هل المرجعيات الغربية للكاتب تحوله إلي عميل للفكر الغربي؟!

حجم الخط
0

فيصل عبد الحسن

يتناول الكاتب المغربي الدكتور محمد العمراني في كتابه (كيف تمت هندسة فيروس اسمه ادونيس) قضية كثيرا ما تناولها المشككون بمرجعيات الكاتب الفكرية واعتمادهم نظرية المؤامرة ـ conspiracy theory ـ فيما يتابعون في بحوثهم، والغريب أن تلك البحوث تثير الكثير من الأسئلة حول المبدع والمفكر وفي مرات كثيرة يضيف الذي وضع تحت دائرة الضوء والبحث الكثير مما يحتاجه المشككون ليثبتوا أن ما جاء في دراساتهم المنسوجة حوله صحيح وانه يجيء ضمن دائرة عريضة من المسلمات التي تضعها مخابرات الدول الكبري والحركات السياسية و اللوبيات السياسية والثقافية والحركات العنصرية والدول الاستعمارية. وما أثار اهتمامي حقا في كتاب د. محمد العمراني ما قدمه ادونيس خلال الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل علي لبنان في 12/7/2006 واستمرت لثلاثة وثلاثين يوما مستهدفة القضاء علي حزب الله من دلائل تشير إلي صحة الكثير مما جاء في الكتاب، فقد كان ادونيس يصرح للصحافة الفرنسية غير ما كان يقوله للصحافة العربية، ويقول شعرا غير ذلك الذي ينظر إليه في جلساته الأدبية. و يتميز الشاعر علي أحمد سعيد المشهور بلقب أدونيس بتاريخ طويل من المشاركة السياسية. وبعد تعرضه للاضطهاد بوطنه سورية انتقل إلي لبنان ومنه إلي فرنسا. ويُعَدّ من أشد المؤيدين للعلمانية وأعرب عن اعتقاد بضرورة النظر إلي الدين باعتباره تجربة روحية وشخصية، بينما يجب إرجاع جميع القضايا المرتبطة بالشؤون المدنية والإنسانية إلي القانون والشعب. ويرفض أدونيس الدول الدينية حتي وإن جاءت نتاجًا لانتخابات ديمقراطية. ويكشف أدونيس عن مقت شخصي للدين الذي يعتبره نتاجًا للخوف من الحرية والمسؤولية. ولكنه يؤكد علي ضرورة احترام المعتقدات الدينية باعتبارها أمرًا شخصيًّا ولنا أن نستعرض آراء العمراني بهذا الكاتب المثير للتساؤلات والمثير للكثير من الغمز واللمز في سعيه الحثيث للحصول علي جائزة نوبل بمجاملة الغرب فيما يسعون إلي تعميمه في انهار معرفتنا وما يبطنون من نيات تسعها نظرية المؤامرة بكل تشعباتها وفصولها. يتناول الكاتب العمراني في بداية كتابه نظرية داروين في النشوء والارتقاء، واكتشافها من قبل آخرين في الفترة ذاتها، محاولا طرح ما يعنيه بمفهوم الاستعارة، وينقلها بعد ذلك إلي اكتشاف الحاسوب وأشباه المواصلات والشفرات، ويقول عن الشفرات أنها كلمة السر الجديدة المبشرة بالعصر الإعلامي الجديد، ثم ينقلنا في فصله الأول المعنون بـ ظلمات الأنوار إلي عهد التنويريين العرب الذين رموا مخالفيهم بالظلامية كما يقول الكاتب ص7، وفي الفصل المعنون بعثات الاغتراب ينقلنا الكاتب إلي عصر محمد علي باشا في مصر، ويحدثنا عن أولي البعثات العلمية إلي أوروبا في ذلك التاريخ، ويفرد لعصر النهضة اليابانية حيزا في فصله، وفترة تلك النهضة تمتد منذ عام (1868 ـ 1912) ويقول عنها أنها كانت نهضة فعلية. وفي الفصل الثاني يتحدث عن مفهوم الثقافة ويعرفها كما جاءت في لسان العرب وعند الانكليز والفرنسيين، وفي الفصل الثالث المعنون صناعة الثقافة كدين ينقل لنا ما حدث في الثورة الفرنسية من ارتداد علي الدين المسيحي، وفي نفي الثوار لرجال الدين المسيحيين إلي الجزر البعيدة وإعدام القسم الآخر بالمقصلة، ويورد تصريح الثوري لاروفليير في السنة الخامسة من الثورة الفرنسية: عندما تتم الإطاحة بدين ما، مهما كانت عدم صلاحيته للمجتمع ولا معقوليته، تحتم دائما إبداله بجينات أخري، فإن لم يبدل أمكن القول بأنه أبدل ذاته بذاته بتولده من حطامه. وانطلاقاً من هذا الفهم لجدلية الدين، قامت حكومة المديرين الثورية باستحداث ديانة ثورية أطلقت عليها اسم محبة الرب وهو حسب تعريف القاموس: دين قام علي الإيمان برب قادر وطيب، من غير عبادة ص17. ويورد اسم آخر لهذا الدين يقول بحب الإنسانية، ثم يعرج الكاتب لانعكاس ذلك الدين الجديد علي إطلاق الناس في باريس بعد الثورة الفرنسية: ثم نظر الثوار أحباء الرب إلي الأخلاق نظرتهم إلي السيد الأحد. فإذا كانت المسيحية تدعو إلي العفة، فدين محبة الرب سوف يدعو إلي الدعارة المفتوحة، وإذا دعت إلي الحشمة فالأحباء سوف يدعون علي العرين وهكذا مع باقي التعاليم المسيحية، حتي غدا واضحا للملأ الثوري أن المؤمن بمحبة الرب المثالي هو: من يعرف المسيحية معرفة راهب، ويتصرف كسلب ونقيض لها، لذلك أكثرت الثورة من احتفالات الرقص. فرقصت باريس في كل مكان، في المقاهي، في الصالونات، في الكنائس في الحدائق العامة، فوق الأسطح علي ضفاف نهر السين. ثم وجد من ابتدع الموضة للرجال والنساء بأقل تغطية لَحْمِيَّةٍ ممكنة وبأكثر إثارة لنوازع الجنس الغريزية. وانفجرت الرذيلة كنقيض للفضيلة المسيحية في كل مكان، وبين سني 1795 إلي 1799 انغمس الفرنسي الثوري في اللذة الحسية والسفاح حتي لم يكد يتميز عن القطط حول قمامة الزبالة، في الأزقة المظلمة، واغتني القاموس الثوري برصيد لغوي جذوره كلها تدور حول: جامع ومجامعة، لقيط ولقيطة، خليل وخليلة، خادن ومخدونة، خادع ومخدوعة ص 19 . ثم ينقلنا إلي الثقافة، وتأثرها بالطبقة المسيطرة وينقل لنا مفهوم الفيرسة، والفيروس الثقافي، والمثقف الفيروسي باستحضار شريط كل هذه الآليات الفيروسية المخبرية بالأساس ونقلها بالاستعادة إلي ميدان الثقافة علي غرار ما تخصصت فيه المدرسة الثورية الفرنسية البذورية ما قبل عصر الشفرة. فالمثقف الفيروسي هو: العميل المحلي الناقل لثقافة دخيلة علي بيئة الأصل، بغرض تفكيكها وإحلال الدخيل مكان الأصل. فالثقافة تحتفظ بمظهرها الخارجي الذي ألفه المجتمع، إلا أن المضمون العقائدي تابع من مرجعية الدخيل. فالعميل يقابله المرتد والخائن والجاسوس كمترادفات. فنحن لسنا هنا أمام حالة تثاقف أو تبادل معرفي بين مرجعيتين متكاملتين بغرض إغناء التجربة أو تنوع الفهم وتعميقه كما في ثقافة وولف، وإنما أمام حرب غير معلنة وخفية، غزو صامت دون دوي أو فرقعة يتبعه تحلل وتفكيك وموت بطيء. ص 28 . الثابت والمتحولويكتب د. العمراني عن الحداثة في الفصل المعنون: الميتا أصولية الشافعية حداثة؟ أم ما بعد حداثة؟ ويستهله بالقول: فإن كان هذا هو ما يطبل ويزمر له أدباء آخر زمن، فلا شك أن طلبة القرويين والزيتونة والازهر المغفلين فاقوا الحداثيين وما بعدهم ومن بعدهم، لأنهم منذ قرون وهم لا شغل شاغل لهم سوي الميتا نقد، وميتا نقد النقد، وميتا نقد الميتا نقد، الذين يسمونها بلغتهم القديمة الشرح و شرح الشرح و الشرح لشرح شرح النص إلي مستويات جيولوجية وأركيولوجية تمتد علي مدي قرون ص47، فهو في هذا المبحث يتتبع حداثية النقد عبر شرح الشرح وفي أصول الفقه عند الشافعية. ويقول عن كتاب المحصول لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الشهير بابن الخطيب الرازي الشافعي (544هـ ـ 606هـ) أنه جاء تلخيصا لثلاثة كتب، هي علي التوالي البرهان والمستصفي والعهد وكتاب العهد في الأصول، حيث يكون المحصول بقراءة ابن الخطيب سوف يخضع بدوره لقراءة ميتا لغوية وميتا نقدية.

وفي الفصل الثاني عشر والذي جاء بالعنوان للكتاب ذاته، تضمن مقاطع من كتاب أدونيس المعنون أمس المكان الآن الصادر في عام 1995 عن دار الساقي في لندن، ومن كتابه الثابت والمتحول الصادر في عام 1995 عن دار الساقي في لندن، ومن كتابه الثابت والمتحول الصادر في عام 1974 بعنوان ـ الثابت والمتحول: تأصيل الأصول الطبعة الأولي الصادر عن دار العودة ـ بيروت. ومن تلك التضمينات، ما كتبه ادونيس: قال الراعش (في الأصل قال الشاعر ولكن مؤلف الكتاب قلب الحروف رأسا علي عقب، متتبعا النصيرية التي ينتمي إليها أدونيس والتي تقلب تسمية القمر إلي مقلوبها الرمق). قال الراعش: وكيف أبايع من قال الله وقال رسول الله بأني أولي منه ما حجتكم ضد الأنصار؟ بها أحتج عليكم.

الكاتب والصوفيةويناقش د.

محمد العمراني كتاب الثابت والمتحول لأدونيس بقوله: فتقمصات الرجل هي عين التحولات وما كتاب الثابت والمتحول ببعيد عن هذه المعاني ـ ويقصد المعاني التي يستخدمها أهل النصيرية الطائفة التي ينتمي إليها أدونيس في إشاراتها الاعتقادية ـ بل خصص للتحولات كتابا في كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل، كما أن عقيدة وحدة الوجود لها ديوانها عنده، كما يليق بابن الطائفة. في مفرد بصيغة الجمع أطروحته في التصوف العربي التي نال بها الأستاذية من شعبة الفلسفة والآداب من جامعة دمشق تجد استمراريتها في المنح من كتاب الموافق والمخاطبات لعبد الله محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري (ت364هـ) أو كتاب الأسفار وكتاب التجليات وكلاهما لمحيي الدين محمد بن علي بن عربي الحاتمي الأندلسي (ت:638هـ) الوحدوي الوجودي المشهود الكفر، وأبي كل المفككين علي الإطلاق، والذي لملم مهابيله من مثل هذه البيئة المستعدة بالتنشئة علي الطيران إلي عوالم الخرافة والأسطورة. ص87. ويتتبع صاحب الكتاب طرحه للمؤثرات الصوفية علي أدونيس عبر أبي يزيد طيفور بن عيسي البسطامي (المولود سنة 188هـ والمتوفي سنة 261هـ) ويعيب عليه أنه ليس مبدعا، وأنه أعاد إنتاج ما كتبه الأولون، ويختم قوله ذلك بقوله عن الذين يمارسون اللعبة اللغوية بدون معني حقيقي: إذ مجانين اللغة في العربية لا يحصيهم عد، بعد مجنون ليلي… ولأنهم علي طول التاريخ لم يجدوا ما يضيفونه للغة غير التكرار والتخريف. ص87. سيرة الشاعر ويورد الكاتب فصلا في كتابه عن سيرة الشاعر أدونيس تحت عنوان معالم ومحطات: الأركان المظلمة للتنشئة والبيئة والموروث: يقول فيه: ولد علي أحمد سعيد اسبر في قرية قصابين السورية سنة 1930. تربي كما يقول في بيئة نصيرية مشبعة بالمأثور الشيعي الشعبي. لم يلج مدرسة إلي سن الرابعة عشرة وإنما درس علي أبيه في المنزل شعراء الطائفة والشعر القديم. في سنة 1944 نظم قصيدة شعرية أمام شكري القوتلي زعيم الاستقلال عن فرنسا وأول رئيس للجمهورية أثناء مروره ببلدة جبلة القريبة من قريته، في جولة قطرية، أعجب القوتلي بالقصيدة ومنح الشاب منحة دراسية، فانتقل إلي العاصمة دمشق حيث سيحصل علي البكالوريا بعد خمس سنوات. التحق بالجامعة السورية وتابع دراسته في شعبة الفلسفة والآداب بين سني 1950 ـ 1954 إلي أن نال الأستاذية بأطروحته عن الصوفية العربية. أثناء إقامته بدمشق انخرط في الحزب القومي السوري الذي أسسه أنطون سعادة (1904 ـ 1949) وتعرف علي زوجته خالدة سعيد التي كانت ضمن نشيطات الحزب، وتزوجها في عام 1956 وانتقلا إلي لبنان وفي لبنان تعاون مع يوسف الخال في تحرير مجلة شعر، ذات الميول الاغترابية للفترة (1957 ـ 1963) وافترقا (أدونيس ويوسف الخال) بعد ذلك، أو كما يقول كاتب الكتاب افترقا يلعن بعضيهما وحصل أدونيس علي منحة من الحكومة الفرنسية للدراسة بالسوربون سنة 1960، وبعد نكسة 1967 أصدر أدونيس من بيروت مجلة مواقف ويقول الكاتب عن تلك المجلة: أنها ظاهرت الشيوعيين العرب وتعاطفت مع شعرائهم في انعطاف بـ 180 درجة كالنقيض للنقيض لموقفه الذي تبناه مع الخال في مجلة شعر. في سنة 1973 حصل أدونيس علي دكتوراه من جامعة القديس يوسف ببيروت، وموضوع الأطروحة كان الثابت والمتحول، الذي صدر ككتاب بعد ذلك. يقول عنه صاحب الكتاب: سيصدر ككتاب مَنِِفِِسْتُو لمشروعه التهديمي ضمن مشاريع أصنام مثقفي تلك الفترة… ص 78. وفي عام 1975 ترك الشاعر لبنان إلي سورية، وفي عام 1986 ذهب إلي فرنسا وعمل مع زوجته علي إصدار مجلة مواقف من هناك. وتضمن الكتاب إصدارات أدونيس وملابسات صدورها، وفصلا عن التصوف النصيري، وعن علاقة الشاعر بأنطوان سعادة، وعن أدونيس في السوربون وجامعة القديس يوسف، وعن تأثيرات الثقافة الفرنسية بأدونيس. في حقيقة الأمر كان عنوان الكتاب ملفتا للنظر، أما بالنسبة للمادة التي وردت فيه فهي في الكثير من الفصول مكررة ومعروفة في الوسط الثقافي العربي والمغربي وآراء ادونيس الأخيرة في حرب لبنان وحزب الله هي التي أعادتها إلي واجهة الصدارة والتساؤل هل حقا أن مرجعيات الكاتب الغربية تحوله إلي عميل للفكر الغربي حسب ما يزعم المؤمنون بنظرية المؤامرة في بلداننا؟

ہ كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب[email protected]ہ كيف تمت هندسة فيروس اسمه ادونيس / للدكتور محمد عمراني / 2006 / مطبعة رودار /الرباط/ المغرب/ 102صفحة قطع كبير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية