باراك واولمرت ثنائي واعِد من الناحية السياسية إلا انهما يتنافران بدلا من أن ينسجما معا في العمل من اجل مصلحة الدولة

حجم الخط
0

حوار حي وفاعل بين اسرائيل وسورية.. ولكنه مربوط بأجهزة التنفس

هما انتظرا هذه الشراكة فترة طويلة. اولمرت الذي كان يعد الثواني بجانب عمير بيرتس، يقوم باعداد جدول يأس لنفسه الي أن يظهر الأمل الابيض الأكبر في الأفق. باراك الذي حفيت قدماه في صحراء التيه السياسي منبوذا وحيدا، يراقب الصبيان المفتقرين للمسؤولية الذين يُديرون شؤون اسرائيل الأمنية المرهقة بينما يقوم هو، مستر أمن، بتضييع وقته بين المقاهي في شمالي تل ابيب. هما سارا واحدا باتجاه الآخر منذ فترة طويلة، جسا النبض وتأملا وتجاذبا من البعيد.

اولمرت 2007 هو صاحب أفكار كبيرة وجريئة. هو مستعد لخوض المخاطرة في العملية السياسية الآن. سياسي حاذق ومحنك. أما باراك 2007 فهو شخص فطن مجرب وممركز. في سن الخامسة والستين أصبح شخصا حازما مصمما لا يرفع عينيه عن الهدف ويعرف كيف يُفرق بين الخير والشر، كما أنه شخّص إخلالاته ونواقصه الشخصية في الوقت الملائم. ليس هناك في اسرائيل اليوم انسان أكثر منه تجربة في الشؤون الأمنية، يعرف المنطقة ومخاطرها وقيودها.

معا يسيران لموازنة بعضهما البعض حتي يكونا قيادة جيدة لاسرائيل. اولمرت في دور شمعون بيريس وباراك في دور رابين، ولكن بالعكس. بيريس رئيس الوزراء ورابين وزير الدفاع. ولكن بدلا من أن يكونا رابين وبيريس تحولا الي بينيش وفريدمان. من الممكن القول ايضا انه بدلا من أن يكونا رابين ـ بيريس 1993 ـ 1995، الحائزين علي جائزة نوبل للسلام، تحولا الي رابين ـ بيريس طراز 1988 ـ 1990، خريجي الخدعة النتنة. باراك يعتقد أن اولمرت يتميز بالرغم من كل مزاياه الجيدة، بنوع من خفة العقل غير الظاهرة. أما اولمرت فيعتقد أن باراك الي جانب كل مزاياه المعروفة يتمتع بشخصية لا تطاق. بدلا من أن يتعلما مثل زوجين حديثين التعود الواحد علي الآخر، يتمترسان في زاويتي المطبخ محاولين تحريض الاولاد واحدا ضد الآخر. أتباع باراك يقولون بأن اولمرت لا يطلب عموما احصاء من يعارض اقتراحاته في جلسة الحكومة وانما من يؤيدها فقط، أما أتباع اولمرت فيتحدثون عن الضغط الذي يمارسه باراك علي وزرائه خصوصا هيرتسوغ وتامير حتي يعارضوا اقتراحات اولمرت. كل واحد منهما يعتبر زميله متآمرا استحواذيا. المشكلة هي انهما ليسا فوق قارب إبحار. كلاهما يقفان علي الارض ولا يزحزحان أي شيء، بل علي العكس. هما يتآمران ضد ارضهما الخاصة. في نهاية المطاف ستنهار هذه الارض من تحت أقدامهما.

الحقيقة هي أنه اذا كانا في ساعات الطواريء الحقيقية منشغلين في شؤونهما الخاصة فان بنيامين نتنياهو لا يمكن أن يكون ضارا اذا انضم اليهما. داليا ايتسيك محقة في استمرارها بالدعوة الي تشكيل حكومة طواريء من الاحزاب الكبري الثلاثة. اسرائيل بحاجة الي هذه الحكومة وهي جديرة بها الآن. المسافة بين نتنياهو وباراك ليست كبيرة جدا، والحقيقة أن هذه المسافة أقل اليوم من المسافة بين بيبي واولمرت. في الوضع الحالي يقف باراك علي يمين اولمرت وعلي يسار نتنياهو بقليل. في نهاية المطاف، بعد أن تنتهي الانتخابات التمهيدية عند بيبي في الليكود، سيكون بامكانه العودة الي الوسط والتمترس فيه علي مسافة غير بعيدة من باراك 2007. الثلاثة معا يضمنون 70 في المئة من الطاقة الانتخابية الاسرائيلية، فلمَ لا؟ اذا كان ليس من اجل السياسة فلماذا اذا؟.

اولمرت يعتقد أن باراك عاد لنفسه. لا يصغي ويهيمن علي الحق في الحديث، سواء في الأطر الواسعة أو في الجلسات المنفردة. ليس من السهل علي باراك الذي جلس علي كرسي رئيس الوزراء أن ينظر الي هناك ويري اولمرت مكانه. باراك من ناحيته يفكر بأن اولمرت لا يرتقي الي مستوي الساعة. في المحادثات المغلقة يقول بأنه لا ينجح في النفاد عبر الغلاف السياسي المحيط باولمرت. طبعه وغرائزه. هذا ما حدث في الجدل حول الميزانية الأمنية. باراك قال له عندما أصبحا وحدهما هيا بنا نفعل ذلك معا، فنحن في نهاية المطاف المسؤولان عن ذلك، ونحن الذين سنخوض المخاطر في نهاية المطاف. وهكذا يواصلان الجلوس معا ولكنهما يبثان رسائل مغايرة تماما. في المسألة السياسية ايضا يوجد لدي اولمرت استعداد لاعطاء فرصة حقيقية لخطوة في مواجهة أبو مازن وسلام فياض. هذه فرصة لن تتكرر، كما يقول. من المحظور تبديدها. هو يؤيد مباديء الخطوة التي اقترحها حاييم رامون والتي نشرت هنا في الاسبوع الماضي، وهو لا يخشي الحديث المباشر حول التسوية الدائمة ومن اقامة دولة فلسطينية علي المدي القصير. وهو حتي مستعد لتجربة بلورة المباديء العميقة للتسويات النهائية من قبل انعقاد القمة الكبري في تشرين الثاني (نوفمبر) في واشنطن. اولمرت يقول في المداولات المغلقة أن علي اسرائيل أن تكون خطوة في الأمام دائما. علينا أن نبادر الي ذلك ومن المحظور علينا الانجرار. من المحظور علينا أن نكون في وضع نرد فيه علي الأحداث، والمطلوب هو أن يرد الآخرون علي خطواتنا. باراك جاء من مكان آخر مختلف تماما. هو لا ينوي عرقلة العملية السياسية. هذا هام وهو يعتقد أننا سنكون هناك. من الناحية الاخري هو لا يعتقد بأن هذه العملية ستكون علي ما يرام. هو فطن ويري في هذه التركيبة التي يقوم اولمرت ورايس باعدادها بجهد كبير، برجا راقيا، ولكن ليس مثل برج أكيروف، برجا يتنامي في الهواء من دون مواد كثيرة. لماذا؟ ليس لان أبو مازن وسلام فياض اشخاص سيئون. بل علي العكس هما شخصان جيدان جدا. مشكلتهما حسب رأي باراك ـ يقولها بهمس لرايس ـ انهما يمسكان بالأقلام وليس بالسلاح.

حتي تقوم بشيء ما في منطقتنا، يتوجب عليك أن تعرف كيف تطلق النار لا أن تعرف كيف تكتب. هنا يقول باراك مرارا وتكرارا القوي وحده هو الذي يبقي، وتحولهما الي أقوياء سيستغرق وقتا. ذلك يحتاج استخبارات جيدة علي الارض، واشخاصا مستعدين للقتل والموت. في غزة، يقول باراك، كان لدي دحلان اربعة أضعاف من المسلحين مما يوجد لحماس، ولكن حماس امتلكت عشرة أضعاف ارادته في القتال. عندما تحول أبو مازن الي رئيس للسلطة الفلسطينية في المرة الاولي، جاء اليه دحلان وأبو شباك وحسين الشيخ وناشدوه بتوجيه ضربة لحماس مطالبين باصدار الأوامر فقط. أبو مازن لم يعطِ الأوامر. والآن ها هو يصدر أمره إلا أنه لا يجد من ينفذه. عندما أرادوا خاف. وعندما أصبح راغبا فروا.

هذا سبب تأييد باراك لاتفاق المطلوبين. هذه خطوة صحيحة حسب وجهة نظره. المطلوبون من أتباع فتح الذين عادوا الي الشارع وتعهدوا بالامتناع عن ممارسة الارهاب سيبثون روحا كفاحية في نفس أبو مازن وفياض. ولكن الي أن يحدث ذلك، سيمر وقت كثير. الاتفاق نفسه يواجَه بصعوبات كثيرة علي الارض. باراك ليس متحمسا من امكانية مشاركة السعودية في القمة الاقليمية في واشنطن، خلافا لاولمرت المستعد لرهن البيت (الذي لم يحصل عليه بعد) في شارع كرميا حتي يري بعض الشارب السعودي في قاعة القمة، باراك لم يسقط عن كرسيه من فرط انفعاله. هو ليس متحمسا من قيام سعودي ما بتكليف خاطره والموافقة علي الحضور، ربما بشروط معينة ومصافحة خفيفة ليد زميل اسرائيلي.

خلال المحادثات التي أجراها مع رايس وبلير وبرودي وسولانا طرح باراك شروطه: يتوجب مطالبة السعودية، ليس فقط بأن تعترف باسرائيل حتي تشارك في المؤتمر (نحن لسنا بحاجة الي هذا الاحسان فاسرائيل حقيقة قائمة)، وانما بأن تعترف باسرائيل كدولة يهودية. أحد مُحادثي باراك قال بأنه يوشك علي أن يطالب سعود الفيصل بالانتساب الي حزب العمل. اولمرت من ناحيته قال لرايس بأن عليها أن تقول لسعود الفيصل بأنه يعتقد أن اللقاء سيكون جديا وهاما وليس مجرد مراسيم للبروتوكول. اذا جئتم فستكونون شركاء في شيء ملموس وهام وربما خطوة تاريخية في عملية السلام.

عائلة أدامزفي موازاة الخطوة السياسية مع الفلسطينيين لا يفقد اولمرت أمله بشيء ما أو بذرة من شيء ما في مواجهة السوريين ايضا. رسله يواصلون الذهاب الي دمشق والعودة منها. مؤخرا كان هناك دانييل أبرامز العجوز والطيب، وغيره من الرُسل الآخرين. جهات سياسية تؤكد بأن هناك حوارا حيا وفاعلا بين الدولتين ولكنه مربوط بأجهزة التنفس.

اضافة الي ذلك هناك الخيار التركي. هذه القناة ايضا جذابة. وهي واعدة في ظل مكانة تركيا في المنطقة، والروافع التي تمتلكها مع كل المشاركين في ظل علاقاتها الاستراتيجية مع اسرائيل، وحقيقة أن السوريين يُنصتون عندما يتحدث الأتراك. هم يعرفون لماذا. علي اولمرت أن يختار بين هاتين القناتين وأن يُسكت القنوات الاخري.

في غضون ذلك تُطرح احتمالات اخري مثل تأجير الجولان لاسرائيل لمدة خمسين عاما، وأفكار اخري. بشار الأسد يعرف، حسب رأي اولمرت، أن اسرائيل لا ترغب في قتاله، وهو يعرف حتي أكثر من ذلك. هو يعرف بالضبط ما تريده اسرائيل وما هي مستعدة لاعطائه، إلا أن المسألة هي أن بشار الأسد لم يخرج من خزانته بعد. في هذه الخزانة يختبئ معه في هذه المرحلة كل من خالد مشعل وحسن نصر الله ومحمود أحمدي نجاد. الأتراك يطلقون علي العصبة الارهابية التي يرعاها الأسد عائلة أدامز، وهم يقولون نحن نعرف كيف نقنعه بالافتراق عنهم. نحن فقط الذين نعرف كيف نفعل ذلك. من أين نعرف ذلك؟ لاننا قمنا بذلك.

كوندوليزا رايس وصلت في هذا الاسبوع الي القدس مع عدة بشائر. احدي هذه البشائر مثير بشكل خاص وترتبط بالسعوديين واليونيفيل. السعوديون مستعدون للمشاركة في مساعٍ دولية لنشر قوة يونيفيل ايضا علي الحدود بين لبنان وسورية لمنع تهريبات السلاح لحزب الله. هذه خطوة هامة وأساسية يمكنها أن تساعد في خلق طاقة دولية كافية لتطبيق الخطوة التي ستزيد من القدرة علي تطبيق القرار 1701 . من الناحية الثانية، ليس حزب الله صامتا مكتوف الأيدي. التقنيات التي يستخدمها في مواجهة اليونيفيل مُحكمة بصورة خاصة. هو، وفقا للمصادر الغربية، يستخدم تنظيمات ارهابية جانبية حتي تقوم بتنفيذ عمليات ضد اليونيفيل كما حدث مع الجنود الاسبان في الشهر الماضي. وفي هذه اللحظة يأتي حزب الله مقترحا تقديم خدمات الحماية لليونيفيل المذعور من امكانية عرقنة جنوب لبنان. حزب الله يتحول بعد استجابة قوات اليونيفيل لعرضه الي مستحق لحماية اليونيفيل، الأمر الذي يتعارض مع مهمة اليونيفيل الأساسية في المنطقة، وهي أن تكون ضامنا وحاميا من حزب الله.

الجدل المثير للفضول في هذا الاسبوع جري حول ميزانية الدفاع وتقرير لجنة بروديت. عموما، البلاد طافحة بالتقارير المثيرة. أحد هذه التقارير أكثر شمولية وإثارة من الآخر. الأمر الناقص هو فقط أن تطبق علي الارض: تقرير لجنة شاحك (لتطبيق تقرير فينوغراد)، تقرير بروديت وكذلك تقرير فينوغراد نفسه. باراك يقول عن تقرير بروديت حول الميزانية الأمنية بأنه أثار معارضة محقة في الجيش وجهاز الدفاع، ولكن جهاز الدفاع يشعر بأن هذا التقرير لا يستجيب للاحتياجات الحقيقية للجهاز، وأن تطبيقه كما هو قد يمس به، وهو يؤكد أن في الجيش عملا كبيرا ومعمقا وناجحا تحت رئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي في مجالات مثل التدريبات والخطط الميدانية الكاملة وما الي ذلك. ومع ذلك يؤكد بأن الجيش بحاجة الي زيادة الميزانية وأنه لا يقبل أية تقليصات يمكن أن تُفرض علي احتياجات الجيش بسبب الميزانية. الجيش يجب أن يسير الي الأمام وليس الي الوراء.

وجهة نظر باراك هذه تُذكر برابين 1988 (ما قبل اوسلو)، أو حتي بنتنياهو 1996 الذي توجه الي واي بلانتيشن مع شعار اذا أعطوا أخذوا، وعموما هو يُذكر بشيء ما بين نتنياهو واولمرت 2007 . باراك هذا ليس باراك الجديد ولا باراك القديم، هو باراك المُعدل. في هذا الاسبوع جلس في لقاء مطول مع آفي ديختر كصديقين قديمين. وزار سلاح الجو وجلس مع كل قائد في هذا السلاح ساعتين. ولديه علاقات خصبة مع رئيس الموساد ورئيس الشاباك.

بن كاسبيتمراسل سياسي في الصحيفة(معاريف) 3/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية