ابوظبي ـ “القدس العربي” ـ من جمال المجايدة: جاءت الحلقة الخامسة والأخيرة في المرحلة الأولي من مسابقة أمير الشعراء لتؤكد الغايات النبيلة للبرنامج في استعادة قيمة الشعر العربي وقامته العملاقة المعبرة عن تراث حضاري أصيل، وإنجاز فكري وشعري عظيم، وعلاقة بين الشعر والواقع ترتدي حلة الجمال في التعبير والصدق القادر علي التأثير.
الحلقة استضافت الشعراء تميم البرغوثي (فلسطين)، سليمان حسين دهموش (اليمن)، طلال سالم الصابري (الإمارات)، مصطفي أحمد إبراهيم الجزار (مصر)، محمد بن مسلم (عمان)، حنين عمر (الجزائر)، وأحمد مجيب السوسي (سورية)، علي مسرح شاطئ الراحة بأبو ظبي، في بث مباشر علي تلفزيون أبو ظبي وقناة أمير الشعراء، وإذاعة إمارات اف ام، مساء يوم الجمعة الثالث من آب (اغسطس) 2007، بحضور محبي الشعر من الإمارات ومختلف الجاليات العربية المقيمة في الدولة.
الحلقة شهدت الإعلان عن تأهل الشاعر الشيخ أبو شجة (موريتانيا)، والشاعرة هدي السعدي (الإمارات) من شعراء الحلقة السابقة، واختيار لجنة التحكيم الشاعر تميم البرغوثي متأهلاً لتصفيات المسابقة، من شعراء الحلقة الخامسة والأخيرة في المرحلة الأولي.
كما تمت القرعة علي اختيار أسماء الشعراء الخمسة المتسابقين في الحلقة الأولي من المرحلة الثانية للمسابقة، والتي ستعتمد كما أعلن الشاعر نايف الرشدان، باسم لجنة تحكيم المسابقة علي معايير الشعرية الحقة والقدرة الإبداعية، من خلال قراءة كل شاعر لنصين يكون ثانيهما معارضةً من سبعة أبيات إلي عشرة، لقصيدة الشاعر أبي فراس الحمداني أراكَ عصيّ الدمعِ شيمتك الصبرُ، إلي جانب نص يختاره الشاعر بنفسه ولا تتعدي مدة قراءته الدقائق الأربع. ووقعت القرعة علي الشعراء:
الوليد الشهري (السعودية)، خالد السعدي (العراق)، محمد علاء الدين عبد المولي (سورية)، روضة الحاج (السودان)، محمد ولد الطالب (موريتانيا). قرأ محمد قرطاس المهري قصيدة بكي فيها ما خلّفه الإعصار جونو من دمار وخراب وموت في وطنه، وما تركه علي جبين درة بحر العرب عُمان من دم الضحايا وحطام المدن وخرائب البيوت، راسماً الموت في كل ما صادفه من حجر وبشر وشجر، ما رأي فيه د. عبد الملك مرتاض توظيفاً فنياً جميلاً مستوحي من معاني القرآن الكريم، وقصة النبي نوح (عليه السلام) والطوفان، وإن استعمل كثيراً من الألفاظ في غير مكانها استعمالاً غلب عليه قصور في اللغة والإملاء، مما جعل النص في حاجة إلي شحنة من الوهج الشعري، واعتبر الفنان غسان مسعود النص معبراً عن تجربة أليمة، وإن لم يأتِ بجديد في الوصف الشعري لحداثة التجربة في الشعر العربي. أما الشاعر نايف الرشدان فقد وجد أن النص يمثل رؤية إنسانية وشعرية مبدعة متألقة عبرت عن موقف توحّدت فيه البشرية مواسيةً عُمان والمنطقة علي مصابها. وأشار د. صلاح فضل إلي أن الشاعر عمل كنحاتٍ لغوي من الطراز الأول في نظمه علي الأوزان الخليلية، فجاءت قصيدته معبرة عن شعرية قوية مسبوكة وتجربة طازجة حية مثيرة. بينما رأي د. علي بن تميم في القصيدة كثافة صور مستحيلة التحقق، استطاع الشاعر تحويلها إلي صور يمكن تحققها، مشيراً إلي استنجاده بالمقدّس سبيلاً إلي تحقق الغاية من نظمها. ثم قرأ أحمد السوسي قصيدة بعنوان عالمي، رأي فيها الفنان غسان مسعود تقديماً متفائلاً لعالم غير واقعي، طارحاً سؤال علاقة الشاعر بالحياة، وضرورة أن يقف الشاعر في اللا حيادية وسط عالمه القلق البعيد عن الرومانسية المثالية. وأشار د. صلاح فضل إلي أن الشاعر قد قدّم عالماً مفعماً بالجمال، مفرداته موسيقي وحب وورد، يقوم علي الدهشة واقتناص الصور البلاغية الجميلة، لكنه عالم يجافي الزمن ولا يجتهد في صراع الوجود. واعتبر د. علي بن تميم أن الرومانسية قادت الشاعر إلي منزلق خطير في ظنه أن الزمن توقف عند عالمه، كما في استخدامه غير الثقافي ومأزق الألوان الذي أوقعه في مشاكل لغوية وجمالية. أما د. عبد الملك مرتاض فقد قدّم قراءة استفهامية حول عالم الشاعر الجميل الذي لا معالم له، الشاسع الضيق كمساحة قبر، طارحاً أكثر من علامة استفهام حول ملامح هذا العالم الشعري الذي قدمه النص.
تلاه تميم البرغوثي مصوراً في نصه غرابة الوجود الاحتلالي الاستيطاني في مدينته القدس، وما تركه في حياة ناسها من أثر يدمي قلب الشاعر ويبكيه فتجيش مشاعره لحكاية التاريخ العريق للمدينة المقدســـة، ما وحّد رأي أعضاء لجنة التحكيم حول إبداع الشاعر الذي رأوا فيه استمراراً لإبداع أفذاذ الشـــــعر من أمثال شعراء فلسطين الكبار، واعتبار القصيدة أنموذجاً حياً يؤكد علي أن الشعر العربي سيظل متألقاً رائعاً ومبدعاً في رأي الشاعر نايف الرشدان، ورأي د.
صلاح فضل أن الشاعر استعار في نصه بصر قصاص وبصيرة شاعر جاعلاً من نفسه أيقونة وتميمة تفتح باب الأمل في الشعر والفن معاً، أما د. علي بن تميم فأشاد بالبنية الجميلة للقصيدة، القائمة علي التقاطات صورية مبدعة تترك فسحة لذات الشاعر كي يقرأ فيها التاريخ ويعيد تركيبه فيجعل المكان شاهداً علي الحقيقة رغم غياب الإنسان. كما رأي الفنان غسان مسعود أن الشاعر مسكون وفيه جنون، حيث قدّم مونودراما موجعة فيها سخرية حادة، تسجلها كاميرا تفصيلية تجوّلت في القدس واستنطقت ذاكرة الحجر فيها.
قرأت بعده حنين عمر قصيدة فيها معارضة للمتنبي، ودعوة أنثوية للتمرد الجميل، اعتبرها د.
صلاح فضل حافلة بلفتات أنثوية بديعة وجميلة، وإن تحلت بالشجاعة النادرة علي التحليق في سماء المتنبي. ورأي د. عبد الملك مرتاض أن نص حنين عمر هو أول نص مشارك في مسابقة أمير الشعراء يبرز صوتاً أنثوياً آسراً لم يمنعه شيء من أن يكون فحولياً. بينما اعتبر الشاعر نايف الرشدان أن النص يجعل من الشاعرة شاهدة علي أن الشعر حي يرزق، في استحضارها الجميل للمتنبي وقدرتها علي التمثل الصادق لواقعها ممزوجاً بالخيال.
وقرأ مصطفي الجزار قصيدة أهداها إلي بغداد عبر فيها عن مشاعر قومية نقية، استحضر فيها برأي د. عبد الملك مرتاض تجارب الشعراء الكبار، وثأر فيها للشعر حين سعّر ناره وسكبه لجيناً سهلا سلساً معطاراً. ورأي الشاعر نايف الرشدان أن بغداد الأنيقة حضرت لتوحّد بين أنا الشاعر والمكان، في أسلوب شاعر رجل عني بالتفاصيل المؤثرة التي حمّلت الشعر دلالات عميقة. كما أشاد د.
صلاح فضل بالنفثة القومية العنيفة في القصيدة، والمفعمة بالشعرية والروح العربية، في حماسة مستعادة وإبداع تصويري حافل بما يشبع الوجدان والأذن.
وقد غنّي الفنان علي بن محمد في وصلة غنائية أطربت الحضور فرقصوا وصفقوا طويلاً لأغنيات جميلة جمعت ما بين عذوبة الصوت ورقة المعاني الشعرية التي حفلت بها قصائد الغزل العربي العفيف.
تلاه طلال الصابري ملقياً قصيدة بعنوان خرير الضوء، رأي فيه د. عبد الملك مرتاض عنواناً عظيماً انزياحياً في نسبة الخرير للضوء، لا يمثله النص ولا يرقي إلي مستواه. وأحصي الفنان غسان مسعود في النص ثلاثة عشر بيتاً تبدأ بالواو، ما أضعف في رأيه الجملة الشعرية فيه، كون الفعل أقدر علي بناء المشروع الدرامي والصورة والصراع في القصيدة. ورأي د. صلاح فضل أن النص معجم شعري مرصوف بعناية، فيه توظيف مبدع للحواس لولا أن القافية أتعبت الشاعر، إلي جانب ضبابية القصيدة التي لا تتبين ملامحها وسط تعدد الأصوات فيها. وقرأ المتسابق الأخير سليمان دهموش نصاً رأي فيه الفنان غسان مسعود انحيازاً إلي المهمشين من الفئات البشرية، وسرداً حكائياً جمع بين المسرح والشعر. وأخذ د. صلاح فضل علي النص انعدام تماسكه، كأن ينطلق الشاعر من لحظة شعرية لا يتلاءم معها أن يدخل إلي أعماق موصوف الرجل علي الرصيف، كما اعتبر أن صور بصمات الجزمة، و وابور الفحم غير شعرية، ولا تليق بمسابقة كمسابقة أمير الشعراء. كما أشار كل من د. علي بن تميم ود. عبد الملك مرتاض إلي تناص الشاعر مع كل من محمد الماغوط، لجهة الانتماء إلي الشعر اليومي المعبر عن تجليات الرصيف في الحياة المعاصرة، ونزار قباني في تعامله مع المرأة، وأخذا علي القصيدة التكرار الدال علي الحكاية السردية في تناول القضية الشعرية.
شهدت الحلقة حضوراً كبيراً للجاليات من مختلف الدول العربية لتشجيع الشعراء ومنها السعودية، مصر، موريتانيا، الجزائر، اليمن، العراق، فلسطين، الإمارات، وسلطنة عمان. الجدير بالذكر أن برنامج أمير الشعراء تدعمه وتنتجه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وتنفذه شركة بيراميديا.