تقف تركيا هذه الايام امام مفترق خطير بعد فوز حزب العدالة والتنمية صاحب الاتجاه الاسلامي المعتدل بما يقارب خمسين في المئة من الاصوات في الانتخابات الاشتراعية الاخيرة. فاما ان تسير العملية الديمقراطية في مداها الطبيعي، وتؤدي الي انتخاب رئيس للجمهورية تختاره الاغلبية البرلمانية، واما ان يتدخل الجيش، كعادته في مرات سابقة، ويحل البرلمان ويعلن الاحكام العرفية.
حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب اردوغان ما زال متمسكا بمرشحه عبد الله غول وزير الخارجية الحالي لرئاسة الجمهورية، وبات يملك الاغلبية البرلمانية التي تؤهله لتحقيق هذا الهدف، خاصة بعد تحالفه مع بعض الاحزاب الوطنية واليسارية الصغيرة. ولذلك من المتوقع ان يبدأ تحركه في هذا الاتجاه فور انعقاد الجلسة البرلمانية واداء القسم القانوني.
المؤسسة العسكرية في تركيا التي نصبت نفسها حامية للعلمانية، وارث اتاتورك في هذا الميدان، ربما يكون لها رأي آخر في هذه المسألة. فيشار بويوكانيت رئيس اركان الجيش التركي اعلن مؤخرا ان هذه المؤسسة تريد ان يكون الرئيس التركي المقبل علمانيا متمسكا بقيم الجمهورية الاتاتوركية. وهذه الصفات لا يمكن ان تنطبق علي السيد غول الاسلامي الذي ترتدي زوجته منديلا يخفي شعرها.
وهذا التهديد قد يعني تحرك المؤسسة العسكرية لالغاء نتائج الانتخابات الاخيرة، وحل البرلمان واعلان حالة الطوارئ، مثلما فعلت اربع مرات قبل ذلك منذ عام 1960. ولكن هناك من يعتقد ان ظروف تركيا تغيرت منذ آخر انقلاب عسكري وقع قبل خمسة عشر عاما، ولم تعد المؤسسة العسكرية صاحبة الكلمة الاولي والاخيرة في هذا المضمار.
فالشعب التركي بات يشعر بالمرارة جراء المعاملة التي يلقاها من قبل الدول الغربية، فقد اظهر استطلاع للرأي اجرته مؤسسة بيو التركية ان ثمانين في المئة من ابناء الشعب التركي يرون في الولايات المتحدة وسياساتها تهديدا لهم، وان اغلبيتهم ينتقدون مشروع الشرق الاوسط الكبير. مضافا الي ذلك ان المعارضة للانضمام الي الاتحاد الاوروبي في تزايد مضطرد بسبب الاحباط الكبير الذي يشعر به الاتراك من المعايير المزدوجة التي يطبقها هذا الاتحاد ازاء تركيا.
والملاحظ ان غالبية كبيرة من الاتراك تشعر بالمرارة وخذلان مؤسسة الاتحاد الاوروبي لبلادها بعد ان انضمت دول مثل بلغاريا وبولندا ورومانيا الي هذا الاتحاد بعد ان كانت حتي الامس القريب في المعسكر الشرقي الشيوعي المعادي للغرب، بينما تركيا التي اخلصت للغرب، وكانت عضوا اصيلا في حلف الناتو، وكافحت الشيوعية بجدية ما زالت تواجه تعقيدات وشروطا تعجيزية للانضمام الي الاتحاد الاوروبي.
الامر المؤكد ان اي خطوة يقدم عليها السيد اردوغان علي صعيد انتخابات رئاسة الجمهورية ستكون تاريخية بكل المقاييس، فالسير قدما بترشيح غول للمنصب ربما يؤدي الي المواجهة مع المؤسسة العسكرية، وحدوث ازمة دستورية بالتالي تضع عقبات اضافية امام انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي. اما تراجعه عن هذه الخطوة فقد يؤدي الي انقسام داخل حزبه، علاوة علي كونه سيضيع فرصة كبيرة للاسلاميين للوصول الي هذا المنصب القيادي، وسيثبت ان الديمقراطية التركية ليست مكتملة، ومحكومة بضوابط العسكر.
وايا كان قرار السيد اردوغان فان نتائج المواجهة المقبلة ستحدد هوية تركيا الجديدة، وتوجهها السياسي والاقليمي، وهو توجه باتت بوصلته تؤشر نحو الشرق الحاضنة الطبيعية لتركيا، او الابن الضال الذي ضاع في دهاليز الغرب لما يقرب المئة عام.