كيف تمكن حزب العدالة الاسلامي من تحقيق فوزة الكبير؟

حجم الخط
0

محمد خضر قرش

للمرة الثانية خلال اقل من خمس سنوات تمكن حزب العدالة والتنمية الاسلامي من سحق وهزيمة وتحجيم العلمانية والقومية في تركيا، التي عمل مؤسسها كمال اتاتورك علي سلخها وسحبها من عالمها الاسلامي وربطها بالعالم الغربي. وبعد وفاته عام 1938، اوكل مهمة الحفاظ علي علمانية تركيا الي المؤسسة العسكرية التي فعلت الافاعيل لوقف جنوح تركيا نحو تجديد الروابط مع العالم الاسلامي والعربي. فاذا كان نجاح حزب العدالة والتنمية الاسلامي متوقعا، لكن الذي لم يكن متوقعا ان تنهزم العلمانية والقوي اليسارية والديمقراطية المتحالفة معها والقومية بهذه النسبة المخزية، وبظهور النتائج الاولية سيتمكن حزب العدالة والتنمية الاسلامي من السيطرة علي 340 مقعدا في البرلمان من اصل 550 عضوا بنسبة 62%. فوفقا لنظام الانتخابات في تركيا فان نسبة الحسم تصل الي 10% مما يؤدي الي توزيع المقاعد المتبقية علي الاحزاب الكبيرة التي تتجاوز نسبة الحسم المشار اليها بنفس نسبة الفوز المتحققة، بالاضافة الي بعض المستقلين من الاكراد.

الاسباب والحيثياتالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو: كيف تمكن حزب العدالة الاسلامي من تحقيق هذا الفوز الساحق للمرة الثانية والذي حصل بموجبه علي نحو 47% من القوة التصويتية بزيادة 13 نقطة مئوية عما حصل عليه عام 2002 (34%). لقد احدث النجاح الكبير للحزب الاسلامي ارباكا لدي المؤسسة العسكرية الواسعة النفوذ والتاثير في تركيا، حيث باتت غير قادرة علي فعل اي شيء يلغي نتائج الانتخابات حتي الآن علي الاقل، وربما لن تتمكن بسهولة ـ كما كانت تفعل في الماضي القريب ـ من التدخل في الحياة السياسية وفرض رؤساء وحكام يتناغمون وينسجمون مع طروحات افكار وسياسات المؤسسة العسكرية الموالية للغرب بغض النظر فيما اذا كان علمانيا او قوميا او دينيا. لقد اكدت الانتخابات التركية التي تمت عام 2002 والعام الحالي، عن استحالة شطب والغاء وحتي تحجيم الفكر الديني. فالتركي المسلم حينما ينظر ويشاهد ويسمع ما يدور حوله، يري اشكالا متعددة من القمع والفقر والبطش والاحتلال والظلم والقهر من قبل فاعل واحد بينما المفعول به دائما هي الدول العربية والاسلامية فحسب، وخاصة بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية وانتهاء الاتحاد السوفييتي كاسم وفعل وتاثير. فمن افغانستان وباكستان والعراق وفلسطين والصومال والسودان ولبنان والمغرب الخ، يشاهد التركي المسلم نفس الفعل والفاعل. فالاحتلال الغربي يمتد ويتسع وتجزئة العالمين العربي والاسلامي تسير بخطوات مبرمجة ومتفق عليها وتخريب الثقافة بلغ مداه سواء عبر قنوات فضائية اسست خصيصا لذلك ام من الكم الهائل من الافلام الغربية، وقد ادي كل ذلك الي التشكيك بالانتماء الديني والعربي والاسلامي. ولم يتوقف الغرب عند هذا الحد، بل يسعي جاهدا وبكل الوسائل المتاحة والممكنة لخلع تركيا من محيطها الاسلامي والعربي وفصل عري العلاقة معهما وتحويل اهتماماتها للتمسك بالاساليب والانماط والثقافة الغربية كمحطة لا بد منها نحو القيام بالدور الذي سيناط بها في العالمين العربي والاسلامي لاحقا. ومن اجل اغواء المؤسسة العسكرية التركية وتعزيز وتقوية الاتجاهات العلمانية تم ربط تركيا بحلف شمال الاطلسي والسكوت علي اجتياحها لاكثر من نصف جزيرة قبرص والوقوف علي الحياد فيما يخص نزاعها مع اليونان حول بعض الجزر الصغيرة مع ترجيح كفة الدعم لتركيا، بالاضافة الي تسليح الجيش التركي وتاهيله، وقد اضيف اغراء آخر وهو امكانية ضم تركيا للاتحاد الاوروبي والسوق المشتركة بحيث تصبح الدولة الاسلامية الوحيدة المنضوية تحت لواء الاتحاد المذكور.

لقد ذهب كل ذلك ادراج الرياح حقيقة وفعلا وليس نظريا وقولا فحسب، وعادت تركيا مرة اخري الي عالمها الاسلامي الشرقي، ولن يمضي وقت طويل حتي يتم تثبيت هذه العودة المحمودة قولا وفعلا وممارسة وسلوكا ومنهجا. ان مشكلة وحال العلمانيين الاتراك ـ كما هو حال العلمانيين العرب والمسلمين ـ هي اندفاعهم غير المدروس وغير الموزون نحو الدفاع عن القيم والثقافة الغربية والعمل علي تقزيم القيم والمبادئ والثقافة العربية والاسلامية. كيف يمكن للعلماني التركي ان يشطب بقرار او بجرة قلم كل تاريخ تركيا التي حكمت المشرق العربي والاسلامي لاكثر من 400 عام، واذا كان كمال اتاتورك قد اعتقد بان استبدال الحرف العربي للغة التركية الي اللاتينية يضع حدا لارتباط تركيا بالعرب والاسلام، فقد ذهبت احلامه ادراج الرياح الآن. ومن المفيد هنا ان نقدم مثالا حيا واحدا. فمن ولد في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الاسلامية عام 1917، ونهل من مدارسها غير الاسلامية ومن ثقافتها الشيوعية، ولم يقرأ كما هو حالنا نحن في الدول العربية، عبارات وقاتلوا.. وجاهدوا في سبيل الله واعدوا لهم ما استطعتم من قوة.. الخ، وجدناهم وبعد 73 عاما واذا بهم مسلمون ومجاهدون اكثر منا نحن. فلم تنجح كل عمليات التلقين من حرف بوصلتهم عن الاسلام وعن كونهم مسلمين. وحين مقارنة العلمانيين في الغرب مع نسختهم في العالم العربي والاسلامي، نجد بان العلمانيين الغربيين لا ينهشون ولا يستهترون ولا يهاجمون او يقللون من شان دينهم بعكس العلمانيين العرب والمسلمين، حيث يتفننون ويبدعون في اختيار وانتقاء التعابير والممارسات والسلوكيات التي تساعدهم علي عدم التذكر، بانهم عرب او مسلمون. فقد جنح العلمانيون الاتراك وذهبوا بعيدا بعيدا في تنكرهم لاصولهم الاسلامية ومارسوا كل ما من شانه ان يسلخهم عن ماضيهم الاسلامي.. فماذا كانت النتيجة!! كان علي العلمانيين الاتراك ان يستفيدوا مما حصل للجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفييتي سابقا وان يتعظوا من ذلك. فالامر هناك لم يتوقف عند تغيير الحروف الابجدية كما فعل اتاتورك بل غيروا الاسماء ومنعوا بقرار تسمية اي شخص باسماء عربية او اسلامية واضافوا عليها اوف فبات سلطان، سلطانوف علي سبيل المثال. فاضافة الاوف لم تلغ المشاعر والانتماء والدين. ما يفعله الغرب في العالم العربي والاسلامي هو محاولة تاخير انبلاج فجر شرقي جديد عبر الاستعانة بمؤسسات عسكرية او منظمات غير حكومية بات عددها اكثر من اعداد المستفيدين منها. ففي فلسطين علي سبيل المثال صرف علي المنظمات غير الحكومية 8% من اجمالي المساعدات التي قدمت للشعب الفلسطيني منذ عام 1994 والمقدرة بنحو 9 مليارات دولار. تلك هي الحقيقة المؤسفة. الانتخابات التركية التي جرت يوم الاحد 22/7، اكد الشعب التركي خلالها بانه ما زال مسلما وليس علمانيا، فاختياره كان واضحا وهو يمر حاليا في مرحلة الترسيخ والتثبت علي الارض التركية، بعيدا عن رغبات اتاتورك. فاذا لم تتدخل المؤسسة العسكرية في السياسة فان مستقبل تركيا سيكون نحو الشرق المسلم وليس نحو الاتحاد الاوروبي والغرب. ومهما فعل علمانيو تركيا وخدموا سيدهم الغربي فلن تقبل عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي، فهم غربيون والاتراك ونحن شرقيون مسلمون بالمجمل. فالعدالة الاسلامية اكتسحت العلمانية التركية بضربة شبه قاضية، فهل من متعظ؟

كاتب من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية