ثلاث نساء لرجل ممتلئ

حجم الخط
0

أحمد الزعتري

وقالت لنفسها بعدَ أن استلقي بجانبها يلهث: الامرأة الأخري قامت بدورها كما يجب. ثم انطفَأَتْ كضوءٍ يخفَتُ في جفن نائم. بدينة، علي مهلٍ، تفقدُ في كل جرعة قُبَل كالوري واحداً، وتكسبُ من شعوره بأنهُ تائه وجبة دسمة. بكسلٍ طأطأ وهج اللقاء الأول سهامه، انكسر زغب الحلمات، بَصَق سيجارته الأخيرة وربض علي جانبه الأيمن يحصي أضلعه ويطمئن إلي عمل الخصيتين، انتَشَرَت برأسه تلابيب قرآن.. وبينما كانت Enigma تصهل عادت سانت لويس بكولومبوس، ريشة صقرٍ ربطها علي رأسه والسماء رمادية والأرض الجديدة أقرب لديه من اسبانيا والبحر واسعٌ، الجفن الثاقبُ أرمَد. بنصف شراعٍ أصفر وأحمر عاد وعلّم أشباه الرجال أن الهند في الطرف الآخر، لكن لا بأس، هذا انعكاس الأرض في طرفها الآخر، لا مرايا لتجسَّ أصابع أقدام هنديٍ فقير في دخان هندي أحمر في إنديانا، الدخان رمادي، والأرض الجديدة أبعد لديه من اسبانيا. الامرأة الأخري عضت علي وجعها وفكّرَت قليلاً ونسيت وهج اللقاء الأول. دمشق تُوْلَدُ كثيراً تحت قاسيون، وفوق قاسيون، وتحت قاسيون كان مهيار حتي الثمالة يضاجع نساء الحي الغني، وبينما كان طاغور يتحدَث، وأفلاطون يفتتحُ الفلسفة الهادئة كالشعر؛ لا طائلة منه: لا زيادة تشي بحاجتنا إليه ولا نقصان يخرجنا من روتين مكاتبنا. وبينما يشرب ابن رشد مشهد حرق كتبه مراراً في الجرار الفارغة، ما يزال عباس بن فرناس يطير. قاسيون يا أحمد، أتذكر؟ علي دقات حافر الكعب العالي انتَحَبَت مهندسة طرق شقراء فوق الاسفلت. أعني أنني الآن أعي فقط لمَ لمْ يعد النادل بالقهوة الإيرلندية. مسيحيون كانوا كلهم في المقهي، يوم الجمعة، والخطيب في الجامع يحذر من علمانيتنا ويزف موتاً آخر لماركس. هكذا – علي فطرتنا – رأينا الله، كمن يستيقظُ فجأة في حلم، وشاركنا في خلقنا:

الكون جرة عميقة لا نري بداخلها إلا ما انعكَسَ علي وجوهنا، لذا تحتدم العاطفة مع العقل وننضجُ أكثر بقليلٍ من أعمارنا، نمسكُ عن التحدث بالوجع العام كسياسيٍّ أنيق، ينسي دائماً بأن زوجته لقبت قطتها باسمها، كي تصير أنتَ، والقطة هي. تخيل مثلاً يا أحمد أننا نتغلب علي وجعنا في كل لحظةٍ ولا نرسل رسالة قصيرة علي الهاتف المتنقل لأن إيجار البيت مدفون تحت العتبة – ولا نُدرِك. وأنتِ، فلتضمي قدميكِ الصغيرتين معاً، ولتمض المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين علي شكل طاولة المفاوضات عاماً آخراً. الروتين يأخذ شكل حياة والياقوت لم يكُن أحمر ابداً في داخلي، وكما تئن العروس، كانت السجادة الكبيرة في ردهة فندق Holiday Inn تصف للون حياده. الآن فقط أعي. وبينما حدثتُ نفسي بما أهذي رأيت بعيني: قمران في الجنوب يتصارعان علي من يمسح زجاج نجمة متسخة كالعمال المصريين في (اللويبدة)، رأيت الكون الصغير يمد لسانه الكبير في وجه الجثث الكردية المتفحمة في قانا، وكما اتكأت لبنانية مغناج علي سور حلبجة تلعن الله وصدام حسين، رأيتُ الامرأة الثالثة تسير إلي، علي مهلٍ، كمن عضها وجعٌ. كانت الدنيا تغلقُ أبوابها وشبابيكها بينما شمشون يجتث شعر ديلايلا، رأيت بعيني – اللتين سيأكلهما الدود ويشرب ماءهما الشجاع الأقرع – كيف سيعاقب الله الكون بالخلود.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية