د. نهلة غسان طربيه
ثورة الشعب نفته إلى أصقاع قاصية لم يكن يحلم بالوجود في جنباتها البتة. هي ثورة تستمد كل تفاصيلها من الربيع. فهكذا يأتي وسيم الفصول، تغزو أزاهيره حقول الشتاء الجرداء على حين غرة، وتبرز براعمه الواهنة من قلب طبقات وطبقات من تربة الشتاء المثقلة بحمولات منهكة من الماء والعفونة والظلام. تُطل البراعم بشتى الألوان والأشكال وتحتل سهول الصقيع والقحط والكآبة والإحباط. وتملأ موسيقى الحرية والضوء والفرح الأمكنةَ كلها. يغني الأطفال وترقص الصبايا ويغفو الجميع في عين وطن تحرسه عيون كل الشباب. شباب تونس الأبطال أعادوا ‘تونس الخضراء’، التي سرقها شتاء لا يستحي من سواده وغيومه وقحطه وطول لياليه الدامسة. هؤلاء الشجعان علا نبضهم الحي فوق أبواق الطاغية المعربدة، وفاق عبير دمائهم رائحةَ اللذائذ في قصر ‘سيادة الرئيس’. وأضحت صورة ‘البوعزيزي’ البطل، وهوفي قلب النار كابوساً يصطاد هناء النوم من عيني ‘السيدة الأولى’ و’السيد الرئيس’. البوعزيزي أضحى (العنقاء) في تونس التي تولد اليوم من جديد. ألم يكن ‘سيادة الرئيس’ يسمع صوت الجوع المجلجل من شبابيك آلاف الفقراء؟ الجوع لا يرحم، ولا يستطيع الآباء أن يسكتوا البتة عن بكاء أطفالهم حين يجوعون. لعل سيادته صدق أنه قيد كلمات الشعب بسلاسل من حديد؟ أولم يسمع البتة بثورة الكلمات، وتمرد الأقلام، وحرية التعبير؟ أولم يخطر بباله قط أن السلطة حق لكل من أبناء شعبه، يتبادلها مع الجميع، ولا يمكن ملكيتها؟ وهل نسي سيادته أن ثروات البلد هي للشعب ولا يجوز أن يستبد بها أقرباؤه وأنسباؤه وأصدقاؤه المختارون بعناية بالغة كي تتم حمايته ويضمن التصفيق له؟ ‘سيادة الرئيس’.. يحزن الشعب جداً أنك خذلته، وسرقت مستقبل الأطفال، وأسلت الدمع مدراراً من عيون الأمهات اللاتي ما فتئن يسترقن السمع لخطا الأبناء الذين أخذتهم إلى مكان ما، ولما يعودوا بعد. إنكَ حرمت أكثر أبناء بلدك المثقفين، الذين هم أجدر من أتباعك المرتزقة، من حقهم في بناء وطنهم ونشر ثقافته والعيش بكرامة، وهدرت دماء أبناء الشعب من أجل بعض الدولارات التافهة التي اعتدتَ أن تقتات عليها كل مساء. وأقمت تماثيل للحرية المصلوبة على زاوية كل طريق، وانتشيت بتدوير كرسي الرئاسة حتى الدوخان. نشرتَ صورك على كل جدران المباني، وزجاج النوافذ، تنشر من خلال جمود ملامحها الذعر في الصغار والكبار، وترضي بها غرورك الواهي. ليتك ترى كيف تصفعها الجماهير الآن وتدهسها وتفتتها. ألا تشعر بألم في خدك الأيمن، أو في خدك الأيسر؟ وكيف ستستمد ‘السيدة الأولى’ الدفء بعد أن تركَت معاطف الفرو في قصرها الرئاسي؟ ليس الشعب بحاجة إليها، دعني أخبرك، لأن نسائم الحرية ستكون جد حانية عليه. لذلك لم يكن هناك من حل إلا بإطلاق عنان الحرية، وبالتكبير لله الذي ‘يمهل ولا يهمل’. فما أدراك ما يفعله ربيع ثورة الشعب، حين تزغرد كل الفضاءات برائحة الياسمين؟ حينها لن يكون لـ’حضرة الرئيس’ و’سيدته المصون’ إلا الهروب إلى سبات لا ينتهي، واللوذ بشتاء دائم السواد. كم سيحلم ذلك الظالم بالحرية التي عانقت علم ‘تونس الخضراء’ يزين كل شبابيك البيوت، واعلم يا ‘سيادتك’ أن كل الكلمات والمفردات التي سجنتها وجلدتها ستطبق بإحكام عليك، ويصيبك ضجيجها ودورانها بصداع لا ينتهي، وستوثِقُ لسانَكَ وتزج بك في سجنِ الحيرة والجزع والضجر إلى أبد الآبدين. ما أجمل أن يكون الربيع سيد كل المواسم يا أيها الهارب إلى الصقيع. ‘ أكاديمية مقيمة في لندن