القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني: ضمن إطار الاحتفالية الموسعة التي أقامها قصر الفنون بمناسبة مرور نصف قرن علي إنشاء كلية الفنون بالإسكندرية، كان هناك احتفاء خاص بدور أتيلييه الإسكندرية الذي تم إنشاؤه قبل أكثر من سبعين عاما، ويعتبر الناقد والفنان السكندري الكبير عصمت داوستاشي من أهم من أرخوا لتاريخ الأتيلييه الذي انطلقت أنشطته في عام 1934، فهو الذي صاغ تاريخ الأتيلييه في كتابه الذي صدر قبل ثلاث سنوات عن سلسلة كتب الأتيلييه الوثائقية.
يذكر داوستاشي أن بدايات الأتيلييه كانت مع الفنان محمد ناجي أحد رواد التشكيل المصري عام 1934 عندما عرض لوحاته بدار أتيلييه أثينا باليونان بدعوة خاصة وكان يصاحبه صديقه الأديب جاستون زنانيري الذي ألقي محاضرة في هذه المناسبة، وقد أعجب كلاهما بأتيلييه أثينا وبما يمثله في الجمع بين الأدباء والكتاب والمفكرين من جهة وبين الفنانين والمبدعين بمختلف اتجاهاتهم من جهة أخري، وعقدا العزم علي القيام بتنفيذ فكرة مماثلة أو مطابقة لأتيلييه أثينا بمجرد عودتهما الي الإسكندرية، ويذكر داوستاشي أن محمد ناجي شرع مع مجموعة من الفنانين والأدباء الأجانب ممن يعيشون في الإسكندرية في تأسيس أتيلييه الإسكندرية في تشرين الاول (أكتوبر) عام 1934، وتم تشكيل أول مجلس إدارة برئاسته وكان جاستون زنانيري نائبا للرئيس والفنان أنريكو تيرني سكرتيرا عاما فخريا والفنان جوزيبي سباستي سكرتيرا فنيا والآنسة ساسون أمينة للصندوق وعشرة أعضاء أصواتهم استشارية.
ويذكر الكاتب أنه تم تحرير عقد تأسيس جماعة الأتيلييه في 15 شباط (فبراير) عام 1945 بعد عشر سنوات من انطلاقه وفي عام 1946 تمت إعادة إشهار الجماعة وتم تسجيلها بالشؤون الاجتماعية في 20 ـ 3 ـ 1947 برقم 2895 إسكندرية وتم إشهار الجمعية للمرة الثانية طبقا للقانون رقم 284 لسنة 1956 تحت رقم 612 اعتبارا من 6 ـ 10 ـ 1958، وفي عام 1964 تمت إعادة إشهار الجماعة للمرة الثالثة وفقا للقانون رقم 32 لسنة 1964 وفي عام 2002 تمت إعادة إشهار الجمعية للمرة الرابعة وفقا لقانون الجمعيات الأهلية الجديد.
ويذكر داوستاشي أن مقر الأتيلييه تنقل في العديد من المباني كمقر لأنشطته الفنية والثقافية فكان المقر الأول في آذار (مارس) 1935 حيث وقع محمد ناجي أول عقد ايجار لأتيلييه الإسكندرية كأول مقر له بالمبني رقم 10 شارع المسلة صفية زغلول حاليا وكانت تشغل نفس المكان وقتئذ مدرسة القديس سانت لويس.
أما المقر الثاني فكان بعد عام من الأول حيث انتقل الأتيلييه الي شارع فؤاد الأول مكان سينما مترو حاليا. والمقر الثالث ايضا جاء بعد عام من المقر الثاني حيث انتقل الأتيلييه إلي المبني رقم 2 بشارع القديس سابا سان سابا حاليا وظل به اثني عشر عاما كمركز رئيسي وكان يستأجر أماكن أخري لبعض الأنشطة، ثم انتقل الأتيلييه إلي طريق الحرية ثم إلي مقره الحالي بالفيلا رقم 6 بشارع فيكتور باسيلي وهو عبارة عن فيلا أنشئت عام 1893 ولها حديقة واسعة ومسرح وبناها التاجر اليوناني تمفاكو ثم انتقلت ملكيتها إلي تاجر الأخشاب الثري السيد كرم ثم انتقلت ملكية المبني إلي عدة أفراد ثم إلي البنك المصري الإيطالي عام 1956 والذي أجر الفيلا للأتيلييه بالحديقة وفي عام 1999 أصبح المبني أثرا يتبع هيئة الآثار المصرية حفاظا علي التراث المعماري ولمكانة الأتيلييه الثقافية والفنية بالمدينة.
ويذكر داوستاشي أسماء الفنانين الذين تداولوا علي رئاسة الأتيلييه بداية من محمد ناجي 1934 ـ 1956 ، وهو مؤسس الأتيلييه وأحد رواد الفن المصري الحديث، ثم أحمد عبدالهادي 57 ـ 73 وهو أحد كبار المحامين بالإسكندرية، ثم الفنان سيف وائلي 74 ـ 78 ، الدكتور محمد لطفي دويدار وهو أحد كبار الجراحين ورئيس جامعة الإسكندرية، ثم المهندس راداميس اللقاني وهو رئيس الإنتاج بمصانع كفر الدوار، ثم الفنانة نعيمة الشيشيني وهي أستاذة بكلية الفنون جامعة الإسكندرية، ثم الدكتور شمس الدين أبو العزم وهو وكيل كلية الصيدلة، وأخيرا الدكتور محمد رفيق خليل منذ عام 2000 وحتي الآن وهو واحد من كبار المثقفين السكندريين وأستاذ الجراحة بجامعة الإسكندرية.
وينظم الأتيلييه المعارض بكل أنواعها ومعارض تشكيلية، ومعارض حرف تقليدية، ومعارض تصوير ضوئي، والمطبوعات والكتب، رسوم الأطفال والهواة، معارض محلية، معارض أجنبية، معارض فردية وثنائية وجماعية.
ينظم الأتيلييه أيضا المعارض التذكارية والتاريخية والصالونات الفنية الخاصة طوال العام مثل صالون الأتيلييه السنوي، صالون نادي الكاميرا السنوي، صالون الشباب، صالون رواد مراسم الأتيلييه، كما يستضيف الأتيلييه بعض الفنانين المصريين والعرب والأجانب في معارض خاصة بهم أو ضمن أنشطته.
مدينة الفن والثقافةيقول الفنان عصمت داوستاشي في دراسة عن أتيلييه الإسكندرية أن تلك المدينة أسهمت منذ أن أمر الإسكندر المقدوني ببنائها عام 331 ق، م في تشكيل الحضارة الإنشائية، ولا يمكن التأريخ للبحر الأبيض المتوسط دون أن تكون الإسكندرية طرفا في هذا التاريخ ويشير الكاتب إلي أن الإسكندرية ليست مدينة تاريخ فحسب بل هي مدينة حضارة كاملة شاءت متغيرات التاريخ أن تجعلها منارا متصلا للمستقبل بعد الحضارة المصرية القديمة، منارا له ملامح ومميزات فكرية وإبداعية كانت وما زالت مؤثرة علي المنطقة المحيطة.
ويضيف داوستاشي أن الإسكندرية ظلت تتمتع بمكانتها الرفيعة هذه طوال العصر البطلمي، حتي إذا فتح الرومان مصر وحولوها إلي ولاية من ولايات إمبراطوريتهم الواسعة في عام 30 ق، م بقيت الإسكندرية مركزاً لحكم الوادي أكثر من ستة قرون أخري انتهت بالفتح الإسلامي.
ويري داوستاشي أنه رغم انتقال العاصمة إلي الفسطاط لم تتوقف الإسكندرية عن الانحدار نحو الهاوية بعد أن عانت طويلا طيلة اثني عشر قرنا، وفي حقبة الإمبراطورية العثمانية لم يعد يعيش بالمدينة غير شعب صغير يقيم وسط الخرائب وتراب المقابر والأطلال ويشتغل بصيد السمك، وعندما دخلت الإسكندرية في حوزة محمد علي في القرن الثامن عشر بدأ عصر ازدهار من جديد حين أدرك الباشا الوالي مدي أهمية هذه المدينة بالنسبة لمصر، فقفزت في فترة قصيرة من مجرد مدينة صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن سبعة آلاف نسمة إلي مدينة كبيرة وعاصمة ثانية لمصر وحول الميناء الغربي إلي ميناء رسمي للبلاد فاحتشد قناصل الدول بها وزاد بالتالي نشاط الأجانب الذين قاموا باحتكار نقل معظم صادرات مصر والإسكندرية إلي الخارج، وأصبحت عاصمة مزدحمة بالتجار الأوروبيين يمارسون حياتهم وكأنهم يعيشون في بلادهم دون أي قيود، وتضيف داوستاشي أن الإسكندرية تحولت إلي مدينة للأجانب في مصر، حتي إنها لتبدو مدينة أوروبية أهلها يقتنون الجياد الأصيلة والمنازل الأنيقة ويعيشون الترف والنعيم، يقتنون اللوحات الفنية ويستمعون إلي الموسيقي الكلاسيكية ويمارسون كافة الأنشطة الفنية والثقافية في إطار ازدهار الإسكندرية الجديد التي بلغ عدد سكانها حوالي 143 ألف نسمة بحلول نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر.
ويضيف داوستاشي نقلا عن طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر أن العلاقة الجدلية بين التاريخ والجغرافيا تجعل الحقبة التاريخية المسماة باليونانية والرومانية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالانتماء الجغرافي لمصر من خلال إطلالتها علي البحر الأبيض المتوسط، فالعقل المصري منذ عصوره الأولي عقل تأثر بمناخ البحر الأبيض وتبادل المنافع مع شعوبه.
ويذكر المؤلف أن الإسكندرية شهدت طوال القرن التاسع عشر ازدهار الصحافة وانتشار المبادرات الأولي والريادية في إصدار الصحف والمجلات والمطبوعات وإنشاء المسارح وكان أهمها مسرح زيزينيا.
بالإضافة إلي ذلك ظهرت بالإسكندرية جمعيات ومدارس فنية أهلية مصرية وأجنبية مثل مدرسة دون بوسكو الإيطالية لتعليم الحرف الفنية وجمعية هواة الفنون الجميلة التي أنشأها حسن كامل عام 1929. رسالة الفن في أتيلييه الإسكندريةأما الدكتور محمد رفيق خليل رئيس مجلس إدارة الأتيلييه فيقول إن الأتيلييه استطاع عبر تاريخه أن ينهض برسالتين أولاهما المزج بين جميع أنماط الفنون والآداب في بوتقة واحدة، وثانيهما جمع كل زهور الحضارات في البحر المتوسط والعالم العربي في باقة فريدة ثرية الألوان والعطور، ويشير خليل الي أن الأتيلييه الذي بدأ في ثلاثينيات القرن العشرين، جمع ثقافات الجاليات الأوروبية العديدة من فرنسية وإيطالية ويونانية وشامية وشكلها جميعها ودمجها في الثقافة المصرية الشابة آنذاك في نسيج زاهٍ في بداية عصر التنوير، ويشير رفيق خليل إلي أن فكرة الأتيلييه الممثلة في لقاء كل الفنون والآداب ونماذج الثقافات والحضارات بدأت في عقل فنان وأديب كبير في خريف 1934 حين دعا أتيلييه أثينا الفنان المصري السكندري محمد ناجي ليقيم معرضا لأعماله هناك عاقدا عزمه علي إنشاء أتيلييه مماثل في مصر، وقد استطاع بالفعل إتمام إنجازه المهم والمؤثر، الذي يشغلنا ويؤثر فينا وفي أجيالنا الطالعة منذ اكثر من سبعين سنة.