اضلاع الواقع العربي الاربعة

حجم الخط
0

سليم بن حميدان

ما حدث اخيرا في فلسطين، وتحديدا في قطاع غزة، يحدث تقريبا في اغلب الاقطار العربية بدرجات متفاوتة الحدة.

الاحتلال الصهيوني والسلطة الفلسطينية وحركتا حماس وفتح هي الاضلع الاربعة للمربع الذي يعيد الواقع العربي انتاجه تحت مسميات ويافطات مختلفة ولكن بمضمون واحد هو تعبير عن وحدة القضية والتحديات.

في كل قطر عربي نجد نسخة من هذه الرباعية متربعة علي المشهد السياسي: قوي هيمنة دولية، انظمة قطرية ضعيفة وتابعة، حركة اسلامية قوية ومتجانسة واخيرا جبهة علمانية مضطربة تخترقها تيارات متناقضة في مشاريعها وولاءاتها.

نسخة مشوهة في ثنائيتي الاحتلال والسلطة لكنها مطابقة للاصل او تكاد فيما يتعلق بقطبي الحركة الاسلامية والجبهة العلمانية.

فالاحتلال الصهيوني المباشر الذي يكشف المؤامرات هناك قبل ان توطد اركانها في الواقع الفلسطيني يجد نظيره بلبوس آخر في باقي الارض العربية حيث تتحرك القوي الامبريالية من وراء حجاب، بلا جيوش ولا مدرعات، مما ينأي بمخططاتها ومشاريعها عن الفضح وييسر لها التسويق والتنفيذ بايسر السبل واقل التكاليف.

وكذا الامر لجهة الانظمة الحاكمة. فهي انظمة ضعيفة ومأزومة لا تملك اي قدرة تفاوضية في مواجهة اسيادها بعد ان جردت مجتمعاتها ودولها من كل مصادر القوة واحالت شعوبها الي غبار من بشر يرعي وينتفض، ينتفض ويرعي. الفارق الوحيد بين السلطة الفلسطينية وباقي الانظمة العربية يكمن في احتكار العنف المسلح ومركزته لدي هذه الاخيرة مما يسر لها تنفيذ كل التزاماتها الدولية وتمرير جميع مشاريع واشنطن وتل ابيب وموسكو وبكين دون مقارنة بالجهد والعناء الذي تتكبده السلطة الفلسطينية لتمرير مشاريع مدريد واوسلو وشرم الشيخ.

اما النسخة المطابقة فتظهر جلية في مستوي الحركات الاسلامية حيث تبدو قوية ومتجانسة في الحالتين، الفلسطينية والعربية. حركة المقاومة الاسلامية هناك (حماس) تتصدي ببسالة لكل محاولات تفتيت المشروع الوطني الفلسطيني وترفض التنازل عن الارض والحقوق المغتصبة ولو كان الاغراء برلمانا ومالا ووجاهة دولية. وفي باقي الارض العربية ايضا تتصدي الحركات الاسلامية لكل محاولات الهيمنة الامبريالية علي المنطقة وتذويب المشروع العربي ـ الاسلامي وترفض التنازل عن الهوية والحقوق والحريات ولو كان الثمن تعذيبا وسجنا وابعادا، وهذا هو في اعتقادي سر جاذبيتها وشعبيتها المتنامية، مما اكسبها احترام كثير من الساسة والمفكرين الاجانب وغير المسلمين رغم المؤاخذات والادعاءات هنا وهناك حول نزوعاتها الصفوية، علي المستوي التنظيمي، او ازدواجية خطابها او طبيعة المشروع الكلياني الذي تبشر به علي المستويين السياسي والحضاري.

التطابق الآخر بين الحالتين الفلسطينية والعربية يظهر ايضا صارخا علي مستوي الجبهة العلمانية. ففي الارض المحتلة كما في مخيمات الشتات، تترنح حركة فتح بين ماض نضالي تليد، زاخر بالامجاد والبطولات، وواقع آسن متعفن، تخترقه لوبيات مرتزقة وتيارات متصهينة. تلك هي تماما حالة الجبهة العلمانية في بلداننا العربية حيث تعيش حيرة وجودية واضطرابا سياسيا بمفعول الازمة الايديولوجية من جهة والاختراق الامبريالي والسلطوي لكياناتها النخبوية الهشة من جهة اخري.

وبغض النظر عن الموقف من العلمانية كحالة معرفية وايديولوجية تنتصر للعقل او كولاء لنموذج غربي ديمقراطي متفوق، بغثه وسمينه، فان حقيقة نخبويتها في الواقع العربي لا يجادل فيها احد.

وهي ككل اقلية، تعيش واقع الانبتات الحضاري، تنظر بريبة الي محيطها فتتقوقع علي نفسها وتبحث غريزيا عن الحماية والسند الخارجي للحفاظ علي وجودها.

انها والحالة هذه حاملة لـ مركب قابلية الاختراق وايسر للتوظيف السياسي في لعبة الامم من نظيرتها الاسلامية التي توفر لها عقيدة الولاء والبراء مناعة داخلية صلبة في مواجهة الفيروسات الخارجية. المفارقة العربية:

المفارقة العجيبة تتمثل في ارتهان المستقبل الفلسطيني والعربي لتحالفات الجبهة العلمانية وآفاق تطورها.

لقد اثبتت التجربة العربية المعاصرة ان العلمانية اصبحت، علي نخبويتها وحداثة عهدها، جزءا ثابتا في الحياة الثقافية والسياسية للامة العربية كما انها تتمتع بحيوية فائقة يمكن استثمارها وتوظيفها، كالدين والعلم والتكنولوجيا، في الهدم كما في البناء.

انها هي القادرة علي حسم الامور اما في اتجاه الانتصار للمشروع الوطني بطرح القضايا الحقيقية واعادة تجسير الانتماء للامة او تفجيره من الداخل بالاصرار علي اجترار الاشكاليات الازلية العقيمة وادخالنا في اتون صراعات فكروية (واو الادعاء) ونزاعات اهلية لها بداية وليس لها نهاية، بل لها مغارم حقيقية وليس فيها الا مغانم وهمية.

حسم الامور في الاتجاه الايجابي يستوجب اذن فرزا داخليا لتطهير الجبهة الوطنية العلمانية من القيادات الانتهازية الفاسدة وتنقيتها من الافكار الراديكالية الجامدة والتيارات الانقلابية الهدامة لتبقي وفية لاطروحاتها التقدمية، حاملة لراية العقلانية والتحديث في مضامينها الاصيلة وابعادها الانسانية والحضارية البناءة.

اما تردد الجبهة العلمانية وتاجيلها لحسم تناقضاتها الداخلية في الاتجاهين الوطني والقومي وبقاؤها رهينة نخبتها المنافقة والعميلة فسوف يبقي الاوضاع علي ما هي عليه بل سيزيدها فوضي وضياعا بما يوفر للمتطرفين والاعداء فرص الاختراق والحضور في واقعنا ضد مصالحنا الوطنية والقومية.

انه وباختصار يساوي الاستسلام للتيارات الدحلانية الذي لا يعني عمليا استمرار معاناة حماس والحركات الاسلامية فحسب ولكن ايضا انهيار فتح وتوحش العلمانيات العربية وتغول الانظمة السلطوية وضعف دولنا وانهيار مجتمعاتنا بما يفضي الي استمرار الشقاء والتناحر الفلسطيني والعربي لسنوات طويلة قادمة.

في المقابل، ينبغي علي الحركات الاسلامية مساعدة نظيراتها العلمانية في انجاز مهمة التطهير الفكري والسياسي لجبهتها الداخلية وذلك عبر الارتقاء وطنيا الي مستوي الاداء الذي بلغته حماس حيث قدمت المصلحة الوطنية علي مصالحها الحزبية وجيّرت في النهاية انتصارها الامني علي التيار الدحلاني في غزة لفائدة الشعب الفلسطيني كله واصرت، من موقع القوة، علي الحوار مع فتح واعتبارها المنتصر الآخر في معركة التطهير والشريك الاكبر في السلطة كما في حرب التحرير.

لا نريد لمشهد الاقتتال الفلسطيني ان يتكرر في اقطارنا العربية لان التسويات والوفاقات هي الطريق الاسلم والاقرب لتحررنا وحرياتنا ولكن يجب علينا جميعا، وعلي العلمانيين العرب تحديدا، تحمل مسؤولياتنا الوطنية بشجاعة وصرامة ودون لجوء الي القوة من اجل عزل التيارات الدحلانية ومحاصرتها، كما فعلت الحركات الاسلامية المعتدلة مع فراخها من التكفيريين وفقهاء السلاطين. حينذاك يمكن للحوار في الصالونات المكيفة ان يثمر نتائج ملموسة علي الارض كما يمكن للمواثيق الوطنية وللتحالفات الجبهوية بين الاخوة الفرقاء، من الاسلاميين والعلمانيين، ان تستمر بعد جفاف المداد الذي تحبر به. في انتظار انتقالنا الي تلك المرحلة يجدر بالعلمانيين الشرفاء والعقلاء، من امثال عزمي بشارة، ان يقولوا كلمتهم بكل جرأة ومبدئية واحترام، في كل قطر عربي حتي يكون الولاء للوطنية فوق كل الولاءات والانتصار للامة دون غيرها من الجماعات.

ہ كاتب تونسي8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية