انقطاع المياه في الاراضي الفلسطينية سيؤدي لتفجر غضب السكان تجاه اسرائيل

حجم الخط
0

ظل ظليل من شجرة الكينا العتيقة يُخيم علي ساحة نديم، شجرة كبيرة ترتوي من مياه الأنابيب الممدودة تحت الارض في مخيم الدهيشة المكتظ باللاجئين، ومن المجاري والحفر الامتصاصية القديمة. الي جانبها تمتد شجرة تين ذات فاكهة صغيرة ومن السطح تمتد عناقيد العنب التي تواثبت وتسلقت الي هناك. ولكن في داخل البيت لم تكن هناك مياه اسبوعية.

المياه مقطوعة عن المخيم والأنابيب فارغة، يقول لي نديم. من يمكنه أن يدفع 300 شاقل يشتري صهريج مياه ويملأ خزاناته فوق الأسطح. كانت هناك مياه للشرب ولكن ليس للاستحمام. في ذروة الحر الذي أنّت اسرائيل تحت وطأته رغم مياهها الغزيرة ومكيفاتها، لم تكن في صنابير مخيم الدهيشة قطرة ماء.

لم أعرف عن ذلك، كما أن نديم لم يُحدثني عبر الهاتف. فقط عندما جئت لزيارة الدهيشة شاهدت ذلك وكأنه سر مخفي عن العيون أو ضائقة كامنة يعاني منها جارك الذي يقطن في البناية التي تسكنها من دون أن تعرف ما يحدث خلف جدار بيتك. ما الذي أعرفه أنا عن ضائقة الاشخاص الذين يعيشون الي جانبي في داخل اسرائيل؟ الضائقة هي وباء يتفشي في الخفاء. كثيرون من الذين أصيبوا به صامتون جزعون خائفون من التحدث خشية أن يؤدي ذلك الي نبذهم والنفور منهم. أنا أري الضائقة داخل الخط الاخضر هنا وهناك خلال رحلاتي وجولاتي في البلاد. هنا وهناك عندما يظهر شيء ما من خلال صفحات الصحيفة، ولكن ما يحدث هناك خلف الجدار المتصاعد بيننا وبين جيراننا في بيت لحم – أصبح الأمر مخفيا عن الأعين تماما. اسبوعان كاملان خلال ذروة الحر لم تكن هناك مياه في الصنابير. أنت تفتح حنفية منزلك فيخرج منها الهواء. مشكلة كبيرة. عليهم أن يشربوا مياه نفعوت المعدنية بطعم التفاح اللطيف. نديم يقول بأنهم خرجوا في مظاهرات مطالبين بالمياه. وأن كل العطشي واليائسين الراغبين في الاستحمام قاموا باشعال اطارات السيارات في المخيم صارخين: نريد الاستحمام، نريد الشرب، وألقوا الحجارة علي رجال الشرطة، وبعد المظاهرة الكبيرة الأخيرة فقط عادت المياه فجأة الي الصنابير. تدفق ضعيف كالعادة لان هناك خللا دائما في شبكة المياه القديمة، أو أن المال لا يتوفر أو أن المضخة قد تعطلت، أو أن مصادر المياه قد نضبت. لاننا جميعا، هم ونحن، نستخرج المياه من نفس الينابيع الموجودة في باطن الارض، الفرق فقط هو أننا نستخرج عشرة أضعافهم لأن السيطرة في أيدينا.

نديم يتأثر من أمرين في كل مرة يأتي بها الي تل ابيب: من الخضرة ومن قوة المياه في الحمام.

عندهم، وكما شاهدت بأم عيني، يقومون بنقل أنبوب الحديقة من منزل الي آخر لمساعدة الجيران في الحصول علي المياه بسبب ضعف التيار وعدم قدرته علي الوصول الي الاماكن المرتفعة أو انسداد الأنابيب. وهم قد ملوا كثيرا المشاكل والضغوط لدرجة انهم يحولون غضبهم نحو السلطة. ما الذي يمكن أن يكون اسوأ من ذلك؟ هم يسألون. حماس علي الأقل ستفرض النظام. هذا يُعتبر تفكيرا مُعبرا عن العطش والشعور بالعجز وضغط حر الصيف أكثر من كونه منطقا سليما، لان الكثيرين لا يريدون حكم حماس وقيوده الدينية، إلا أن السلطة قد أصبحت ممقوتة تماما بسبب عجزها وضعفها.

وفي داخل كل هذه الأمور تتواصل هناك حياة خاصة فردية تقوم علي غريزة البقاء والحياة العفوية. نديم يسافر من مكان الي آخر علي دراجة نارية حمراء من دون ترخيص ومن دون خوذة، ويقيم يوما في الاسبوع من الصباح حتي المساء في منزل والدته في المخيم لانها تفقد ذاكرتها وقد تضيع، ولا يفكر أحد هناك ولو للحظة بوضعها في دار للمسنين، هذا اذا كانت هناك مثل هذه الدار.

في حانوت المخيم الصغير عرضوا علينا كحلويات مخففة دلوا من الصبر المقشر، 5 كيلوغرامات بـ13 شاقل، الحياة تتواصل مع المياه أو من دونها لان الحياة نفسها مثل المياه، عندما تصل الي طريق مسدود تجد دائما فتحة لتتدفق من خلالها الي الأمام. لقد شاهدت كل ذلك عند الجيران في صبيحة يوم خاطف في ذلك المكان الذي يغيب عن أعيننا من وراء الجدار. مكان فقير وحار ومضغوط سنتذكره فقط عندما ينفجر في وجوهنا كالبركان وعندما يصل الي النقطة التي لا يتمكن فيها من الاستمرار علي هذه الحال.

وفي هذه الاثناء نتوهم الهدوء، لانه في يوم الجمعة مساء علقت مع عائلتي في انسداد مروري هائل عندما أُغلقت كل البلاد بمئات الحواجز بسبب الخوف من متسللين غير قانونيين فرا من الحاجز. هذا كان تذكيرا لنا بمدي قوة ذلك الشيء الذي نحاول نسيانه خلف جدار الاسمنت.

يغئال سيرينا(يديعوت ـ 6/8/2007)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية