الشبان الذين لا يخدمون في الجيش الاسرائيلي لا يتهربون. الجيش الاسرائيلي والدولة هما اللذان اختارا عدم تجنيدهم، باستثناء قلة قليلة من الغشاشين الذين ينجحون في خداع الجهاز الرسمي، واغلبية اولئك الشبان سُرحوا بصورة قانونية وشرعية. حقيقة أن عددهم قد ارتفع يجب أن تُنسب للسهولة الكبيرة التي يمكن اليوم من خلالها التسرح من الخدمة العسكرية، وليس لأية قيم بعينها.
كما ان الخمسين ألف أصولي الذين لا يخدمون في الجيش مُسرحون وفقا لقرارات مؤسسات الدولة. من هنا ليس الذنب ذنب المتهربين وانما هو ذنب الذين هرّبوهم. تشويه صورة وسمعة من لا يخدم في الجيش الذي يحدث الآن ـ بدءا من الهجمات علي المشاركين في برنامج نجم يولد الذين لم يخدموا في الجيش ومرورا بالحركة الشعبية ذات الشعارات الأشبه بالفاشية مثل: شعب واحد، جيش واحد، وانتهاء بخطاب جيش نصف الشعب الذي ألقاه ايهود باراك ـ هو حملة ديماغوجية تضليلية ولا تخلو من الرغبة في إرضاء الرأي العام. من سُرحوا من الجيش لم يرتكبوا أية مخالفة وليسوا جديرين بأية وصمة. اذا كانت هناك عدالة في مشاعر الاستغفال التي يشعر بها من يخدمون في الجيش ـ هناك شك كبير في ذلك ـ فعليهم أن يوجهوا ذلك نحو السلطات الرسمية. حقيقة أن الجيش الاسرائيلي يتنازل بمثل هذه السهولة عن ربع شبانه، تشير الي أنه ليس بحاجة اليهم. اذا كانت الحال كذلك فلماذا التذمر والشكوي من تسريحهم؟ الشاب الذي يخدم خلافا لرغبته أو ارادته هو عبء ثقيل علي الجيش الاسرائيلي، ولذلك يتوجب علي من يبتغون مصلحة الجيش أن يكونوا مسرورين من تسريحه. ذلك يؤدي الي تخفيف العبء المالي ويُتيح للجيش اختيار خيرة الشبان الأكثر ملاءمة في نظره. المعطيات التي تتحدث عن أن 19 في المئة من اولئك الذين لم يخدموا في الجيش يشعرون بعدم الرضي عن حياتهم مقابل 8 في المئة في اوساط اولئك الذين خدموا، تُبرهن علي أن مشاعر الاستغفال ليس لها مكان ايضا. من توجه الي الخدمة في الجيش فعل ذلك لاسبابه الخاصة، وفي بعض الحالات لمنفعته، وهذا أمر جيد.
النقاش حول دور الجيش في المجتمع ما زال غارقا في شعارات جاهزة قديمة وعملية تنكرية مقنعة. الجيش لم يعد منذ زمن مفاعل الانصهار للمجتمع، واغلبية وحداته متلائمة من حيث الخلفية الاجتماعية لجنودها. الفجوة بين الطيار وسائقه وبين شرطي حرس الحدود والمقاتل في الوحدات الخاصة، عميق وهو يزداد حدة احيانا خلال الخدمة العسكرية. ايضا طبيعة نشاطات الجيش قد تغيرت مع السنين. من جيش دفاعي تحول هذا الجيش الي جيش احتلال تتمركز عملياته في المهمات البوليسية. اطلاق الأحكام القيمية والاخلاقية علي الشبان وفقا لخدمتهم في الجيش هو مسألة مُضللة. لماذا يُعتبر فحص الهويات علي الحواجز واقتحام غرف النوم في منتصف الليل معايير للحكم علي المشاركين في نجم يولد؟ هل يحولهم ذلك الي مواطنين أكثر جودة أم أقل جودة؟ لقد آن الأوان لأن ندرك بأن الخدمة في الجيش الذي يُعتبر أدائه وسلوكه مسألة خلافية علي المستوي الجماهيري العميق، لم تعد قيمة عليا منذ زمن. هي ضرورة لا يمكن ملاءمتها للجميع. كما أن السياسيين الذين يتهجمون الآن علي المتهربين لا يأتون مع أيدي طاهرة نظيفة. بعد اربعين عاما من الاحتلال والحرب التي لا داعي لها في الصيف الأخير، ليس واضحا البتة ما هو الضرر الأكثر كبرا علي الدولة وقيمها ـ ضرر اولئك الذين لا يخدمون في الجيش أم اولئك الذين يُرسلون الشبان للموت سُدي في ساحات جنين وفي ميادين القتال والموت في لبنان. ولكن الحقيقة هي أن اغلبية من لا يخدمون باستثناء الأصوليين، لم يتسرحوا من الجيش لاسباب ايديولوجية. الجيش الاسرائيلي قرر من خلال منظومة تصنيف متطورة استبعاد من لا يناسبونه من الناحية الجسدية والنفسية. هكذا يتوجب علي الجيش أن يتصرف. لا يمكن للخدمة العسكرية أن تكون ملائمة للجميع. الاعتقاد بامكانية إجبار كل شاب علي قضاء ثلاث من أجمل سنوات عمره في جهاز عنيف وقهري وهيكلي كالجيش، والذي لا يترك أية حرية للتفكير أو الاختيار لجنوده، هو اعتقاد لا أساس له من الصحة. الجيش الاسرائيلي يعرف علي ما يبدو من الذي يتوجب اختياره. الاعتقاد بأن المواطنة الجيدة والولاء للدولة يتحددان فقط وفقا للخدمة العسكرية، يجب أن يرحل عن العالم أخيرا. ربع الشبان لا يتجندون؟ هذه بشائر ايجابية في الواقع. ليس هؤلاء الشبان هم الذين يتسرحون فقط ـ ربما نتسرح كلنا ايضا من روحية اسبارطة. كل الشعب جيش، ما هو الجيد في ذلك؟ يكفينا نصف الشعب.
جدعون ليفيمراسل مختص في حقوق الانسان(هآرتس) 5/8/2007