سمير جبور
لا يستطيع احد ان ينكر خطورة الوضع الذي نجم عن القطيعة بين فتح و حماس وتداعياته بالنسبة الي مستقبل الشعب الفلسطيني ومصير قضيته. وقد كتب الكثير وقيل اكثر حول مسببات ذلك الخلاف الدامي بين الفصيلين الرئيسيين في ساحة النضال الفلسطينية. ولكن لم يكتب الكثير ولم يصرح بما فيه الكفاية حول ايجاد مخارج لهذا الوضع المتأزم. وما نشاهده حتي الآن هو تخندق كل فريق في موقعه وتبادل الاتهامات المشينة، وعدم التطرق الي المخارج والحلول، مما يزيد في استفحال الازمة ودفعها الي نقطة اللاعودة. ومن اجل ترسيخ القناعة بضرورة الخروج من هذا الوضع الانقسامي الاستقطابي، لا بد من تعزيز الوعي بالنتائج الماساوية لما حدث، ومن ثم الخوض في الطرق التي تؤول الي احياء المشروع الوطني واعادة الوحدة الوطنية بين جميع الفصائل. ومن دون العودة الي تتبع الاحداث التي ادت الي هذا الانقسام، لا بد من التوقف عند امرين او ثلاثة اذا جاز التعبير.
الاول: ان الاعتراف بفداحة خطورة الوضع وعناصر هذه الخطورة، غدا ضرورة ملحة للسعي الي المصالحة الوطنية.
الثاني: الاقرار بامكان الخروج من الازمة، وعلي الرغم من ان الحل يبدو مستعصيا، فلا بد من الاقتناع بانه لا بديل عن اعادة اللحمة الي ابناء الشعب الواحد الذين يجمعهم امر واحد وهو مقاومة الاحتلال، ولا يوجد اي مبرر لكل ما جري، وان الوضع لم يصل الي حائط مسدود بعد، وان البديل عن الوحدة الوطنية هو القضاء علي مقومات التحرير وزج مصير الشعب الفلسطيني الي المجهول.
ثالثا: السعي نحو ايجاد آليات العودة الي الوحدة الوطنية وبث الروح في المشروع الوطني ووضع برنامج وطني يجمع عليه الفلسطينيون في الوطن والشتات.
تداعيات خطيرة تنذر بعواقب وخيمةمن نافل القول ان الازمة زادت من حدة الاخطار التي كانت قائمة من دون ذلك. وتجاهل هذه الاخطار من قبل اي فريق سيكون كمن يدفن راسه في الرمال، وعلي الرغم من ان الكثيرين من اصحاب الاقلام الوطنية المخلصة واصحاب المساعي الحميدة، يواصلون التحذير من هذه الاخطار، فمن اجل التذكير اود الاشارة الي بعضها.1 ـ احدث الخلاف الدامي بين فتح و حماس شرخا عقائديا وسياسيا وحتي مذهبيا بين جميع ابناء الشعب الفلسطيني في كل مكان. ومن المؤسف ان هذا الشرخ يلمس بصورة شديدة بين الفلسطينيين في الشتات. اذ لا يكفي ان ما جري احدث مناخا من الياس والقنوط والامتعاض الذي يبلغ درجة الاشمئزاز. فكل يؤثر سلبيا في همة فلسطينيي الشتات وانحسار فعالية دورهم في الدفاع عن القضية الفلسطينية امام الراي العالمي والحكومات الاجنبية. فعلي سبيل المثال لم يستشعر قبل الاحداث الاخيرة استقطاب بهذه الحدة بين التيارين الاسلامي و العلماني، وبعد فوز حماس في الانتخابات انبري انصار التيار العلماني وخصوم حماس السياسيين الي الدفاع عن شرعيتها السياسية وابراز نزاهة العملية الديموقراطية التي اوصلتها الي الحكم. واستمرارالازمة من شانه ان يزيد من التشرذم والانقسام وما لهما من تداعيات سلبية علي مجمل النضال الفلسطيني.2 ـ اذا استمرت الازمة وتعمقت، ستتواصل جميع المبادرات السياسية المشبوهة التي نشاهدها الآن والتي تصب كلها في تهيئة المناخ والظروف االملائمة لتمرير مخطط تصفية القضية الفلسطينية. وابرز هذه المبادرات مساعي الرئيس بوش اذ يتردد انه يتطلع الي انجاز هذه المهمة قبل انتهاء ولايته في العام المقبل، والاجتماع الذي دعا اليه في الخريف المقبل انما هو احدي وسائل انجاز هذا المخطط.
كما ان المهمة التي يقوم بها طوني بلير بدعم من الرئيس بوش تصب في هذا الاتجاه. ناهيك بان بلير لم يحصل علي تفويض من اية مرجعية دولية مثل مجلس الامن او الجمعية العمومية. كما ان مواقف بلير من القضية الفلسطينية ومن سائر القضايا العربية معروفة. فكيف يمكن الثقة بهذا الرجل الذي سار وراء بوش في شن الحرب علي العراق وتدمير اكبر طاقة عربية محتملة؟ وتنبغي ملاحظة ان بلير لم يستطع ان يقدم اي شيء للفلسطينيين عندما كان رئيسا للوزراء، فما الذي يستطيع ان يفعله وهو مفوض من قبل الرباعية التي رفضتها اسرائيل؟
واما المساعي العربية التي تنفرد بها الجامعة العربية في الخفاء وتتولاها مصر والاردن في العلن فلن تقدم اية مساهمة في اتجاه تحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية. بل ان اسرائيل تستغل هذه المساعي لفصل القضية الفلسطينية عن النظام العربي، والاستفراد بالدول العربية من اجل التطبيع والتخلّي عن القضية الفلسطينية. وما رشح عن اجتماع وزيري خارجية مصر والاردن لا يوحي بأي تقدم نحو اقناع اسرائيل بالتراجع عن مشروعها التوسعي. بل ان اؤلمرت ابلغ الوزيرين العربيين بان يجلبا معهما في زيارة قادمة جميع وزراء الخارجية العرب لكي يقدموا الطاعة للسيد الاسرائيلي.3 ـ اسرائيل تستغل هذا الانقسام للتهرب من مسؤولياتها وتبرير رفضها للسلام بحجة ان الفلسطينيين منقسمون علي انفسهم. وما الغزل القائم بين اولمرت وعباس الا وسيلة تتستر اسرائيل من ورائها لتبرير موقفها. ومن شان هذا كله القضاء علي جميع احتمالات قيام دولة فلسطينية او دولة ثنائية القومية، او اية صيغة من الحد الادني للسيادة الفلسطينية.
لم نأت علي جميع الاخطار الناجمة عن الوضع الجديد، وما اشرنا اليه انما هو غيض من فيض.
لا بديل عن الحوار الوطنيكما اشرنا انه لا بد من ترسيخ القناعة لدي الجميع بان الخروج من الازمة ممكن، ولم يصل الوضع الي حائط مسدود، وكل من يتخلي عن مساعي الحل والتخندق في مواقعه، فانه يساهم في تعميق الازمة وترسيخ الانقسام. فالبديل عن الحوار الوطني هو الانتحار السياسي او السير نحو المجهول وزيادة مآسي الشعب الفلسطيني. كيف الخروج من الازمة؟
متي اقتنعت القيادات الفلسطينية باستحالة الاستمرار في حالة التشرذم والانقسام يبدأ البحث عن الحلول والعودة الي الحوار الوطني. وهذا يتطلب من القيادات الفلسطينية التحلي بروح المسؤولية والارتفاع فوق المصالح الضيقة وعدم التقوقع في المواقف المتزمتة. وهذا يتطلّب ما يلي:1 ـ التوقف عن الحملات الاعلامية وتبادل الاتهامات العلنية والعزوف عن توفير مادة دعائية في ايدي الاعداء الذين حاولوا بعد 11 ايلول (سبتمبر) ان يدمغوا الشعب الفلسطيني كله بالارهاب والتعاون مع القاعدة لدرجة اتهام المرحوم ياسر عرفات بانه ارهابي وعزلوه حتي قضي في عزلته في ظروف غامضة، وهو الذي قدم تنازلات كبيرة استغلتها اسرائيل من اجل توجيه الخناجر الي ظهر الشعب الفلسطيني. ففيما اعتقد ياسر عرفات انه يفعل ذلك كله من اجل السلام واستجابة للوعود التي اعطيت له، كانت القيادة الاسرائيلية بجميع اتجاهاتها تغرز الطعنات في الخلف. وهذا يتكرر الآن تقريبا مع ابو مازن.2 ـ علي قيادتي حماس و فتح الاعتراف باخطائهما والتعهد باصلاح هذه الاخطاء، وبالتالي ترشيد خطابيهما السياسيين بعيدا عن التزمت والتعصب وزج الدين في السياسة، والاقلاع عن الممارسات التي لا تخدم مصالح الناس.3 ـ المطلوب من رئيس السلطة الفلسطينية اقناع الشعب الفلسطيني الذي انتخبه بجدوي الاتصالات التي يجريها مع حكومة الاحتلال. فلا يكفي تبرير ذلك بالحرص علي توفير الحاجات الضرورية الملحة والتغلب علي الضائقة الاقتصادية لان اسرائيل لم تقدم الكثير في هذا المضمار بل تستغل هذه الاتصالات من اجل تعميق الانقسام واللعب علي التناقضات.. وفي سياق الخروج من الازمة، يجب التنويه بالبيان الذي اصدره التجمع الشعبي للانقاذ الوطني ووقعته 46 شخصية فلسطينية من السياسيين والمثقفين ورجال الفكر ورجال النخبة. واقترح التجمع الاجراءات التالية للخروج من الازمة نلخص بعضها:
ـ تشكيل لجنة للانقاذ الوطني تدعو الي حوار مفتوح من اجل الوصول الي برنامج وطني.
ـ اعتماد خيار المقاومة والممانعة ورفض ان يزج بالقضية في بازار الصفقات والمزايدات.
ـ الاصرار علي وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن وفي الشتات، واعادة بناء منظمة التحرير لاحتضان جميع القوي المناضلة. وهذا مدخل وحيد لحل الازمة ومعالجة تداعيات اوسلو.
ـ التاكيد علي ان الشعب الفلسطيني هو جزء من الامة العربية.
ـ السلطة هي جهاز تنفيذي لتقديم الخدمات بعيدا عن اوهام السيادة والاستقلال.
ـ لا شرعية الا شرعية الوحدة الوطنية والنضال التحرري الديموقراطي.
ويختتم التجمع الشعبي للانقاذ الوطني بيانه بما يلي: وعليه، فاننا ندعو كل المخلصين من ابناء شعبنا وامتنا للمساهمة في وقف هذا الصراع والمساهمة في ايجاد الحل لهذا المأزق الذي ان استمر فستكون له نتائج ماساوية علي شعبنا وامتنا باعتبارهم اصحاب القضية الحقيقيين. وندعو جماهير شعبنا للوقوف امام هذا الخطر الكارثي.
استخلاص العبرالوقت عصيب والمأزق رهيب، واذا لم تسارع القيادة الفلسطينية الي تدارك الامور وتطويق الازمة، فعليها الاعتراف بفشلها واستخلاص الاستنتاجات. ولا يمكن للسلطة الفلسطينية الاستمرار في كونها شاهد زور. واذا بقيت علي هذا العجز، فحري بها ان تستقيل وتعيد اعباء الاحتلال الي المحتلين الملزمين بتوفير جميع اسباب المعيشة الي سكان الاراضي المحتلة تحت طائلة جميع الشرائع والقوانين الدولية التي تحمل الدولة المحتلة المسؤولية عن تامين مصالح هؤلاء السكان. كما ينبغي علي قادة حماس استخلاص العبر من سنوات طويلة من مقارعة الاحتلال دون تحقيق مكاسب ملموسة علي الارض بعد ان قدم الشعب اعدادا غفيرة من الشهداء من خيرة المناضلين. وتتحمل حماس نفس القدر من المسؤولية نحو تحقيق الانقاذ الوطني. ارحموا هذا الشعب وكفي تعريضه للكوارث والمآسي.
ہ كاتب من فلسطين يقيم في كندا8