دعوة للنقاش خصوصا لكتاب وشعراء 48 أن أكون أنا..أنا!

حجم الخط
0

سهيل كيوان

كتب الأستاذ خيري منصور يوم السبت الرابع من آب (اغسطس) الجاري في “القدس العربي”، مقالة تحت عنوان أن تكون.. أنت! والمقصود أن تكون فلسطينيا متصالحا مع نفسك، المقالة أثارت لدي تساؤلات كبيرة! في حقبة مضت لعبت الثقافة بين جماهيرنا في مناطق 48 دورا مركزيا، الثقافة كانت تعني الإبداع في فضاء قضية عادلة، وكان للمبدع وزن كبير، والإعلان عن أمسية أدبية فنية يستقطب المئات في قرية صغيرة وربما الآلاف، وتكون أمسية للجمال والأدب والفن والتعبئة، والتعبئة تعني شحن الناس بالكبرياء والجمال والشعور بالخصوصية والثقل والتمسك بما هو جوهري والاستعداد للتضحية! أذكر في مهرجانات الخطابات السياسية التي كان يحضرها الآلاف أن المنظمين كانوا يبقون الكلمة الأخيرة لشاعر أو لأديب لإرغام الجمهور علي البقاء حتي النهاية للاستماع والاستمتاع! ولكن حدث أمر ما لثقافتنا ولمثقفينا! لقد تحول مثقفونا الي عاجزين عن تجنيد من يسمعهم وحتي الي من يقرأهم! حدث أمر ما خطير! الثقافة تركت الصدارة لأمر لا أعرف ما هو..! في هذه الأيام أعلن في الصحف المحلية عن بدء التسجيل لجائزة وزير الثقافة والعلوم لكتاب وشعراء اللغة العربية! والتي يحصل عليها سنويا سبعة كتاب وشعراء من كتاب العربية في إسرائيل! ومن هم هؤلاء! إنهم كتاب وشعراء ونقاد فلسطينيون! الجائزة مغرية بلا شك فهي حوالي خمسة عشر ألف دولار لكل واحد منهم! حصل عليها حتي الآن أكثر من مائة كاتب وشاعر عربي في مناطق 48 ! الجائزة مغرية ليس ماليا فقط، بل لسهولة الحصول عليها فهي بدون مقاييس محددة، فقد حصل عليها كتاب لم يقدموا للثقافة سوي كتاب واحد أو كتابين عبارة عن أطروحتهم التي سبق وقدموها في الجامعة للحصول علي لقب أول في الأدب! كذلك حصل عليها غير معترف بهم ككتاب وشعراء أصلا، بل عندما أعلنت أسماء بعضهم تساءل الكثيرون… من هذا! وما هي مؤلفاته! وأين يكتب! وما هي علاقته بالأدب! لا أنكر أن بعض من حصلوا عليها هم كتاب جيدون ولكنهم عندما كتبوا ما هو جيد كتبوه في فضاء الجرح الفلسطيني، أبدعوا وذهبوا بعيدا في كتاباتهم، رأينا أبطالهم يقاومون علي طريقة ذلك الجزائري الذي رفض تنظيف أحذية جنود الإحــــــتلال كما جاء في مقـــــالة خيري منصور! كتــــبوا في الحب والجنس وبدون أية حدود، وكل هذا حُسب لهم في فضاء قضيتهم العادلة لأن موقفهم كان واضحا قبل اختراع هذه الجائزة الكارثية!

من منا لا يذكر ما كتبه غسان كنفاني عن الأدب المقاوم في الأرض المحتلة! الأمر الذي أزاح الستار عن أدب الداخل الفلسطيني! هناك من رفضوا التقدم لهذه الجائزة فترة ولكنهم فجأة تنازلوا.. بعضهم بسبب ظروف اقتصادية قاهرة مر بها! ولكن بعضهم تقدم ولديه ما يغنيه عنها ويعيش في بحبوحة كبيرة! فهل هي شرف كبير أم جشع وطمع! المشكلة الحقيقية أن الجائزة وخلال السنوات الأخيرة تحولت الي مقياس للإبداع لعدة أسباب! فقد تقدم لها مبدعون لهم شأنهم وحصلوا عليها مما أضفي عليها هالة وشرعية أدبية، ثم الزفة الإعلامية الكبيرة التي ترافق توزيعها، ثم السجالات المعيبة التي تنطلق بعد توزيعها من يستحق ومن لا يستحق! وتجري لقاءات مع الفائزين في الراديو والتلفزيون والصحف، بالإضافة لحفلة كوكتيل كبيرة في فندق خمس نجوم بحضور الوزير ومسؤولين ووجهاء!

وبعضهم يستمر في احتفالاته، فتقام له حفلة تكريم في قريته بمبادرة المجلس المحلي لأن رئيس المجلس يطمح بقلمه الي جانبه كرصيد انتخابي! وبعضهم يطلب من الأصدقاء أن يكتبوا له التهاني في الصحف بل و بسذاجة يلومك لأنك لم تهنئه! وتجد حرجاً بالشرح له أنك غير سعيد بحصوله علي الجائزة، فقد يظن أنك تحسده وفي الحقيقة أنك تتألم لأجله ولأجل غيره ولأجل الثقافة التي كانت قِبلة للشعب وقائدة له، صار طموحها الحصول علي جائزة الوزير!

طبعا سوف يسألك الأصدقاء من غير أهل الأدب وحتي بعض أفراد الأسرة… يا أخي ألا تستحق أنت الجائزة! ويظهر انطباع وكأن كل هؤلاء الذين يزيد عددهم عن مئة كاتب وشاعر يكتبون أفضل منك، وأنك لم ترتق بعد الي المستوي المطلوب لتلقيها! طبعا ستشعر بالظلم، قد يكون معظمهم أفضل منك ولكن هناك واحداً منهم علي الأقل أنت أفضل منه! وسوف تدافع عن نفسك مضطرا لأنك لن تجد في مسألة حساسة كهذه من يدافع عنك! وهذا غير مريح وفيه إحراج، ولكن المحزن أن تجد صعوبة في الشرح حتي لزملائك الكتاب لماذا لم تتقدم لهذه الجائزة ولماذا يجب رفضها مبدئيا! سيقولون لك… وهل تظن أنك وطني أكثر من غيرك! وهل تشكك بوطنية فلان وفلان وفلانة! وما الذي تفعله للوطن أكثر من غيرك! وعندما تقول لهم أنك تريد أن تشعر بأنك أنت أنت ولست غيرك، وأنه لم يتبق لنا سوي هذه القلعة التي اسمها الثقافة بعد أن فقدنا الأرض والهوية، وأنك لا تشك بوطنية أحد، ولكنك تري في هذا التصرف خطأ فادحا! وأنك حين توقع علي نصّك بأنك كاتب فلسطيني فإنك تقصد ذلك بجدية وليس (شوفوني يا ناس)! القلائل يتفهمونك والبعض (يطنش) خصوصا الكتاب والشعراء الحاصلين والطامحين للحصول علي هذه الكارثة الثقافية! بل ويذهب بعضهم الي ما هو أكثر من هذا فيهاجمك كلما فُتحت سيرتك وينتقم منك بادعاء أن كتابتك رديئة وأنك لست سوي كاتب مقالة في أحسن الأحوال (للتمويه علي مبدئية القضية) متنكرا لكل إنتاجك الأدبي منذ أكثر من ربع قرن والذي يشهد له معظم نقادنا وكتابنا بل ومعظمهم يطلب شهادتك بأدبه! طبعا من الكتاب والشعراء من يدعون أن هذا حق للكتاب يجب أن يأخذوه وأنه ليس منة من الوزير والخ الخ.. من الحجج! وأننا بهذا نستعيد حقا سرقوه منا! صحيح من حقنا المطالبة بالميزانيات لقرانا وبلدياتنا والمساواة في فرص العمل والعلم، ولكن ليس من حقنا أن نطلب جائزة إبداع ثقافية من وزير شريك في الاحتلال وجرائمه لأننا بهذا نتواطأ! والثقافة برأيي تختلف عن خط تصريف المجاري!

الجوائز شيء والحقوق شيء آخر تماما! بإمكاني التقدم للجائزة والحصول عليها ثم الادعاء أنني أسدد بقيمتها غرامات البناء الظالمة التي دفعتها في السنوات الأخيرة والتي تصل الي قيمة هذه الجائزة! جميل وحجة مقنعة! ولكن ماذا مع عشرات الآلاف الذين ما زالوا يدفعون هذه الغرامات! بل ماذا مع من تهدم بيوتهم في هذه الأيام والتي تقدر بالمئات في النقب!

وماذا مع جرائم الاحتلال اليومية!

وهل سيكتب علي شيك الجائزة أن المبلغ خصّص لتسديد غرامات جائرة ارتكبت بحق هذا الكاتب! هل بإمكان مئة كاتب وشاعر حصلوا أو ينتظرون الحصول علي الجائزة أن يوقعوا علي عريضة الي وزير الثقافة( العربي في هذه الأيام ) وأن يقولوا له أنت شريك في حكومة ترتكب جرائم حرب ونطالبك بالاستقالة! أشك بذلك! بل قد يلتمس بعضهم الأعذار له، وهذا ما كتبه بعضهم مؤخراً… من التناقضات الغريبة أن أحد شعرائنا ونقادنا كتب مقالة تقريظ للروائي المصري إبراهيم اصلان لرفضه جائزة من الحكومة المصرية! ولكنه هو نفسه من المشجعين وطبعا من أوائل الحاصلين علي جائزة الوزير الإسرائيلي.. عجبي! وأسال نفسي كيف يتفق هذا الموقف مع تلك الكتابة! وهل جائزة الوزير الإسرائيلي أنظف من جائزة حسني مبارك أو الوزارة المصرية!

ولماذا نطالب غيرنا بما لا نفعله! كنت أطمح لو يكتب أحدهم عن مشاعره الحقيقية بعد الجائزة وخصوصا بعد صرفها! أن يكتب أنه نادم وأنه غير متكامل مع نفسه وفلسطينيته وأنه فعل هذا لحاجة ملحة مثلا في حينه وليته صبر ولم يفعل! ليت أحد أو بعض هؤلاء الذين نحترمهم يكتب هذا لنعيد لثقافتنا وهجها وطلائعيتها ومضاءها!

الجائزة لها ثمن معين وإن كان هذا الثمن غير واضح وغير معلن! وبالتأكيد ان عدم التقدم للجائزة له ثمن أيضاً!

أولا عدم التقدم لها يعني موقفك من الجهاز بكامله لدرجة أن مسؤوليه سوف يتساءلون عن سبب إحجامك وقد يطلبون منك أو من مقربيك توضيحات! ثم انك عندما تثير هذه القضية تثير معها كراهية الكتاب والنقاد والشعراء، وهذا يعني إعلان الحرب عليك وليس مناقشتك! والثمن الآخر هو ذلك الجمهور العريض الذي تم إقناعه بأن مقياس الإبداع هو هذه الجائزة وفي هذا تخريب حقيقي! أما الخسارة الكبري فهي ذلك الشعور الداخلي الممضّ بأن شعراءنا وكتابنا لم يعودوا هم أنفسهم فقد صاروا غيرهم، وكلما رأيت اسم أحدهم موقعا بعبارة.. الكاتب الفلسطيني.. شعرت بحزن عميق وحقيقي.. وبمحبة كبيرة أسأل هؤلاء… شو يعني كاتب فلسطيني.. أريد إجابة!

كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية