الاتجاه المعاكس علي خطي الإعلام السوري: تفسير المفّسر وشرح المشروح!

حجم الخط
0

محمد منصور

بعد أشهر علي زيارته لوطنه الأم سورية، والتحدث عن تجربته الإعلامية في مكتبة الأسد بدمشق برعاية رسمية، وتقديم حلقة من (اتجاهه المعاكس) من تدمر مباشرة علي هامش مهرجان البادية بمساعدات تقنية في البث من التلفزيون السوري… يبدو أن الدكتور فيصل القاسم، يتجه في برنامجه التلفزيوني المزمن نحو التأثر بالإعلام السوري، باعتباره نوعا من (الأنتيكات) التي تستهوي عشاق الحداثة والتطور أحياناً، وتجعلهم يحنون إلي ركوب الجمال عوضا عن السيارات والطائرات… ولهذا نجده في الحلقة التي خصصها لمناقشة مدي عدالة الشرعية الدولية، يسير علي هدي الإعلام السوري، وطريقته الشهيرة في تفسير المفسر وشرح المشروح، وإعادة اكتشاف أن الأرض كروية، وأنها رغم كل شيء ـ تدور!

فمنذ أن تفتحت عيوننا علي هذه الدنيا الفانية، ومنذ تعلمنا أبجديات الاستماع للسياسة (ولا أقول الكلام في السياسة) كنا نسمع مرارا وتكرار، صباحا ومساء، بمناسبة ومن دون مناسبة، الكثير من الكلام السيئ عن هذه الشرعية الدولية، وقد نشأنا وكبرنا وتوسعت مداركنا وشببنا عن الطوق ونحن نعتبر الحديث عن الشرعية الدولية، حديث الساعة وكل ساعة، مشجب الهزائم وعنوان المظالم، مصيبة المصائب وكارثة الكوارث… وخصوصا حين ننظر إلي فلسطين، أو نتذكر الجولان، أو نستعيد سنوات الجمر في جنوب لبنان، أو حين نري كيف عالجت هذه الشرعية مأساة مخيم جنين، وقضايا المبعدين واللاجئين، والكثير الكثير مما لا يتسع المجال لاستحضاره والحديث عنه!

وهكذا صار نقد الشرعية الدولية موضوعاً احتياطيا جاهزا في إعلام الأنظمة العربية الشمولية، وهو رغم أنه مستهلك حتي الثمالة، ومكرور حتي الضجر، إلا أن ذلك لا يمنع أن يعاد تلميعه وإثارته وطرحه، للهروب من المشكلات الداخلية، والأزمات التي تصنعها أنظمة الحكم المحلية في حياة شعوبها!

وحين يأتي برنامج مثل (الاتجاه المعاكس) في قناة هامة مثل (الجزيرة) ليستهلك من جديد هذا الموضوع المستهلك، فإنه لا يضيف جديدا، لا بالنسبة لقناعاتنا الحقيقية بأن هذه الشرعية الدولية لم تكن عادلة يوما في التعامل مع قضايانا، ولا بالنسبة للأمثلة التي يستحضرها الضيوف في نقاشهم وآخرها: دارفور!

طبعا قد يقول قائل: إن هذا البرنامج الجماهيري لا يتوجه لأمثالك ممن يمتلكون قناعات وأفكار معينة، أو من يرون في هذا الموضوع أمرا بديهيا، بل هو يتوجه إلي شرائح أخري أوسع، ربما تحتاج إلي مزيد من التعمق في مناقشة هذا الموضوع… لكن استطلاع البرنامج نفسه يفند هذه الفائدة المفترضة، فقد عبّر جميع من شاركوا في الاستطلاع حول عدالة الشرعية الدولية، أي ما نسبته (95%) تقريبا بأنهم لا يثقون بالشرعية الدولية، والغريب أن هذه النسبة لم تتغير في نهاية البرنامج، بل ظلت تحوم في منتصف التسعينيات المئوية وكأنها نتيجة استفتاء رئاسي في نظام ديكتاتوري عربي.

إذن، الجميع تقريبا مقتنعون ومنذ البداية بالنتيجة التي أجهد البرنامج نفسه وضيوفه في شرحها وتفسيرها، وقد ظل الجميع علي قناعاتهم دون زيادة أو نقصان يذكران… فهل أفضل من هذا الاستفتاء برهاناً، علي أن البرنامج قد فسر الماء بعد جهده بالماء، متناولا موضوعا مطروقا مستهلكا، يطيب لإعلام منقرض وشمولي مثلا الإعلام السوري أن يزيد ويعيد فيه حتي يهرب من قول حقائق أخري؟

أكثر من ذلك، تماهي الدكتور فيصل قاسم في هذه الحلقة في استحضار روح الإعلام السوري بكل بلادتها، حين تحول من محاور إلي مستمع، ككثير من المذيعات الفاتنات في البرامج السياسية، فبعد مقدمته وسؤاله الافتتاحي لضيفه الأول ثم لضيفه الثاني، وجد الدكتور فيصل نفسه، وهو يقلب وجهه ذات اليمين وذات الشمال، حسب مصدر الصوت، ووجهة نظر المتكلم، وخصوصا أن الضيفين (فيصل جلول وأكرم البني) كانا علي درجة من التوازن والتزام آداب الحوار، لدرجة أنهما لم يكونا بحاجة لأي فيصل كي يفصل بينهما… وأخذا يتوزعان حصص الحديث، حتي قاربت الحلقة علي الانتهاء، فاضطر صاحب البرنامج لأن يطرح ما بقي في ورقته المتثائبة من نقاط، فإذا به يعيد بعض تساؤلات المقدمة بلغة أكثر كاريكاتورية وخفة… وقد تلبسته روح الإعلام السوري مرة ثالثة، حين طرح أهم نقطة كان يمكن أن تثير الحوار حول (غياب الشرعية العربية) وحين مر عليها مرور الكرام، وكأنه كان يقولها علي سبيل رفع العتب… رغم أنها كانت يمكن أن تشكل محورا صغيرا للإضافة في هذا الموضوع المستهلك حتي الثمالة.

إن حلقة (الاتجاه المعاكس) الآنفة الذكر، وسواها من الحلقات، التي تخرج من حرارة الحدث نحو برودة التنظير واستحضار الأمثلة التاريخية، تبقي مثالا علي الحالة التي وصل إليها البرنامج، وعلي الروتين الذي أخذ يتسلل إلي روحه، ويطبع أداءه ورؤيته، بعد أن صارت الحيوية والجرأة والتجدد ذكري من ماضٍ فر في (الاتجاه المعاكس)! شرعية التعذيب في أقسام الشرطة! في نفس اليوم الذي كان يجهد الدكتور فيصل نفسه في هجاء الشرعية الدولية الزائفة، نقلت (الجزيرة) خبرا في شريطها الإخباري عن حادثة رمي عناصر من الشرطة لأحد سكان قرية العمرانية في محافظة الجيزة بمصر من شرفة منزله، بسبب عدم تنازله عن شكوي قدمها بحق أمين شرطة… في حين ادعت وزارة الداخلية المصرية أن القتيل كان طرفا في مشاجرة وألقي بنفسه هربا من الشرطة!

وقد دفع هذا الخبر بـ(الجزيرة) لمناقشة قضية إساءة معاملة موظفي الشرطة المصرية للمواطنين، في برنامجها اليومي (ما وراء الخبر) مشيرة إلي حوادث بارزة في هذا السياق تابعتها الصحف المصرية!

وكانت قناة (المحور) المصرية، قد قدمت قبل أيام في برنامجها الشهير (تسعون دقيقة) متابعة جريئة لحادثة سكب مادة مشتعلة علي جسد أحد الشبان وإشعال النار فيه، بسبب اتهامه بسرقة كابلات كهربائية في قسم شرطة (سيوه) في مصر أيضا… وقد حضر شقيق المجني عليه مع وجهاء من المنطقة ليتحدثوا عن صدمتهم الشديدة مما جري، وأن كل مواطن في هذه المدينة المسالمة لا يمكن أن يسامح أمين الشرطة بما فعله! والآن… إذا كانت الشرعية الوطنية تفعل هذا بالمواطن العربي… ويعرف الجميع أن هذه الأمور لا تجري في مصر وحدها… إذا كان المواطن العربي لا حق له، ولا حرمة، ولا من قانون يحترم آدميته، وشرعية مواطنته، وعلي أيدي أنظمة، لا تدعي الوطنية فقط، بل تعتبر نفسها هي الوطن بكل ما فيه، وهي الأمن والأمان والعين الساهرة والحق والمصان… فماذا سننتظر من الشرعية الدولية؟!

بأي عين سنواجه هذه الشرعية الدولية الجائرة، التي تنحاز لإسرائيل، وتبارك القاتل والمغتصب، حين يجد المواطن العربي نفسه كائنا غير شرعي، في زمن غير شرعي، وتحت سقف أنظمة غير شرعية؟

مرة أخري… لن يكون للعرب أي وزن لا في الشرعية الدولية ولا في موازين القوي، ولا في أي محفل لصنع القرار العالمي أو الإقليمي… حين يكون الإنسان العربي بلا قيمة ولا كرامة… يهان حتي في أقسام الشرطة… فما بالكم بما يحدث له إذا وصل إلي فروع المخابرات لا سمح الله؟!

عبقرية الانقسام! أغرب تعبير سمعته في المحطات اللبنانية أثناء الانتخابات الأخيرة في لبنان، هو تعبير (الشعب المتني) للإشارة إلي سكان منطقة المتن الذين كان عليهم الاختيار في انتخابات كسر عظم (مارونية ـ مارونية) بين مرشح التيار الوطني الحر، ومرشح حزب الكتائب اللبناني!

سكان منطقة المتن الذين كان يحق لهم الاقتراع، لا يتجاوز عددهم الثمانين ألفا، وقد صنع منهم التناحر السياسي، (شعبا) يسعي كل فريق لاستمالته واسترضائه وتجييش مشاعره ضد الفريق الآخر… فأي شعور بالوحدة الوطنية سيجمع اللبنانيين، ماداموا قادرين علي الانقسام علي شاشات التلفزيون إلي هذا الحد؟!

يستحق اللبنانيون: سياسيون ومستثمرو مصائب وإعلاميو تلفزيون… وسام العبقرية في التقسيم والانقسام!

كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية