د. هشام طه
تسللت مجموعة خاصة مؤلفة من وحدات رصد، واتصالات ومعالجة مجهزة بتكنولوجيا فائقة إلي إحدي محطات المترو المكتظة للقبض علي مجرم فار. تقوم هذه المجموعة بالانتشار السري والسريع وتتحقق في ثوان من المجرم وفق مطابقة مؤكدة للمادة الوراثية، وتباشر ببث مادة مخدرة في جسمه في حين يتم الاتصال بمركز المراقبة من خلال وحدة الرصد المنتشرة في كل مكان. أفراد هذه المجموعة عبارة عن جزيئات ومواد صغيرة جدا لا تري بالعين المجردة ولا بالكاشفات المجهرية أو الاستشعارية. هذا السيناريو المفترض كان من نسج الخيال حتي السنوات القليلة الماضية إلا انه أصبح أقرب إلي الواقع في أيامنا هذه بفضل تكنولوجيا النانو. النانو هي وحده قياس للأبعاد التي تقارب أحجام ذرات المادة وجزئياتها، حيث يشكل النانومتر الواحد جزءا من الألف مليون للمتر الواحد أو ما يعادل جزءا من الألف لسمك الشعرة الواحدة.
لقد شهدت السنوات العشر الأخيره تطورا متسارعا لمركبات نانومترية صغيرة الحجم يتم هندستها وبناؤها لبنة تلو الأخري من جزيئات المواد وذراتها؛ لتكون ذات مواصفات نوعية مختلفة عما عهدناه من صفات المواد، التي من شأنها إحداث ثورة صناعية جديدة تغير المعايير، وتقلب الأسس المتعارف عليها في شتي المجالات رأسا علي عقب. في عالم تكنولوجيا النانو ستكون الأدوية أكثر ذكاء بحيث تحقن جسيمات غير مرئية في الجسم لتشخص المرض، تقوم بمعالجته وتتخلص من فضلاته. ستكون المواد أكثر متانة وأقل وزنا بحيث يتغير مبني الطائرات، والسيارات، والجسور والمباني. ستكون الأسلحة أصغر حجما وأكثر فتكا وفي متناول الجميع؛ ستكون الحواسيب أصغر حجما، و أكثر سعة وأسرع معالجة. سنلبس ثيابا لا تبتل بالمطر. ستنتهك حرياتنا الشخصية وسنراقب من حيث لا ندري… وإلي أبعد الحدود التي نستطيع التفكير فيها، إن هذه الاختراعات المدهشة التي كانت تلائم الأفلام الخيالية أمست ممكنة وقيد البحث العلمي بفضل هذه التكنولوجيا. إذا، هذه هي الثورة القادمة، ثورة الصغير، ثورة النانو التي تتنبأ الأبحاث الإستراتيجية بطاقتها الكامنة وبقدراتها الواعدة في البناء والتطوير وفي الهدم والتدمير علي حد سواء. تأتي تكنولوجيا النانو بعد قفزة نوعية من التطور التكنولوجي في شتي المجالات التي تنبأ العلماء بأن تكون أقصي ما يمكن الوصول إليه؛ فيأتي النانو ليفتح آفاقا جديدة برؤية مختلفة أكثر شمولية. فالمواد النانومترية تعمل بوظيفية عالية يمكن تطويعها لمختلف الأهداف. هذه التكنولوجيا تدمج الصفات الفيزيائية، والبيولوجية والكيميائية للمواد ليكون توظيفها ممكننا في جسم الإنسان كما في محرك الطائرة. هناك مجموعة من المواد مرشحة للاستخدام علي هيئة لبنات أساسية لهذه التكنولوجيا. فعلي سبيل المثال، هناك الأسطوانات الكربونية النانومترية الحجم التي اكتشفت في تسعينيات القرن السابق. هذه الأسطوانات تملك صفات كهربائية مميزة؛ فهي موصلة بجودة عالية أحيانا وعازلة أحيانا أخري؛ بحيث يمكن بواسطتها استبدال أسلاك التوصيل العادية في الرادارات الكهربائية بهدف تذليل عقبات تقليدية ككثافة التوصيلات، أو توفير الطاقة في هذه الأسلاك. و يمكن التحكم بالصفات البصرية لهذه الاسطوانات من خلال تعديلات طفيفة تدخل علي مبناها لتستخدم علي هيئة مجسات ضوئية في الكاميرات، أو في الأقمار الصناعية، بالإضافة إلي الصفات الميكانيكية من حيث المتانة وخفة الوزن التي تتمتع بها هذه الأسطوانات. هذا الصفات تجعل الأسطوانات الكربونية مرشحا أساسيا في هندسة المواد، فيتغير مبني الطائرة ليكون أقل وزنا، وأقل استهلاكا للطاقة وأعلي سرعة. يمكن بناء هذه الأسطوانات في أشكال مركبة، لتكوّن شبكات مترابطة مع مواد نانو مترية أخري كالكرّيات النانومترية. يحدث هذا الربط من خلال مواد بيولوجية وكيميائية ذات قدرة وظيفية عالية لاستغلالها في صناعه الأدوية والأبحاث الطبية. تلقي الأبحاث العلمية في تكنولوجيا النانو رواجا واسعا في المجالات العلمية الواسعة الانتشار نظرا لأهميتها وتأثيرها في حياتنا اليومية. وفي ذات الوقت، يصنف هذا الموضوع علي أنه موضوع استراتيجي صناعيا وعسكريا في العديد من الدول، فترصد الميزانيات وتقام مراكز الأبحاث ويجند الباحثون للاستثمار المبكر في طاقات النانو الكامنة. يتوقع خبراء الاقتصاد في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها إيرادات إنتاجية من تكنولوجيا النانو تقدر بتريليون دولار في السنوات العشر القادمة، الأمر الذي سيوفر ثمانمئة ألف فرصة عمل في هذا المجال. بيد أن الهاجس الأمني يشكل أولوية من حيث الاهتمامات الإستراتيجية. فالجانب السييء لتكنولوجيا النانو قد يستغل لتصنيع أسلحة نانومترية غير تقليدية، صغيرة الحجم، و ذكية تستطيع التعرف إلي ضحاياها من خلال المادة الوراثية، فتكون بذلك سلاحا إثنيا فتاكا. إن سهولة تصنيع مثل هذه المواد التي لا تحتاج إلي المنشآت الضخمة، كما هو الحال في الأسلحة غير التقليدية المعروفة، يجعل هذا الهاجس أعظم إذا ما وقعت في أيد لم يرد لها ذلك! إن المستقبل لتكنولوجيا النانو، وإن علي من يطمح إلي مستقبل أفضل، أن يسهم في هذه الثورة. يتمثل الأمر في زيادة الوعي الأكاديمي للموضوع في الجامعات، وكذلك في بناء ما يطلق عليه مراكز النانو لإدارة الأبحاث العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية. من الجدير ذكره أن هذه الأمور لا تحتاج إلي كثير من البني التحتية الباهظة الثمن بقدر ما تحتاج إلي الخبرات وتوجيهها في الأطر المناسبة. كاتب من فلسطين2