صلاح عبد اللطيف
شهدت وتشهد المنطقة هذه الايام اجتماعات ولقاءات وزيارات بين وزراء خارجية الدول العربية ووزيرة خارجية الولايات المتحدة الامريكية ومن قبلها قام السيد احمد ابو الغيط وزير الخارجية المصرية ونظيره الاردني بزيارة الي اسرائيل والتقائهما مع وزير الخارجية الاسرائيلي ليفني، بعدها عاد وزير الخارجية المصري ليبشر للمرة الثلاثين بالسلام القادم علي المنطقة واقامة الدولة الفلسطينية واستعداد اسرائيل للموافقة علي مبادرة السلام العربية وقبولها بفكرة ان يكون للفلسطينيين دولة.
وهي تصريحات تكررت عشرات المرات دون ملل من وزراء خارجية مصر علي مدي العشرين سنة الماضية. ونفس التصريحات تتكرر بنفس الوعود ولا شيء حقيقيا يبدو في الافق، كلها في الواقع ارادات اسرائيلية وامريكية تفرض علي المنطقة لتصفية القضية الفلسطينية والامساك بزمام الموقف في يد الاسرائيليين والامريكيين، بينما يظل العرب وعلي رأسهم ـ للاسف ـ مصر يساعدونهم في ذلك، ويملأون وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة بتصريحات متفائلة توحي ان الدولة الفلسطينية علي الابواب، وهذا كله غير صحيح، ان الصحيح هو ما قالته وزيرة خارجية اسرائيل لوزيري خارجية مصر والاردن في مؤتمر صحافي معلن عندما صرحت علنا وهي توجه كلامها للوزيرين دعونا الان من مناقشة قضايا الحل النهائي الخاصة بالمفاوضات مع الفلسطينيين، ونعني بهذه القضايا القدس والمستوطنات والحدود ومصير اللاجئين الفلسطينيين ـ ودعونا نتحدث عن التطبيع، واعتبرت ليفني ان زيارة الوزيرين المصري والاردني لاسرائيل كممثلين عن الجامعة العربية، بينما نفي السيد عمرو موسي ذلك. وقال ان الجامعة العربية لا علاقة لها بهذه الزيارة وانما هي زيارة لا تعبر الا عن الوزيرين المصري والاردن ولا يمثلان الجامعة العربية.
والواقع انها زيارة الحاحية من قبل ابو الغيط والخطيب كي تقبل اسرائيل بالمبادرة العربية التي تبنتها المملكة العربية السعودية في مؤتمر القمة العربية ببيروت عام 2002 ثم عادت لتؤكدها وتعيد احياءها في مؤتمر القمة الذي عقد هذا العام في المملكة العربية السعودية، وشكل المؤتمر لجنة لتسويق والترويج للمبادرة التي لا تري فيها اسرائيل الا اقامة علاقات مع الدول العربية والجامعة العربية اما التوصل الي حل للمشكلة الفلسطينية فهي ما تتجنبه اسرائيل.
ومن باب المجاملة والخروج من ضغوط حرب العراق وافغانستان دعا الرئيس الامريكي جورج بوش الي اجتماع يعقد في الشرق الاوسط، وعلي اكثر الاحتمالات في شرم الشيخ للتوصل الي التسوية النهائية للمشكلة الفلسطينية واقامة الدولة الفلسطينية وهي نغمة تكررها اسرائيل وامريكا منذ مؤتمر مدريد عام 1992. ومنذ اتفاق اوسلو عام 1993 بعد ان قدم الفلسطينيون تنازلات بدأت بالاعتراف بقراري مجلس الامن 242 و338 والاعتراف باسرائيل ثم تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني بحذف المادة التي تتحدث عن الكفاح المسلح في 1996، ويومها قال شمعون بيريس وزير الخارجية في حكومة اسحق رابين اللذين وقعا اتفاق اوسلو في واشنطن مع الرئيس الراحل ياسر عرفات ان الغاء هذه المادة من الميثاق الفلسطيني يعتبر اكبر انتصار في تاريخ اسرائيل. لقد تنازل الفلسطينيون عن ثوابت كثيرة لكنهم لم يحصلوا علي شيء، بل زاد عدد المعتقلين حتي وصل عددهم الان الي 11 الف معتقل، وهدمت عشرات البيوت ومزقت آلاف الافدنة من الاراضي الزراعية وقتل وجرح الآلاف من الفلسطينيين علي يد الجنود الاسرائيليين، فأين هو السلام اذن؟
لقد كشفت المفاوضات مع اسرائيل وخاصة تلك التي جرت في كامب ديفيد وحضرها الرئيس الامريكي السابق بل كلينتون مع ايهود باراك رئيس وزراء اسرائيل وقتها عام 2001 والرئيس الراحل ياسر عرفات كشفت هذه المفاوضات ان اسرائيل لا تريد ان تتنازل عن القدس الشرقية، بل انها تريد انشاء كنيس يهودي ما بين المسجد الاقصي وقبة الصخرة ليكون بمثابة مسمار جحا للاسرائيليين.. وكذلك رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين ورفض عرفات التوقيع علي الاتفاق وعندما حاول كلينتون حثه علي التوقيع قال له عرفات: اذا وقعت كما تريد فادعوك للسير في جنازتي بعد عودتي لان الشعب الفلسطيني سيقتلني ويتهمني بالخيانة، ولانه لم ينحن ولم يستسلم لرغبات اسرائيل واطماعها فان اسرائيل هددته بالقتل وحاصرته وتسببت في قتله عن طريق عملائها المحيطين به اثناء حصاره برام الله.
اسرائيل لن تعطي الفلسطينيين دولة مستقلة وعاصمتها القدس فهذه احلام العرب التي يروجون لها والذين لا يملكون وسيلة فعالة لتحقيقها الا الكلام والحديث الممل عن استراتيجية السلام والمبادرة العربية، لكن الذي يتجاهله العرب ويغضون الطرف عنه ان اسرائيل لديها مخطط لا تتنازل عنه، وهذا المخطط اعلنته منذ عدوانها علي الدول العربية عام 1967، وهي انها يمكن ان تتخلي عن سيناء وعن غزة وبعض الاراضي في الضفة الغربية، واعتبرت هذه المناطق بمثابة ورقة ضاغطة تساوم بها الدول العربية للحصول علي مزايا استراتيجية اكبر فعرضت علي جمال عبد الناصر بعد اسابيع قليلة من عدوان حزيران (يونيو) 1967 ان تتنازل له عن سيناء مقابل ان يتخلي عن دوره في اطار القومية العربية وينعزل داخل مصر وحدها، يومها رد الرئيس جمال عبد الناصر في خطابه يوم 23 تموز (يوليو) 1967 بقاعة الاجتماعات الكبري بجامعة القاهرة قائلا القدس قبل شعبنا ثم جاء من يقبل بالعرض الاسرائيلي وركب الطائرة الي اسرائيل في اجواء دراماتيكية وغريبة وفيها كثير من التضليل وخداع الشعب المصري بالذات وقبل بالعرض الاسرائيلي وعقد اتفاقية كامب ديفيد التي بموجبها خرجت مصر من دورها العربي وانعزلت داخل حدودها الاقليمية، ولم تتحقق السيادة الكاملة لمصر علي سيناء، فقد تم تحجيم التواجد العسكري المصري في سيناء وحصلت اسرائيل علي اول اعتراف عربي بتواجدها في المنطقة بعد ان اعترفت بها مصر واقامت معها علاقات دبلوماسية وبعد ستة عشر عاما من اتفاق كامب ديفيد المصري ـ الاسرئيلي جاء اتفاق اوسلو عام 1993، ووقع اتفاق وادي عربة بين الاردن واسرائيل لتعترف الاردن ـ كثاني دولة عربية ـ باسرائيل ويقيم معها علاقات دبلوماسية وسلام اقل من السلام المصري ـ الاسرائيلي. ومشروع آلون الذي اعلنته اسرائيل عام 1975 لربط الضفة الغربية عن طريق ممر تحت اشراف الاردن وتعطل المشروع حتي تبنته اوسلو مع تعديل في الدور الاردني.
والان وبعد اربعة عشر عاما من اتفاق اوسلو ووادي عربة تنشط المنطقة بلقاءات واجتماعات بين مصر والاردن واسرائيل ومعهما الولايات المتحدة الامريكية بهدف جر بقية الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي التي ترفع راية التسليم والموافقة في شكل المبادرة العربية للسلام والذي تسعي اسرائيل من خلاله لابتزاز العرب واقامة علاقات دبلوماسية وتطبيع لتصبح المنطقة العربية سوقا تجارية واقتصادية لاسرائيل تلعب فيها كما تشاء وتوجهها سياسيا وثقافيا كما تريد. ان الصورة الراهنة تبدو كما لو ان اسرائيل وامريكا ومعهما الدول العربية الحليفة او المعتدلة (من انصار استراتيجية السلام او مبادرة السلام العربية) يسعون لتصفية القضية الفلسطينية والوصول الي حل ناقص يوهمون به الرأي العام العربي من انه انجاز وانتصار للعرب.
ولكن القضية لن يتم تصفيتها لان هناك شعبا يرفض اي مساس بالمقدسات الفلسطينية وفي مقدمتها القدس والمسجد الاقصي وعودة اللاجئين، والانسحاب الكامل من الضفة الغربية وقطاع غزة، هذا الشعب هو الشعب الفلسطيني الذي لم يقل كلمته بعد.