عزت القمحاوي
سعار ما تحتاجه مصر بشكل عاجل اليوم ليس سوي خمس حقن ضرب ستة وسبعين مليوناً، يعني حسبة ثلاثمائة وثمانين مليون حقنة لتطعيم المصريين ضد سعار البيع الذي يعانيه النظام. تشتعل مصر عطشاً. ويتقاتل المصريون مع السلطة ومع بعضهم البعض من أجل شربة ماء منذ بداية الصيف وحتي الآن، لكن الشرب والاستحمام لم يعد مطلباً عاجلاً اليوم، خصوصاً وأن النظام الذي يسود بطاقات الانتخاب نيابة عن الشعب، ويسود نهارات الشعب مستعجلاً ظلام الليل المقدر في الناموس، يأكل ويشرب ويستحم نيابة عن الشعب. هذا مؤكد بشهادة الشهود؛ النظام يشرب ويستحم ويتعطر، فلا خوف إذن من نسيان المصريين لطعم الماء أو لعادة الاستحمام لأن هناك من يحافظ نيابة عنهم علي هذه العادات الحسنة. وكل من تيسر لهم دخول حزام مستوطنات النظام ورجال الأعمال حول العاصمة أو جدارهم (من الفيللات الشاطئية) العازل بين المصريين وبين البحر سيعرف أن الماء العزيز علي القري من أسوان إلي مطروح، مروراً بقري الدلتا، ليس بعزيز علي برك سباحتهم ولا نجيلة ملاعب الجولف الخاصة بهم، وليس للمصريين الذين ارتضوا أن يأكل النظام نيابة عنهم أن يغضبوا لأنه قرر أخيراً أن يُبلِّع اللقمة فيشرب نيابة عنهم. والمؤكد أيضاً أن مصر الوطن لا تموت، أياً كانت فداحة الأثمان، وسبق أن عبرت فوق مجاعات أكل فيها البشر لحوم موتاهم، عندما أصيب المماليك الأوائل بالسعار، لكن عدم وجود الطعم المضاد للسعار هو الذي رفع أعداد الضحايا في زمن المماليك المستجلبين من اليونان وشرق أوروبا ووسط آسيا، بينما نتمتع بإمكانيات التطعيم في زمن المماليك الأواخر المستجلبين من كندا والسعودية وبريطانيا، علي الرغم من فساد المصل في معظم الأحوال، لكن وهم وجود العلاج مفيد كوهم وجود التعليم، ووهم وجود الصناعة ووهم وجود الطعام!
ہ ہ ہ لم نكتشف سر خراب مرفق المياه في بداية الصيف؛ سر الانهيار الذي شمل آلات ضخ المياه في كل أنحاء البلاد قبل تسريب معلومات لجس النبض عن النية المتجهة لخصخصة مياه الشرب ومياه الري، فعرفنا أن هذا العطش ليس سوي حلقة جديدة في استراتيجية التبوير التي يتبعها المماليك خدمة لأنفسهم! فمن سوء حظ الجوعي والعطشانين أن مماليك هذه الأيام لا يتقنون فنون الفروسية كمماليك القرون المصرية الوسطي، بل يمتلكون الشركات في العلن أو في السر ويؤثرون أنفسهم أو شركاءهم ببيع ما يدمرونه. عندما يشتاق أحدهم لتولي حسبة الصحة يعمدون إلي تبوير المستشفيات، وإذا طمعوا في إنشاء الجامعات الخاصة عمدوا إلي تبوير المدارس والجامعات، وإذا ما هزهم الشوق إلي تولي حسبة المياه عمدوا إلي تبوير ماكينات الضخ، وإذا أرادوا أن يبتلعوا الذبيحة بحوافرها عمدوا إلي تبوير البنوك!
ہ ہ ہ بعد تبوير سلسلة شركات عمر أفندي تم بيعها لمستثمر سعودي (والله أعلم) في صفقة مشبوهة، وعلي الرغم من مرور صفقات مشابهة كثيرة قبل صفقة عمر أفندي، إلا أن هذه الصفقة سوف يؤرخ بها باعتبارها الحد الفاصل بين زمنين، انتقلت بها سرقة المال العام من أسلوب الغيلة إلي أسلوب السرقة بالإكراه كما في شوارع شيكاغو، الجميع يعلم حجم التواطؤ في الصفقة، ومصر كلها وقفت ضدها، لكنها نفذت علي رؤوس الأشهاد! وترك النظام المتسممين من صفقة عمر أفندي يعانون الحمي والهذيان، بينما كانت أنيابه تمزق لحم اثنين من أكبر البنوك، وكانت نتيجة العضة الإعلان عن بيع بنك الإسكندرية، وإجراءات دمج بنك القاهرة في بنك مصر! ولم نكن نعرف أن إجراءات الدمج لم تكن سوي استراحة بين عضة وعضة، إذ استداروا إلي بنك القاهرة بعد ستة أشهر من إعلان قرار الدمج ليفاجئوا المصريين باكتشافهم المؤسف بأن الدمج غير ممكن، والحل في البيع، لأن بنك القاهرة ـ بخلاف كل البنوك ـ كان مرتعاً للفساد وخرج منه أربعة عشر ملياراً لنصّابين لا يمتلكون الضمانات الكافية بتوصيات من رئيس الوزراء السابق! طيب إذا كان رئيس الوزراء السابق فعلها فلماذا خرج من الوزارة مكرماً لا مسجوناً، ولماذا لا يحاسب اليوم؟! لن يحاسب بالطبع، لأنه أدي واجبه ضمن منظومة التبوير وعليه أن يتحمل قليلاً من التلسين في الصحافة، وليس أكثر، والقليل من التلسين لا بأس به ولن يضر ملياراته التي خرج بها في شيء، فسرعان ما سينسي المصريون تبوير بنك القاهرة لينشغلوا بتبوير التعليم الذي تم تنفيذه بطريقة مدهشة ومخالفة من حيث التكتيك لطريقة تبوير كل مرافق الدولة الأخري!
ہ ہ ہ مدهش حقاً تبوير التعليم في مصر، فبينما تم القضاء علي الصناعة والتجارة والصحة بتعظيم خسائرها جري تبوير التعليم بتعظيم المكاسب، حتي صار التعليم عجيبة جديدة في أم العجائب مصر، البلد الوحيد في العالم الذي يحصل فيه ألف وستمائة طالب علي نسبة المئة بالمئة في امتحانات الثانوية العامة المؤهلة للجامعة، والبلد الوحيد في الدنيا الذي لا يستطيع فيه الطالب الحاصل علي خمسة وتسعين بالمئة دخول الكلية التي يريد، بينما يوضع في عداد الفاشلين الحائز ثمانين بالمئة!! هل هناك تحطيم أكثر من تفشيل الناجحين وترويعهم؟ نجحت استراتيجية التبوير بتعظيم النجاح، وليس في يد النظام ما يفعله لشعب يحرز أبناؤه الدرجات النهائية، وأمام هذه المنحة الإلهية كان لابد أن يجند الله من رجال الأعمال من يحتفي بهذا التفوق وينشيء الجامعات الخاصة! وامتلأت البلاد بجامعات من كل لون وكل جنسية لتتوزع ولاءات الشباب المصريين طبقاُ للجنسيات المرجعية لكل جامعة، بين كندية وألمانية وانكليزية، وبالطبع فوق الجميع وسيدتهم الأمريكية. لكن ما هم إذا مات الجنين أو مات ولاؤه للأم، أو ماتا معاً طالما نجحت عملية التبوير. وليس بعد النية في بيع المياه للفلاحين (أقنان الأرض) ذنب، وليس من شيء يمكن للمرء أن يحافظ عليه بعد إلا قواه العقلية، وليس من مطمح أكثر من مصل مضاد للسعار.