آخر لقاء مع محمد شكري: كتبت عن العاهرات والشواذ ورواياتي تباع مثل السندويتش

حجم الخط
0

يحيي بن الوليد

كان آخر اتصال لي بالكاتب المغربي، العالمي، محمد شكري (1935 ــ 2003) عبر الهاتف وفي صباح من صباحاته المكرورة بالمستشفي العسكري بالرباط الذي سيلفظ فيه أنفاسه الأخيرة مساء يوم السبت الخامس عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر). ولا أزال أتذكر كيف أنه، ودون أن يتأكد من هويتي، صاح: فتحية! فتحية! فاعترضت عليه بأن الأمر يتعلق بي وليس بفتحية خادمته علي مدار عقدين من الزمن والتي تكون قد درجت علي الاتصال به كل صباح علي مدار فترة إقامته بالمستشفي. واكتفي بالقول بأن الكولونيل الدكتور (والفنان الفوتوغرافي) جمال (الملقب بـ بن عبد السلام ) بجواره، وختم بالدارجة المغربية: هاذْ المرْضْ لي فيَ صْعيبْ. كانت هناك صعوبة واضحة في طريقة رده واستقطار كلماته. وكانت تلك آخر كلمات متبادلة بيننا قبل أن يعرج إلي عالم اللارجوع من الموت. وحتي إن كان البعض يقول بأن هناك بعض الأمل في علاجه فإنني لم أكن مقتنعا بذلك، لقد رسخت في ذهني تلك العبارة الفرنسية اللاهبة: On ne peut pas guژrir le Cancer وكان آخر لقاء لي به، وقبل أن ينقل، وعلي وجه السرعة، إلي مصحة طنجيس وبعدها إلي المستشفي العسكري، يوم سبت ويظهر أنه كان يومه ما قبل الأخير في طنجة التي كان قد قدم إليها هاربا، ورفقة أسرته، من المجاعة التي عمت قبيلة بني شيكر وريف المغرب عامة في مفتتح أربعينيات القرن المنصرم. لقد أمضيت معه، في ذلك اليوم، ما يقرب من ست ساعات ما بين بيته ومطعم فندق الريتز الذي دأب علي ارتياده خلال العشر السنوات الأخيرة من حياته المحتقنة بالتسكع والأضداد. وفي الحق ما كنت سأزوره لو لم يطلب مني، وقبل يوم واحد، أن نلتقي في بيته وبعد ذلك نذهب إلي حيث يشاء. ولا أزال أذكر كيف أنه، وبعد ساعة فقط، وهي المدة الزمنية الفاصلة بين أصيلة وطنجة، وفي صباح السبت ذاته، وجدت نفسي أطرق بابه في الطابق السابع من العمارة التي يقطن بها والمجاورة لمقهي الروكسي الشهير. وجدته لا يزال يرتدي بذلة النوم البيضاء، ووحيدا. واستقبلني في صالونه الصغير المليء بالمعاجم والأشربة والأدوية، موازاة مع كتاب حول منافع العسل يظهر أنه كان آخر ما اطلع عليه. اقترح علي كأسا من الويسكي، فاعتذرت له بلطف وبدليل أن الصباح لا يزال في أوله. وبعد ذلك ألح علي أن لا أرد بيرة اسْطورْكْ، وعلق بأنها أفضل من افْلاك و هِنيكنْ. وعلي مدار يقرب من نصف ساعة تابعنا برنامجا حول الأسود والنمرة، ومن حين لآخر كان يعلق. لقد بدا العياء واضحا عليه، موازاة مع أزمة التنفس التي بدت بدورها جلية عليه. ولما ألح علي أن حالته الصحية حرجة، اقترحت عليه أن نهاتف صديقنا الإنساني، المشترك، ورئيس اتحاد كتاب المغرب (وقتذاك)، الشاعر حسن نجمي لكي يهيئ له ظروف العودة إلي المستشفي العسكري الذي كان قد أمضي فيه الشوط الأول من العلاج الكيماوي المكثف. وبالفعل اتصلنا بنجمي وحكي له ظروفه، وكان رد هذا الأخير ــ وكعادته ــ يْكونْ خَيْراً.

وقادنا الحديث إلي الكتاب الحوار الذي كنت قد أجريته معه، رفقة الزميل المسرحي الزبير بن بوشتي، والذي كان في الأصل سلسلة من الحوارات نشرت، هنا، في جريدة القدس. وسألني عن مستقبل الكتاب، وأجبته بأنه سيكون حدث معرض الكتاب الدولي بالدار البيضاء الذي كان علي الأبواب. كان سعيدا بالكتاب، لأنه سيرضي، كما قال، وبألبوم صوره أيضا، الجميع. وأطرف ما في الأمر أنه كان يردد علي كلمات الإهداء التي سطرها لكل من الوزير الأول (وقتذاك) الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الذي لم يعد يذكره أحد الآن ووزير الثقافة الحالي محمد الأشعري الذي نأمل أن يذكر في قادم الأيام. وبعد ذلك ارتدي هندامه الأنيق، وتوجهنا إلي الفندق. وفي الطريق كان يكابر، غير أنه كان يضطر للتوقف من حين لآخر، بل ويجلس في عتبات أبواب العمارات قائلا: إيهْ يا شكري من يرك لن يصدقك.

وبمجرد أن جلس في ركنه الأثير بالمطعم نادي علي النادل حفيظ، وقال له بأنه يُحس بـ التْبوْريشة (نزلة برد) التي لا ينفع معها إلا كأس من الويسكي. وأما كاتب هذه السطور فنادي علي بيرة غير أن الشحرور الأبيض احتج عليه بدليل أنه لا يعرف الشراب لأن هذه الأخيرة تعادل البول فاستبدلها بزجاجة نبيذ تقاسمناها معا. وبعد فترة وجيزة دخلت المطعم خادمته فتحية تحمل لوحة تشكيلية، واستفسرها عن الثمن فردت: خمسين درهما أ السي محمد، فعلمت للتو أن الثمن هو ثمن الإطار الذي كان حقا إطارا أنيقا. ودار بخلدي أن الرجل لا يزال يتشبث بالحياة، ورددت بداخلي شطر المتنبي: المرء يأمل والحياة شهية ـ والشيب أوقر والشبيبة أنزق. والحال، هنا، لا تتعلق بالشيب، وإنما بجدار المرض اللعين لا المرض السعيد ـ الميلانكوليا (السويداء)التي تحدث عنها نيتشه والتي تحفز علي الإبداع والحياة ذاتها. وقبل أن تنصرف الخادمة نبهها إلي أنني سأتناول معه وجبة الغذاء حتي تعد القدر الكافي.

وبعد ربع ساعة جاء مصطفي كناد المسؤول عن الفندق، وللمناسبة كان يعامل شكري معاملة لائقة، ودار الحوار بيننا حول حسين المجدوبي مراسل جريدة “القدس العربي” في إسبانيا وملابسات اعتقاله من قبل السلطات المغربية بمجرد أن حط الرحال بأرض الوطن، وما حفزنا أكثر علي الحديث عنه أنه كان طالبا معنا في كلية الآداب بتطوان في الثمانينيات النازلة. وكما جرنا النقاش إلي جريدة الأخبار الوليدة (ولم يعد لها الآن من ذكر أو خبر)، واتفقنا علي أنها لا تخرج عن الإطار العام لجريدة لم يعد لها هي الأخري ذكر: إطار الإثارة. وبينما كنت أتصفح الجريدة إذا بشكري يقول: جان جنيه جان جنيه؟ فقلت له: الفقيه البصري السي محمد لا جان جنيه، والمناسبة هي التعزية التي اقتضت حجم الصورة. وحقا تبدو الصورة، ومن بعيد، ولا سيما للاشعور شكري، مثل صورة جان جنيه. وفارقنا مصطفي كناد، وتواصل حديثنا، وعلي إيقاع الكأس، حول أصيلة ومبدعيها من أصدقائه حيث كان يستفسر عن أحوالهم واحدا واحدا. وكما استفسرني عن أحوال مطاعم أصيلة الإسبانية، وكعادته أثني علي مطعم بيبي في مقابل مطعم غارسيا الذي قال عنه بأنه مطعم لـ العلف غير أنه استثني نادله محمد الجامعي وكلفني ــ حتي لا ينسي ــ بأن أبلغه تحياته وبأنه سيوقع له كتابه الجديد ( حوار ). وبعد ذلك أفضي بنا الحوار إلي الشيخوخة ومتاعبها وتدبير وقتها وقراءة الكتب المناسبة لها. وفي هذا الصدد استعدت ما كنت قد قرأته، في زمن العماء البنيوي، عن رولان بارت في آخر حياته حين كان في طور إعداد كتابه الغرفة المنيرة الذي كان سيعرض فيه، وبنهجه الكتابي الخرائطي، لشيخوخته القادمة، لولا تلك الشاحنة اللعينة التي داسته في سيارته وحرمته، من ثم، من إنهاء الكتاب بالطريقة التي تروقه. وكل ذلك حصل بعد أن كان صاحب درجة الصفر في الكتابة في ضيافة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميترو، ولذلك استبدلت الأوساط الإعلامية الفرنسية بعنوان الكتاب عنوانا آخر هو المقبرة المنيرة. هذا في الوقت الذي كان فيه شكري يؤكد بأنه لم يعد يستسيغ الجلوس مع أي كان، وأنه أخذ ينتقي الأصدقاء… إلخ.

وكما ذكرني بنص الحوار الذي كنت قد أجريته مع الأستاذ حسن العشاب الذي كان قد ذهب بشكري، وفي منتصف الخمسينات، إلي العرائش من أجل تسجيله في إحدي المدارس الابتدائية التي كان يديرها أحد أصدقائه من الوطنيين. وقد نشر الحوار في جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية (الملحق الأسبوعي، العدد 20 ـ 26 حزيران/ يونيو 2003)، ولا أظن ــ وكما قلت في مناسبة سابقة ــ بأن حوارا أزعج محمد شكري مثل هذا الحوار أو النص لما انطوي عليه من معلومات قوية في مقدمها حكاية تعلم شكري عن سن العشرين. علق شكري بأنه بصق علي الحوار، وأنه كله افتعال وكذب. وأضاف أنه لا يحترم ضمن عائلة العشاب، وللمناسبة هي من بين العائلات الشهيرة بمدينة أصيلة، إلا المجنون مولاي علي الذي كان قد تعرف إليه عام 1957 حين أقدما علي السفر معا إلي مدينة لم يعد شكري يذكرها الآن. وقد اشتكي بي، كما واصل، إلي حسن نجمي وعبد الحميد عقار وحسن بحراوي… وأنه كاد يشطب علي من حلقته، وأنه سيحتاط مني في المستقبل، وأنها المرة الأخيرة التي يغفر لي فيها. وفي الحق، ورغم السنوات الثلاث من الصداقة بيننا، لم أكن علي علم بحساسيته المفرطة تجاه توابله الأثنوغرافية وتجاه من يعرفون ماضيه بتفصيل؛ وتلك حكاية سيشرح لي بعضا منها، وفيما بعد، وبعفوية، رسام آخر، ومجنون بدوره، ومن أصيلة ذاتها، وكان يتقاسم مع شكري النوم في حافلة صغيرة معطوبة أو بالأحري خربة وصدئة بـ كاسبارطا: أحد الأحياء العتيقة بطنجة في فترة الخمسينيات، وهو الرسام الفطري عبد الوهاب الأندلسي الذي نأمل له شفاء عاجلا.

وعلي مدار هذه الجلسة كنا، ومن حين لآخر، نهاتف صديقا مشتركا لنا، كان شكري قد خصه بأكثر من إشارة في عوالمه السردية، وكان قد وعدني بالمجيء إلي طنجة في مساء اليوم نفسه، إلا أنه لم يكن يرد، وأدركت بأنه لا يتواجد في الصالون حيث يوجد هاتفه الثابت. وفي المحاولة الرابعة رد علي، وبعد أن اشترطت عليه عدم بقائي في طنجة حتي المساء ناولت شكري هاتفي النقال ليتحدث إليه، وبمجرد أن تسلم شكري هاتفي ترحمت علي العشرين درهما التي في حوزته. تبادلا السب (الجميل) بينهما، وبدت المعركة غير متكافئة بسبب من نبرتهما المتفاوتة. وفي الوقت الذي كان فيه صديقنا يقول بأنه أعد، وبيديه، وجبة سمك الشارغو كان شكري يرد عليه بأن كلكاميش الصغير (في إشارة إلي كاتب هذه السطور) سيتناول معه أكلة الوزير الأول وأن جميع الخيرات علي مائدتنا. وفجأة توقف الحديث فدعوت شكري إلي أن لا يستغرب لأن ما في جوف الهاتف قد نفد. وبعد ذلك رحنا نتحدث عن روائي ــ مفكر، ومن غير المؤرخين المكرسين علي شاكلة عبد الله العروي، أخذ يخطف الأضواء في المغرب، واتفقنا علي أن تجربته لا تخلو من افتعال. غير أن أهم ما قاله شكري: هناك زفزاف وأنا فقط، وختم في الموضوع: لم أكتب إلا عن العاهرات والشواذ ومع ذلك لا تزال رواياتي تباع مثل السندويش. وفي هذا الصدد لم أود الإشارة إلي الكاتب إدريس الخوري الذي، وللحق، كثيرا ما قسي عليه شكري.

وعلي مستوي آخر فإن ما كان يؤلم شكري الذين لم يزوروه ومن الأصدقاء تعيينا. وكان، ونحن في الطريق إلي بيته، يسرد لي أسماءهم واحدا واحدا. ولم يكن غريبا، وفي الطريق ذاتها، أن يستفسر البعض الشحرور الأبيض، وبعد أن ذاع صيت مرض الكاتب الطنجي، عن حالته الصحية. وما لفت انتباهي أكثر شرطي المرور الذي قال له: تفضل، فقلت له إنك تحظي باحترام حتي بين رجال الأمن فجرني إلي الجدار المقابل، وهي فرصة ليستعيد أنفاسه، وحكي لي حكاية ذلك الشرطي الذي أوقف، وفي منتصف يوم صيفي قائظ من شهر آب (اغسطس)، طابورا من السيارات، وبما فيها السيارات الفاخرة، حتي يمر شكري المترنح والمتمايل من شدة السكر، ولما شكره شكري أسر الشرطي السابق: هاذو غير افْزادَرْ فْ اٌقْزادَرْ (حديد صدئ ولا قيمة له إذا جازت الترجمة داخل العربية)، ولم يكن شكري يملك إلا أن يوقع له نسخة من أحد كتبه التي كان يحملها في حقيبته.

وبلغنا المنزل الذي لا يبعد كثيرا عن الفندق، وصعد شكري بشق الأنفس طوابق العمارة. وجدنا فتحية في انتظارنا، وسردت عليه من اتصلوا به عبر الهاتف الثابت. وعلمت أن وجبة الوزير الأول هي لحم الغنم وبنوع واحد من الخضراوات النادرة ومع ما يرافق الوجبة من أشربة لم يقو شكري علي أن يشرب منها سوي كأسين لا أكثر. وترحمت علي شكري الذي كان يرشف الأقداح والأقداح، بل ويهزم الأبطال والأبطال من الليليين والنهاريين إذا جازت عبارته المتضمنة في الخبز الحافي.

ناقد وباحث من المغربكان ذلك آخر لقاء لي مع محمد شكري وهو مجرد فصل ضمن فصول كثيرة سابقة في حاجة إلي كتاب تذكاري مستقل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية