تاريخ الظلم الامريكي وبداية زمن الافول الامبراطوري المديد (4 ـ 5)

حجم الخط
0

يوم القيامة النفطي قد يكون اقرب مما نتصور وهو امر قد يفسر الاستماتة الامريكية في موضوع احتلال العراقهل توجد أسباب كافية للتصديق بأن لدي السعودية أكثر من 260 مليار برميل من الاحتياط النفطي الثابت؟

بأسلوب أدبي آسر وبلغة عقلانية واضحة يقوم عادل بشتاوي في كتابه هذا باعادة فك وتركيب مفهوم امريكا وتحليل تاريخها في المنطقة العربية والعالم عموما.

أهمية هذا الكتاب نابعة من قدرته علي تفهم مركّب لأواليات السيطرة الامريكية الحقيقية التي يلخّصها وحش ثلاثي الرؤوس: القوة العسكرية، والدولار المحمول علي بحر من النفط، وشركات التسويق العابرة للقارات (هوليوود واخواتها). خلال هذه الرحلة في هذا الكتاب يؤهلنا الكاتب لمراجعة كشوف حساب في قضايا سياسية شديدة الأهمية، واضعا احداث الماضي والحاضر في منظور جديد مفاجيء، كتحليله للاستغلال العجيب الذي قامت به امريكا لمفاعيل حرب تشرين الاول (اكتوبر) والحظر النفطي الذي رافقها، ومثل كشفه لأسباب تأجيل الضربة الامريكية لايران عام 2005 بسبب التدهور المفاجيء لحالة شارون الصحية.

ولا يتنازل بشتاوي عن عاداته ككاتب روائي متميز، بحيث يتحوّل الحدث المهمل في هامش التفاصيل الي ما يشبه بؤرة كثيفة تضيء علي تواريخ طويلة (مثل انتباهته الي جندية امريكية قتلت في العراق وكشفه لأصلها الهندي الاحمر وتحليله للمآل الذي صار اليه اصحاب الأرض الأصليون الذين أرغمهم الاستئصال الوحشي علي الانحشار في الجيش الامريكي وصيرورتهم أكبر اقلية عرقية فيه). واذا اضفنا الي ذلك قدرة عالية علي التنقيب والبحث ضمن مروحة من الكتب والمصادر، ثم الاحالات الكثيرة الي روابط علي شبكة الانترنت فان الكتاب يتحوّل الي رحلة بحث شائقة للقاريء دون اغفال فائدته الكبيرة للباحثين في التاريخ السياسي والاقتصادي للمنطقة العربية وللعالم علي ضوء التدخل الامريكي الهائل.

تتجادل في صناعة الكتاب خبرات الصحافي والباحث والروائي التي تراكمت في المؤلف خلال سنوات العمل الطويلة في هذه الحقول المعرفية الانسانية، ولا نعدم احيانا ارتفاع مدّ هذا الجانب علي ذاك لكن ذلك كلّه يضيف الي متعة القراء وشهيّة النقّاد لدراسة هذه الظاهرة.

من قبيل ذلك حديثه عن عمله الصحافي، كما في اشارته الي زيارة عمل الي كندا والتعاطف الذي لقيته القضية الفلسطينية الي ان طرح فكرة تقرير المصير فوجد حائطا صلبا سببه كامن في حساسية القضية بالنسبة للكنديين لأنها قد تقوّض الأساس الذي بنيت عليه الدولة كلها اذا قبلت حق تقرير المصير لسكان كندا الأصليين من الهنود الحمر.

ومثال آخر علي جمعه بين الانساني والصحافي والبحثي يتمثل في التداعيات التي أثارها حجر أهداه اياه قريب له من الناصرة وقاده تحليله الي كونه يشبه الحجر الذي أصاب فيه داود الفتي جليات العملاق وقلب المعركة ـ آنذاك ـ لصالح جيش داود، حيث ينطلق من هذه المقاربة البسيطة لهدية ذات مغزي الي تحليل لمفهوم النصر والهزيمة وتحليل آثار حرب تموز علي اسرائيل… الخ.

القاريء المعتاد علي اعمال عادل بشتاوي سيلاحظ ايضا الجانب الروائي في الكتاب بدءا من طريقته في رواياته بتقسيم الفصول وافضاء الأول الي التالي وكذلك في المفاجآت التي تحملها طيّات الكتاب التي تتشابه في ذلك مع أسلوب الكتابة الروائية وصولا الي عناوين الفصول التي تخلق بين طرافتها وجدّية المواضيع مفارقة قادحة للذهن، كما في عناوين لفصول واقسام في الكتاب بـ: بلاد ما بين النفطين، خام العم سام، دولار العم خام، الهولوكوست الاحمر الخ… تاريخ الظلم الامريكي مرجع مهم آخر بعد كتب المؤلف السياسية التاريخية بدءا من كتابه المرجعي عن الاندلسيين المواركة وصولا الي كتابه قبل الاخير تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية.

ها هنا بعض فصول الكتاب.

حسام الدين محمد عَرفتُ خلال تغطية بعض المؤتمرات النفطية في الثمانينات فترة كانت أوبك تسوق أسعار النفط كما يسوق الراعي البعير فإذا قال وزير للبترول والثروة المعدنية إن السعودية ستخفّض إنتاج النفط كانت الأسعار ترتفع وإذا قال إن السعودية ستزيد الإنتاج كانت الأسعار تهبط. ثم دارت دورة الزمن فبات الراعي في واد والسوق النفطية في واد وصار التخاطب بينهما أشبه بحوار الطرشان. ومنذ نكبة توقيع مصر وإسرائيل اتفاق السلام التي تلت انتصار حرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973، وجدنا مصارع السومو الأمريكي في حلبة الشرق الأوسط وهو مكب علي نزال ما بقي علي قدميه من مواقف القوة العربية ومصادرها فلحق بالنفط ما لحق بغيره، وسقطت مع الزمن أسنانه، وتطورت فلسفة عربية حكومية جديدة تنكر وجود شيء اسمه سلاح النفط. وسكت البعض ولوّح آخرون برؤوسهم نفياً وهم يتذكرون أن أهم أسباب اندلاع الحرب بين أمريكا واليابان نتيجة مهاجمة بيرل هاربر هي فرض أمريكا وبريطانيا حظر شحن النفط العربي إلي تلك الدولة الآسيوية الكبري، وأن أحد أهم أسباب موافقة بريطانيا وفرنسا علي قبول قرار وقف إطلاق النار في مصر عام 1956 هو قرار وقف شحنات النفط السعودي والعراقي إلي بريطانيا وفرنسا، وأن أهم سبب لمضي كوريا الشمالية قدماً في صنع القنبلة النووية هو حجب الولايات المتحدة صادرات النفط الثقيل عن تلك الدولة عام 2003 بعدما أبلغت وكالة الاستخبارات المركزية مجلس النواب أن كوريا تطور برنامجاً موازياً لتخصيب اليورانيوم.

إنّ استخدام سلاح النفط العربي لم يتوقف رغم كل ما يُقال لكن بيد الأمريكيين لا بيد منتجي النفط. وكان أحد أهم أسباب غزو العراق الكويت (2/8/1990) اتهام العراق الكويت باستخدام سلاح النفط عن طريق رفع الإنتاج والتسبب بإضعاف العائدات العراقية من بيعه عندما احتاج مبالغ ضخمة لتجاوز مضاعفات الحرب الطائشة مع إيران. وكان مندوبا إيران وفنزويلا في اجتماعات أوبك مطلع 2007 يصران علي التزام حصص الإنتاج للمحافظة علي ارتفاع الأسعار فيطلب منهما وزراء عرب ألا يقلقا لأن الأسعار تتجه في الطريق الصحيح. وعرفت صناعة النفط اللعبة لا لأن هذا الوزير أو ذاك اعترف بأن السبيل إلي إضعاف إيران وفنزويلا هو إضعاف دخلهما عن طريق رفع إنتاج النفط خارج اتفاق الحصص لأن هذا هو السبيل الوحيد إلي خفض الأسعار، بل لأن الصناعة تعرف أن إيران وفنزويلا تقفان في موقع لا ترضي أمريكا عنه فالأولي تقاوم سياساتها في الشرق الأوسط، والثانية تتحدي هيمنتها في أمريكا اللاتينية وتدعم كوبا التي تعتبرها الولايات المتحدة شوكة موجعة في جنبها منذ أكثر من نصف قرن، ولا توجد وسيلة لإضعاف دولة تعتمد علي النفط أنجع من إضعاف وضعها المالي عن طريق إضعاف سعر النفط.

إن صناعة النفط صناعة هائلة تخدمها أفضل العقول وأقوي الكمبيوترات وأكثر الباحثين قدرة علي التحليل والدرس والتوقع وهم ينتجون الاحصاءات والتقديرات الخاصة بصناعة النفط بالأطنان يومياً. لكن يعرف من يتابع هذه الصناعة صعوبة فهم أسباب ارتفاع سعر النفط أو هبوطه دائماً. ويعرف من يعرف مبادئ الاقتصاد أنه لا توجد قاعدة بلا استثناء، ولا توجد قوانين تنطبق علي كل الحالات في كل الأوقات، وأن حالة أكاديمية مثل العرض والطلب لم تكن في يوم من الأيام قانوناً لأنها تفترض وضعاً مثالياً ولا يمكن حدوث هذا الوضع المثالي في عالم غير مثالي ولو نشأ لما كان هناك مسوغ للتقلبات الحادة التي تعرفها الأسواق. والخليج ليس مهماً لأنه يضم بعض أكبر المنتجين النفطيين في العالم فقط، بل لأن بعض الدول الخليجية، خصوصاً السعودية، هي الدول الوحيدة القادرة علي إنتاج الكميات الاضافية التي تلعب الدور الأهم في تحديد سعر النفط، وهي بحدود مليوني برميل يومياً، لذا فإن برمجة قانون العرض والطلب ليس صعباً. وكانت الأسواق في الماضي أكثر قابلية للفهم لأن التدخل في الأسواق كان أقل بكثير من الحاضر، وكانت معرفة اتجاهات الأسعار في الأحوال العادية تقترب من البديهية فإن دخل فصل الشتاء ارتفع الإنتاج لأن الناس يستخدمون مشتقات النفط خلاله للتدفئة، وإن دخل فصل الصيف قل. لكن لم يحدث في الماضي أن ارتفع سعر البرميل إلي 77 دولاراً ثم انخفض إلي أقل من 40 دولاراً في فصل الشتاء الواحد 2007/2006. ماذا حدث لصناعة النفط يا تري؟

خلال معظم سنوات الربع الأخير من القرن العشرين كان وزراء نفط دول أوبك يعقدون مؤتمراتهم في فيينا أو جنيف وغيرهما علي خلفية أزمات الخام الهابط. وتغير الوضع في بداية القرن الجديد فلا يكاد وزراء أوبك يتنادون إلي عقد اجتماع لدرس خفض الإنتاج إذا خسر البرميل جزءاً من سعره إلا أضافت السوق ما انقصته فيتغير محور الدرس في منتصف الطريق إلي الاجتماع من الخفض إلي الزيادة. ومكمن هذا الحرج ليس تدني كفاءات الرعيل الحالي من أقطاب أوبك أو شحة درايتهم بأوضاع السوق النفطية مقارنة بالرعيل السابق بل الخلط بين تأثير الصدقيّة المستندة إلي القدرة علي الفعل والصدقيّة المبنية علي التمنّي أو مماحكة الحقائق والتذاكي، وخلط الاقتصاد والسياسة كما حال النفط في الوقت الراهن. ومهما ارتقي ذكاء المسؤول ستظل السوق أكثر ذكاء منه ولن تصدّق وزيراً يهدد بزيادة الإنتاج لوقف ارتفاع الأسعار وهي تعرف أن الطلب علي الخام أكثر انشداداً من المطاط، وأن أوبك لا تملك أي طاقة ضخ إضافية يحسب حسابها. ولن تنخدع في الحالة المعاكسة إذا قال وزير ما إن أسعار النفط تتجه في الطريق الصحيح ليعطي الانطباع بأنه يؤيد استمرار ارتفاع الأسعار فيما هو يقصد حقيقة خفض الأسعار بزيادة الإنتاج من وراء ظهر أوبك. إن العودة إلي القسم الأعظم من التوقعات المتصلة بأسعار النفط حتي نهاية القرن الماضي لن يكشف أي إجماع بين محللي الصناعة علي احتمال وصول سعر البرميل إلي 50 دولاراً إلا في حالات الكوارث المدمرة والحروب الكبيرة. ولم تمض سبع سنوات حتي وصل سعر البرميل إلي 77 دولاراً. وقال محللون كثيرون إن وضع الطاقة الدولي دخل عهداً جديداً هو عهد مرحلة الأسعار المرتفعة، وصار البعض يتوقع ارتفاعه إلي 300 دولار والبعض يتوقع هبوطه إلي 55 دولاراً. ولا أحد يعاقب المحللين الاقتصاديين علي خطأ توقعاتهم لذا إذا باع مستثمر كبير عقود شراء التسليم الآجل للنفط علي الدين (أي باعها من دون أن يملكها أملاً في أن يعود ويشتريها بثمن أرخص ويردها إلي مسوّقها) وباع خيارات حق بيع المؤشرات أو أسهم الشركات العملاقة وتحقق هذا الارتباط بين المؤشرات وأسعار الأسهم فإن الأرباح يمكن أن تكون خيالية. العكس صحيح تماماً لأن المستقبل دائماً في حكم الغيب، ولا توجد في طبيعة التوقعات الاقتصادية ما يتطلب عقولاً غير عادية فهناك حالتان بسيطتان لا ثالث لهما هي هبوط السعر أو ارتفاعه.

والعلاقة بين سعر النفط والنمو الاقتصادي معروفة منذ منتصف السبعينات وكانت سبب ارتفاع سعر النفط وهبوطه ضمن حدين وسطيين كبيرين جداً راوحا بين 30 دولاراً وأقل من 11 دولاراً. ويمكن الإصرار علي القول إن النفط سلعة كما يمكن الإصرار علي القول إن الذهب معدن. لكن معدن الذهب ليس كمثل معدن الحديد لذا فالنفط سلعة لكنها تختلف عن كل السلع الأخري. وإذا ارتفع سعر المطاط مثلاً فإن من لا يشتري المطاط لن يتأثر بارتفاع سعره. لكن إذا ارتفع سعر النفط فإن زيادة سعره ستنعكس علي مجموعة كبيرة جداً من البضائع والخدمات التي يشتريها المستهلك وسيصبح لسعر البنزين علاوة ولرسوم الكهرباء علاوة وللفاكهة علاوة وللخبز علاوة وهكذا. ويقدّر بعض الاقتصاديين أن ارتفاع سعر البرميل بمعدل دولار واحد في اقتصاد ضخم مثل الاقتصاد الأمريكي يكلف الاقتصاد 14 مليار دولار بينما لا تجني أوبك سوي هذا الدولار الواحد مضروبا بعدد ما تصدّره من البراميل. أما العلاقة بين العرض والطلب فهي علاقة يمكن أن يصل عدد تأويلاتها إلي عدد المحللين الذين يتابعون الصناعة وهم بالألوف. وجودة التوقعات تعكس جودة المعلومات التي تتوافر للمحلل، لكن النفط في النهاية عملية بيع وشراء تتضمن الربح والخسارة وأفضل من يحقق الأرباح هو المضارب القادر علي إقناع (أو إيهام) الآخرين بصدق توقعاته وخطأ توقعات الآخرين.

ولا يوجد تناقض في القول إن النفط سلعة ثم الإضافة بأن عوامل غير اقتصادية يمكن أن تؤثر في أسعارها. ولا يعرف أحد بالضبط ما هو الاحتياط الحقيقي في حقل معين حتي باستخدام أحدث التقنيات القائمة علي المسح الزلزالي الثلاثي الأبعاد، ويعرف قليلون فقط ما هو إنتاج كل دولة في كل سنة. وفي صناعة النفط تقارير كثيرة تؤكد أن الاحتياطات النفطية المعلنة تتضمن مبالغة كبيرة حتي بالنسبة لدول منتجة عملاقة مثل السعودية أو دول منتجة كبيرة مثل الكويت وغيرها. ولا يوجد في الحقيقة من يعرف كل حقائق صناعة النفط سواء تناولت الحجم الحقيقي للإنتاج أو الحجم الحقيقي للاستهلاك. ويمكن المجادلة بأن هذا أمر طبيعي في صناعة ضخمة مثل صناعة النفط لكن يمكن المجادلة في الوقت نفسه بأن السوق ليست دائماً من يحدد السعر المناسب للنفط علي أساس العرض والطلب لأن تجار النفط ليسوا وحيدين في السوق فهناك صناديق التحوط الضخمة التي قيل إنها نزلت إلي السوق منذ عام 2005 للمضاربة بعقود التسليم الآجلة للنفط. كما أن دولاً كثيرة نزلت إلي السوق بائعاً ومشترياً للنفط لبناء المخزون بينها الولايات المتحدة التي وصل حجم احتياطها النفطي الاستراتيجي في كانون الثاني (يناير) 2007 إلي نحو 700 مليون برميل. ويكفي شراء مليوني برميل يومياً فقط في حال توازن العرض والطلب لرفع الأسعار بصورة حادة، ويكفي بيع مليوني برميل في الحال نفسها لخفض الأسعار بصورة حادة. لذا يمكن أن يؤدي تفاهم بين دولة ذات مخزون استراتيجي كبير ودولة ذات قدرة تصديرية عالية إلي هز مفهوم العرض والطلب من جذوره وإحداث تقلبات غاية في الحدّة. لكن ادعاء بعض دول أوبك أن السعودية تلعب في المنظمة النفطية الدور الذي تريده أمريكا لم يُدعم بالحقائق.

ومن يحاول تقفي أسباب الاضطراب في موازنات الدول وأسعار النفط والمعادن الثمينة وبعض السلع المهمة في العالم فربما توقف عند تاريخ معروف هو 11 ايلول (سبتمبر) 2001. وقُدّرت الخسائر المباشرة لما حدث في ذلك اليوم بنحو 140 مليار دولار إضافة إلي عشرات المليارات الأخري في صورة خسائر ورقية (نتيجة هبوط أسعار الأسهم). إلا أن تكاليف الرد الأمريكي علي تلك الهجمات داخلياً (زيادة الإنفاق الأمني) وخارجياً (غزو واحتلال أفغانستان والعراق والاشتراك في غزو الصومال وغيرها) كانت أسطورية ليس في حجمها فقط بل في طبيعة تمويلها التي قامت حصراً علي الاقتراض.

والدولار أهم عملة للتجارة الخارجية والتجارة النفطية، لذا لعب عدد كبير من الأسباب، بينها ارتفاع النفقات العسكرية، دورا مهماً في إضعاف سعر صرفه خلال السنوات الخمس الماضية إزاء الذهب وعملات قوية مثل اليورو. فمثلاً كان سعر صرف اليورو في الأول من كانون الثاني (يناير) 2002 (توقيت بدء التعامل باليورو في 13 دولة أوروبية) يساوي 90 سنتاً أمريكياً فيما وصل في الثاني من شباط (فبراير) 2007 إلي 1.3 دولار، أي بنسبة ارتفاع بلغت 30.5% لا لقوة اليورو بل لضعف الدولار. ويعني هذا من زاوية اليورو الأوروبي أن 30% من سعر برميل النفط علاوة لتعويض انهيار سعر صرف الدولار الأمريكي. ولم تقل الولايات المتحدة إنها تريد هبوط سعر صرف الدولار لتحسين تنافسية بضائعها تجاه بضائع الدول الأخري لكنها غضت الطرف في معظم الأحايين عن تراجع سعر صرف عملتها لذا وجدنا الصين مثلاً ترفع مخزونها النفطي الاستراتيجي إلي ما يكفي لـ 74 يوماً لأنها اعتبرت هذا المخزون استثماراً أفضل من الاحتفاظ بكميات هائلة من الدولارات المتناقصة القيمة، ووجدت دول كثيرة غير الصين أن الاستثمار في السلع الدائمة أفضل بكثير من الاستثمار في الديون الأمريكية.

ومع ذلك فإن تراجع سعر صرف الدولار، والقلق من إخفاق الولايات المتحدة في معالجة عجزي الموازنة وميزان المدفوعات ليسا السببين الوحيدين للعلاوات المضافة إلي سعر برميل الخام. وهناك ثلاث علاوات أخري الأولي علاوة الإرهاب التي وجدت طريقها إلي سعر الخام بعدما أعلنت الولايات المتحدة نهاية 2005 أن العراق بات منطقة جذب وتدريب لإرهابيين من دول مجاورة مما أثار مخاوف من احتمال تعرض خطوط الإمدادات النفطية إلي هجمات. والثانية هي علاوة الاضطراب الذي سببه غزو العراق واحتمالات التصعيد نتيجة الفشل الأمريكي في تطويع العراق. أما العلاوة الثالثة فهي العلاوة التي أطلق عليها بعض محللي صناعة النفط اسم علاوة يوم القيامة النفطي.

و يوم القيامة هذا نظرية معروفة باسم ذروة النفط Oil Peak شاعت في السبعينات من القرن العشرين واتصلت آنذاك بالنفط الأمريكي، ثم عُرضت موسّعة في كتاب نُشر عام 2005 بعنوان غسق في الصحراء ــ الصدمة المقبلة للسعودية والاقتصاد العالمي ألفه ماثيو سيمنز الرئيس المدير التنفيذي لشركة سيمنز وشركاه الدولية وهي بنك استثماري مختص بالاستثمارات في مجال الطاقة مقره هيوستون (تكساس) وقيمة محفظته نحو 56 مليار دولار. وكان سيمنز مستشاراً لفريق الطوارئ السري الخاص بالطاقة الذي أسسه الرئيس بوش عام 2001 وعهد برئاسته إلي نائبه ديك تشيني. ويتضح من مطالعات الخبراء والأكاديميين الذين قرأوا الكتاب المحتوي علي 422 صفحة مدي الأهمية القصوي التي أعطوها للكتاب. ومن هؤلاء مسؤولون سابقون في وزارة الطاقة الأمريكية، إدوارد مورس وريتشارد سمولي الحائز علي جائزة نوبل للكيمياء وروبرت إبل مدير برنامج الطاقة في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولي وغيرهم. وخلال السنتين اللتين تلتا نشر الكتاب تبنّي جيولوجيون وخبراء في صناعة النفط ومسؤولون في شركات النفط وفي بعض الدول المنتجة هذه النظرية، وعُقدت ندوات ومؤتمرات دولية لدراستها.

وتقوم هذه النظرية علي مفاهيم علمية جادة تعتمد علي الإحصاءات والتقديرات التاريخية المتوافرة لحجم الاكتشافات النفطية المعروفة ومستوي الاستنزاف ثم الاستنتاج البديهي بأن شركات النفط لا تستطيع استخراج كميات لم تكتشفها بعد، وأن الإنتاج لا بدّ أن يصل إلي الذروة في تاريخ ما قبل أن يبدأ الهبوط وفق رسم بياني نصف اهليلجي. ولمؤسسة المسح الجيولوجي الأمريكي تقديرات قديمة اقترحت احتواء الكرة الأرضية علي ثلاثة تريليونات برميل من مصادر الطاقة القابلة للاستخراج. وبإضافة الكميات التي يمكن استخراجها من النفط الثقيل جداً والصخر النفطي ترتفع الاحتياطات إلي أكثر من أربعة تريليونات برميل استهلك العالم منها حتي الآن نحو تريليون برميل. إلا أن دراسات جديدة أثبتت خطأ تقديرات مؤسسة المسح الجيولوجي وسحبت هي نفسها تقديراتها السابقة مما أعطي نظرية ذروة النفط أهمية أكبر.

وأهم ما في كتاب سيمنز الفصول التي تبدأ من الفصل العاشر ويسوق فيها المؤلف الأسباب التي تقف وراء الاعتقاد بأن السعودية لا تملك الاحتياط النفطي الهائل الذي تدعيه وهو بحدود 260 مليار برميل. وبما أن السعودية هي مفتاح الاستقرار النفطي في العالم فمن الواضح أن هذا التشكيك يكسر هذا المفتاح ويضع العالم قبالة إحدي أكبر الأزمات التي يمكن أن يواجهها في تاريخه. ويبدأ المؤلف الفصل العاشر (ص 231) بعرض تاريخ اكتشاف النفط في السعودية فيوضح النجاح الكبير الذي تحقق بين عامي 1940 و1968 وتمخض عن العثور علي المكامن النفطية الكبيرة في شرق المملكة رغم استخدام تقنيات الاستكشاف المتخلفة آنذاك. ويضيف أن استخدام التقنيات المتقدمة بعد العام الأخير لم تسفر عن اكتشافات مهمة تعوّض النزف الكبير في الاحتياطات النفطية.

ويحاول الكاتب في الفصل الثاني عشر تعزيز الشكوك باحتياطات المملكة بطريقة ذكية تعتمد علي طرح الأسئلة التي تتضمنها الشكوك فيميل إلي تقوية الشكوك بدلاً من تبديدها. ويعود ذلك إلي الأهمية القصوي التي تتسم بها الأسئلة ليس في مجال الطاقة فقط بل في مجالات أخري تمتد إلي أحقية السعودية في احتلال موقعها كأكبر منتج في أوبك، وبالتالي ممارسة نفوذ قوي علي سياسات المنظمة ما كان ليتحقق لو كانت منتجاً نفطياً أصغر بكثير. وترد هذه الأسئلة في الصفحة 265 وهي:

ـ هل توجد أسباب كافية للتصديق بأن لدي السعودية أكثر من 260 مليار برميل من الاحتياط النفطي الثابت الذي تدعي وجوده؟

ـ هل يعكس هذا الادعاء الحاجة التنافسية (التشديد هنا لمؤلف الكتاب) لبقاء السعودية علي رأس هرم الاحتياط النفطي لدول أوبك الذي ما كان تحقق لو كانت منتجاً صغيراً للنفط؟

ـ أم هل يمثل أفضل تخمين متفائل لعدد براميل النفط التي يمكن استخراجها ويمكن إثبات وجودها من خلال عمليات التقييم الحرجة للتحقق من الحجم الحقيقي للنفط القابل للاستخراج الذي لا يزال موجوداً في باطن الأرض؟

ـ وحتي لو انتفي الشك بصدقية السعودية في ما يتعلق بمزاعم الاحتياطات النفطية فهل يعني وجود المصاعب في الحقول الضخمة بأن بعض (أو معظم) هذا النفط ربما لن يكون قابلاً للاستخراج؟

إن الانطباع الأوّلي الذي يخلص إليه القارئ من استخدام المؤلف أقصي درجات الحذر في انتقاء كلماته بخصوص الاحتياط النفطي الثابت في السعودية هو أن المؤلف لا يملك الدليل القاطع علي الإثبات بأن الاحتياط النفطي السعودي يتضمن قدراً كبيراً من المبالغة. لكن هذا ليس ما فعله المؤلف لأن عنوان الكتاب (غسق في الصحراء) يعكس قناعته النهائية بأن السعودية لا تملك الاحتياط الذي تدعيه. وما يحاول المؤلف تحقيقه هو الأخذ بيد القارئ إلي صفحات غاية في الأهمية لإثبات اعتقاده يعتمد فيها جزئياً علي التقارير التي عُرضت علي مجلس الشيوخ منذ عام 1974 لنكتشف فيها وجود الصحافي الذي كشف عدداً من أهم الفضائح الأمريكية مثل مذبحة ماي لاي في فيتنام وأبو غريب في العراق وهو سيمور هيرش.

ويقول المؤلف (ص 378) إن تقريراً عُرض علي مجلس الشيوخ عام 1979 كشف إعادة تصنيف أكثر من 70 مليار برميل من النفط السعودي فجأة من مرتبة ثابت إلي مرتبة محتمل أو ممكن. وعلي هذا فإن الاحتياط الثابت كان في العام المذكور بحدود 110 مليارات برميل. وبإضافة الكميات المحتملة يرتفع الاحتياط إلي 177.5 مليار ثم إلي 248 مليار برميل بعد إضافة الكميات الممكنة الاستخراج من نحو 530 مليار برميل هي حجم النفط بكامله. ومنذ ذلك الوقت تسببت كثافة الضخ من الحقول الضخمة بتسرب الماء إلي المكامن فخف الضغط في الحقول مما أضعف الإنتاج. وبإضافة هذا السبب إلي أسباب أخري يستخلص المؤلف أن الضخ اليومي الذي كانت المملكة تدعيه في بداية السبعينات (25 مليون برميل يومياً) بدأ تراجعاً مستمراً منذ تلك الفترة علي النحو الآتي:

ـ عمدت أرامكو إلي تقليص الضخ الاقصي القابل للاستمرار إلي 16 مليون برميل يومياً.

ـ خفض الضخ الأقصي إلي 12 مليون برميل يومياً ريثما يتم اكتشاف حقول ضخمة جديدة.

ـ ازدياد اقتناع الخبراء بأن الضخ وفق هذا المستوي أمر خطير جداً.

ـ توصّل أرامكو عام 1979 إلي أن مستقبل التنقيب عن النفط في السعودية غير واضح، وإعلان أحد الشركاء الأربعة في أرامكو أن مجموع الاحتياط الجديد المحتمل العثور عليه في السعودية هو 33 مليار برميل.

ويستخلص المؤلف من كل ما عرضه أن وضع الطاقة في العالم كان تغير جذرياً لو لم يعتقد البعض أن السعودية تستطيع ضخ 10 ملايين برميل يومياً أو 12 مليوناً أو 15 مليوناً لمدة خمسين سنة. لكن استمرار الضخ المرتفع سبّب التقلص المخيف للضغط في الثمانينات نتيجة أسطورة القدرة علي ضخ كمية 20ـ25 مليون برميل يومياً في السعودية. ولو انتبه الناس بدلاً من ذلك إلي أن السعودية وصلت إلي ذروة إنتاجها المحتمل وستترتب علي ذلك الحاجة إلي إراحة حقولها الضخمة ـ ليس بهدف رفع سعر النفط بل لاعتماد مستوي الضخ الآمن لحقولها ــ لما نشأ تقلص الضغط. وما يلمّح إليه المؤلف تلميحاً فيما يركز علي الجوانب الخاصة بوضع الطاقة الدولي هو أخطر ما في هذا الكتاب نظراً إلي مضاعفاته السياسية المتصلة بموقف أوبك من الموافقة علي الطلب الأمريكي في 1973/1974 باستمرار اعتماد الدولار عملة لتقييم النفط ونقل الاحتياطات النقدية الفائضة إلي حسابات البترودولار وفيما بعد إلي أدوات الدين العام الأمريكي. ومن الطبيعي أن تشجيع الانطباع بأن السعودية قادرة علي ضخ 25 مليون برميل يومياً يكفي لإقناع دول أوبك الأخري باعتماد سياسات ما كانت ستعتمدها لو كانت تعرف أن الضخ السعودي أقل من الشائع بكثير. وما يعنيه توافر قدرة السعودية علي ضخ 25 مليون برميل يومياً هو أن المملكة تستطيع تعويض كل ما يمكن أن تحجبه دول أوبك الأخري عن السوق لسبب سياسي أو آخر. واتضح خلال عام 2006 أن السعودية تنتج بأقصي ضخها، مثل كل دول أوبك الأخري، ومع ذلك استمر سعر النفط في ارتفاعه حتي تخطي في إحدي الفترات 70 دولاراً. وما يُستخلص من ذلك أن الحديث الدائم عن أن النفط ما هو إلا سلعة تجارية لا يتطابق والواقع لأن سيمنز كشف حقيقة مهمة هي أن النفط كان سلاحاً سياسياً منذ بداية السبعينات لأنه حمل أوبك علي تغيير مواقفها السياسية.

والزمن وحده سيكشف حقيقة الاحتياط النفطي السعودي ونتمني أن تكتشف أضعاف ما لديها لأن شعب السعودية يستأهل كل خير، لكن أخذ ما عرضه سيمنز في كتابه يفسّر إلي حد ما استماتة أمريكا علي احتلال العراق دون حساب خط الرجعة المفترض أن يفكر به أي قائد يزج جيشه في بلاد تقع في الطرف الآخر من الكرة الأرضية. ويمكن بالاعتماد علي ما ساقه سيمنز اكتشاف الأهمية الكبري التي اتسمت بها بعض المقالات التي ربطت بين احتلال العراق وأهمية السيطرة علي مكامنه النفطية لاستباق مفاجأة الاحتياط النفطي السعودي. ويمكن بعد قراءة هذا الكتاب فقط إسباغ الصدقية علي مقال نشره بوب هيربرت في صحيفة نيويورك تايمز في 28/8/2005 بعنوان النفط والدم قال فيه إن إدارة الرئيس بوش لا تخطط لسحب القوات الأمريكية من العراق لأن الهدف من الحرب أصلاً إقامة وجود عسكري بعيد المدي لضمان الهيمنة الأمريكية علي الاحتياطات النفطية الثمينة في الشرق الأوسط. ويعرف سيمنز ما هو الهدف الأمريكي تماماً لأنه كان مستشار تشيني لشؤون الطاقة، لكن ما يهمه هو مستقبل الطاقة في ظل وصول الإنتاج إلي الذروة. وجاء نشر الكتاب بعد ثلاث سنوات من انعقاد مؤتمر لدراسة ذروة النفط Aociation for the Study of Peak Oil (ASPO) تحوّل بعدها إلي مناسبة سنوية. وأعلن سيمنز في المؤتمر السنوي الثاني (12/6/2003) أن تحليله لوضع الطاقة يقوده إلي الاعتقاد المتزايد بأن موعد وصول النفط إلي الذروة قريب جداً وليس بعد سنوات. ولم تمض ثلاث سنوات حتي أعلن أن موعد وصول إنتاج النفط إلي ذروته بدأ للتو. وكرر سيمنز هذا الاعتقاد في مقابلة مع بلومبرغ في 1/2/2007 واستشهد بالوضع في المكسيك وبحر الشمال وهما منطقتان وصل الإنتاج فيهما إلي الذروة وبدأ يتقلص. لذا من المتوقع أن ينخفض الإنتاج في بحر الشمال وحده (قطاعا بريطانيا والنرويج) بين 800 ألف برميل ومليون برميل في اليوم اعتباراً من 2007 وهي كمية تزيد علي الاحتياط النفطي الجديد المكتشف عالمياً.

إن اهتمام الولايات المتحدة بمصادر الطاقة في الشرق الأوسط اهتمام قديم يعود إلي الأربعينات، وكلما خرجت بريطانيا من دولة نفطية دخلت أمريكا وراءها مباشرة كأنما باتفاق. ومن يستعرض المبادئ (Doctrines) التي أرستها الحكومات الأمريكية منذ عهد ايزنهاور سيجد أن لها علاقة بمصادر الطاقة مباشرة أو تضميناً. وحتي عندما يبتعد الباحث عن آراء خبراء الطاقة الذين يقولون إن النفط العربي هو الصرح الذي يُبقي أمريكا دولة عظمي فإن آراء المحللين السياسيين لا تختلف كثيراً ومن هؤلاء نعوم تشومسكي الذي قال في مقابلة مع محطة التلفزيون الأمريكية العامة أجريت في 11/9/1990: إن المبدأ الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية منذ الأربعينات يقوم علي سيطرة الولايات المتحدة وعملائها عملياً علي مصادر الطاقة في الخليج وهي مصادر ضخمة لا يوجد لها مثيل في العالم. والملفت في هذا المبدأ إصراره علي عدم السماح لأي قوة مستقلة أو محلية بممارسة أي نفوذ كبير علي إدارة إنتاج النفط وتسعيره. وبعد 17 سنة من تلك المقابلة لم يتغير رأي تشومسكي بل أصبح أكثر يقيناً من ذي قبل بأن المبادئ الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط تشبه مبادئ المافيا فقال في مقابلة نشرتها صحيفة آسيا تايمز في 22/2/2007: إحدي القضايا البديهية في السياسة الخارجية الأمريكية وجوب سيطرة أمريكا علي مصادر الطاقة في الشرق الأوسط. المسألة هنا ليست مسألة الوصول إلي الطاقة كما يقول الناس. عندما يُحمّل النفط في الناقلات يمكن أن يُنقل إلي أي مكان. ولو لم تستورد الولايات المتحدة نفط الشرق الأوسط فإن سياستها ستكون نفسها. ولو تحول العالم إلي الطاقة الشمسية غداً لما تغيرت السياسة الأمريكية. ادرسوا الوثائق الأمريكية، واعرفوا المنطق من ورائها: المسألة كانت دائماً السيطرة لأن السيطرة مصدر القوة الاستراتيجية.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية