهم مرة اين سيدفن بعض الموتي واتصلوا باقربائهم ليعرفوا حال الاخبار وامكانية احضار موتاهم ليدفنوا في القطاع مع ان المسافة لا تتعدي بضع كيلو مترات قليلة الا انهم اجبروا علي دفنهم في مقابر العريش. لماذا يدفع هؤلاء المساكين ثمن الاختلافات السياسية او ثمن الاحتلال او ثمن تهمة الخروج من الوطن او ثمن بحثهم عن علاج او ثمن روابطهم الاجتماعية. قالوا انهم سيعودون الي غزة ومن اين سيعودون، لقد اصبح لا يهم من اين سيعودون، من البحر او البر او من تحت الارض او من السماء لان لا سيادة لنا في غزة. ان تحويل المعبر بشكل دائم عبر ما يسمي كرم ابوسالم امر غير مقبول والمعبر نفسه جاء تشغيله بناء علي اتفاق مصري ـ اسرائيلي ـ فلسطيني ـ اوروبي وقد يكون فتحه يحتاج الي اتفاقية اخري. لقد طلبت مصر من اسرائيل فتح المعبر لمدة يومين فقط اي 84 ساعة الا ان الاخيرة رفضت وهذا يؤكد لنا ان القضية سيدفع ثمنها هؤلاء المشتتون. اذن نحن واياهم نقول اتفقوا يا ابناء المعاناة والقضية، يا قادة الدولة والمخيمات والامارات والكانتونات لان المزيد من التحديات قادمة واتفاقكم سيكون الجبهة القوية التي تتحطم عليها كافة المؤامرات فلم تنته المؤامرات بعد لان المنطقة العربية وللاسف لم تعد الا منطقة مؤامرات تعمل ضد نفسها في غالب الاحيان. اصمدوا ايها المنسيون علي حافة الوطن فالفرج قريب فانتم عائدون لا محالة. اما القاعدة الشعبية بالوطن فكلها اصبحت متحزبة لا يهمها الوطن بقدر الحزب فكل ما تملكه الاستجابة لدعوة المسيرات ولا ادوات غير ذلك فمسيرات هنا وهنالك للمطالبة بفتح المعبر، عفوا انكم تدفعون الثمن وهذا قدركم ولكن السؤال من معكم يدفع الثمن الان ومن غيركم سيدفع الثمن بعد ذلك.
د. هاني العقاد[email protected]