عبد الستار قاسم
في لقاءاتها مع اسرائيل من خلال وزيري الخارجية الاردني والمصري، تجدف الجامعة العربية بعيدا وفي زمن لم تعد فيه هذه الدبلوماسية ذات معني حتي في معايير الاستسلام. تتهالك الجامعة العربية علي طاولة التفاوض مع اسرائيل بطريقة تخلو من الاحترام الذاتي، وتجعل من مواقف الطرف الآخر اكثر صلابة وابتزازا. لا تتمسك الجامعة العربية بالمبادرة العربية، وتستجدي من اسرائيل الجلوس علي الطاولة لمناقشة المبادرة.
بالنسبة لاسرائيل، هناك الآن تهديد استراتيجي لاحتكارها للهيمنة العسكرية ولوجودها، وما يشغلها ليس الدول العربية المتهالكة علي التفاوض وانما اولئك الذين يسلحون انفسهم ويحفرون في الجبال ويستعدون لمعارك قد لا تكون بعيدة. هناك خلل واضح في معادلة القوي التقليدية في المنطقة بحيث ان اسرائيل لم تعد ذات الانتصارات المضمونة، ولم تعد تلك القوة التي ترتجف منها الاوصال. حزب الله وسورية وايران وحماس يشكلون الآن جبهة متراصة غير معلنة في مواجهة اسرائيل، وقد اثبتت حرب لبنان ان اسرائيل قابلة للهزيمة العسكرية.
ما يشغل بال اسرائيل الآن ليس المفاوضات مع العرب ولا حل الدولتين، وانما مسائل الاستعداد لاستعادة قوتها وهيبتها وابقاء كل قوي المنطقة تحت السيطرة، وبالتاكيد امريكا مشغولة معها. اسرائيل تعي تماما ان جبهة التفاوض العربي متهالكة ولا يوجد لديها مطالب مؤرقة، ولا ضرورة للاستعجال او تقديم تنازلات. الاولويات الاسرائيلية مختلفة الآن، وهناك حقائق موضوعية تفرض نفسها علي المنطقة، ولم يعد الحوار علي الطاولة هو عنوان المرحلة. اغلب الانظمة العربية بعيدة جدا عن هذا التطور، وهي ما زالت تعيش في الماضي الذي لا يري مستقبل العرب الا من خلال الرضا الاسرائيلي، والجامعة العربية عبارة عن مرآة هذه الغيبوبة العربية.
اسرائيل الآن تستعمل الجامعة العربية وانظمة عربية من اجل تعزيز التطبيع مع العرب، وتقوية المحور العربي-الاسرائيلي غير المعلن. اسرائيل تعرف ماذا تريد، وتعي بان اغلب الانظمة العربية لا تستحق اكثر من ان تكون مطايا نظرا لاعتمادها علي غيرها في استمرارية حكمها، اما الانظمة العربية فممزقة بين هواها تجاه اسرائيل وبين عدم انكشافها الفاضح امام الشعوب. لا تريد الانظمة ان تخسر اسرائيل فتضعف احتمالات بقائها في الحكم، ولا تريد ان تتهاوي بتسارع حتي لا ياتي وقت تعجز فيه قوي الحماية الخارجية عن رد اي تمرد محتمل.
يحاول من يبحث عن طاولة المفاوضات ان يجعل لنفسه هيبة من اجل ان يكون له وجود فعلي علي الطاولة، وهكذا تتصرف الدول والكيانات المتصارعة عبر التاريخ. الجامعة العربية ومعها اغلب الانظمة تعمل عكس التاريخ تماما، وتعمل جاهدة علي التفاوض من موقف ضعف، والانكي انها لا تحاول اخفاء الضعف، بل تتعمد التاكيد عليه. كان بامكان الجامعة العربية ان تقول ان علي اسرائيل ان تقبل المبادرة العربية كما هي، لكن هذا العملاق العربي يصر علي ان المبادرة عبارة عن مادة للتفاوض؛ وكان بالامكان القول بان العرب قد قدموا آخر ما عندهم، وان علي اسرائيل ان تاتي اليهم. فهل اسرائيل بهذا الغباء لكي تقدم شيئا للعرب وهي تراهم يتذللون امام وزيرة خارجيتها؟
ربما تسابق الجامعة العربية الزمن، وتحاول اتمام صفقة حل نهائي للقضية الفلسطينية لكي تقطع الطريق علي كل قوي الممانعة العربية والاسلامية وتزيل اسباب وجودها. هناك قوي وتنظيمات وحركات مسلحة في المنطقة تهدد كلا من اسرائيل والانظمة العربية، وتري اغلب الانظمة ان عدم حل القضية الفلسطينية يؤدي الي تزايد عظمة هذه القوي وتاثيرها المعنوي والعسكري علي شعوب المنطقة. فاذا زالت العلة، وتمت تسوية القضية الفلسطينية فان المعلول سيزول. هذا منطق قد يكون سليما في حالة واحدة وهي ان ترضي هذه القوي عن التسوية التي يتم التوصل اليها.
تعرف اسرائيل ان القوي التي تخشاها هي والانظمة العربية لا تقبل بالتسويات المطروحة من اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر الي اتفاقيات اوسلو مع السلطة الفلسطينية، واتفاقية الصلح مع الاردن. تعي اسرائيل ان اي تسوية غير مقبولة لهذه القوي لن تجلب الامن والسلام، ومن المحتمل ان تتفاقم الامور بالمزيد ذلك لان تقارب الانظمة مع اسرائيل يؤدي عادة الي ردود فعل سلبية من قبل جهات عربية واسلامية عديدة. واسرائيل تشهد كيف تطورت حركات المقاومة في المنطقة تزامنا مع خطوات غير منسجمة مع تطلعات اهل المنطقة، وان الازمة لا تطالها هي فحسب وانما تطال الولايات المتحدة ايضا. فهل تقدم اسرائيل علي تقديم تنازلات لانظمة عربية لا تستطيع ان تدافع عن نفسها، ولا تستطيع اقناع الشعوب العربية بمواقفها؟ ولها عبرة فيما جري في غزة، اذ وجدت ان كل الجهود والاموال التي تم تقديمها للسلطة الفلسطينية لم تؤهل الاجهزة الامنية الفلسطينية للصمود ساعات في وجه حماس.
ستتسلي اسرائيل بالجامعة العربية، وستعمل علي الافادة من التهالك العربي لتعزيز علاقاتها التطبيعية، لكنها لن تراهن عليها لصنع سلام حقيقي مع العرب. تجاوزت المرحلة حل الدولتين، ولم تعد المرحلة التفاوضية التي سادت عبر العشرين سنة السالفة صالحة لعبور المآزق. نجح نمط اوسلو جزئيا، لكن نجاحه لم يخل من تاثيرات جانبية تضمنت القضاء عليه؛ وهكذا هو الحال بالنسبة لمحاولات العرب استجداء اسرائيل.