د. فايز رشيد
حالة الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة (بسلطتيهما) تتعمق للاسف يوما بعد يوم.. فاضافة الي افتقاد ما يؤشر الي امكانية (ولو بسيطة) للخروج من عنق الزجاجة وتجاوز المأزق الداخلي وتداعياته المدمرة علي مجمل المشروع الوطني وعموم القضية، فان الاشتراطات والاخري المضادة (من الجانبين) جعلت كل مبادرات القوي الديمقراطية الفصائلية الفلسطينية لاحتواء الازمة تذهب سدي، مما يثير تساؤلا كبيرا حول وجود نوايا حقيقية لدي الطرفين للخروج من هذا الانقسام.
هذا لا يعني في مطلق الاحوال توقيف مبادرات الفصائل الديمقراطية لايجاد الحلول، بل عليها تكثيف جهودها الوطنية لاحتواء هذه الحالة، مستعينة بالقوي والكفاءات الفلسطينية الاجتماعية من اجل انجاح مهمتها، كتيار ثالث في الساحة الفلسطينية مؤهل بتجربته التاريخية النضالية وتضحياته الكبيرة، ونهجه السياسي والكفاحي القائم علي برنامج القواسم المشتركة بين كافة الفصائل الفلسطينية، والتمسك بالثوابت الوطنية المتمثلة في حق العودة، وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس علي طريق تحقيق كامل الاهداف الاستراتيجية. لا يقل عن ذلك اهمية ايضا، الانشداد الدائم نحو انجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية باعتبارها مخرجا وحيدا للخروج من الازمة، ومحددا رئيسيا للانتصار وانجاز الحقوق لمطلق شعب في مرحلة التحرر الوطني، وهي التي ما زال يعيشها شعبنا الفلسطيني، وايضا التمسك بحق الشعب الفلسطيني بالمقاومة بكافة الاشكال والسبل، بما في ذلك الكفاح الوطني المسلح، وهو الذي اتاحته وشرعته الامم المتحدة في قرارات واضحة (لا لبس فيها) لكافة الشعوب المحتلة.
نكرر ذلك انطلاقا من خصوصيات الساحة الفلسطينية اولا، ولحراجة ودقة الظرف السياسي الاقليمي والدولي الحالي، حيث تجري استعدادات علي قدم وساق لانجاز تسوية، إن بحث (آفاقها) في مؤتمر دولي وفقا لتوضيح الناطق الرسمي باسم الرئيس بوش، او فيما يبدو انه (تليين) للمواقف الاسرائيلية المتعنتة بالنسبة للحقوق الوطنية الفلسطينية، مع العلم ان هناك ثوابت وخطوطا حمراء اسرائيلية (متفق عليها بين اليمين واليسار) فيما يتعلق بهذه الحقوق، وايضا هناك رسالة ضمانات امريكية ارسلها بوش لشارون، تتضمن التواؤم الامريكي مع الرؤية الاسرائيلية للتسوية، وليس هناك في الافق ما يشير الي تغيير حقيقي في وجهة نظر اسرائيل حول المستقبل مع الفلسطينيين، وكذلك بالنسبة للمبادرة العربية، التي تفهم منها اسرائيل ممارسة التطبيع قبل ابداء ما يعتبر انه تنازلات (من جانبها)، هذا ثانيا، وثالثا من اجل تعزيز قدرة المجابهة الفلسطينية لهذه الاستهدافات. الاتجاه الفصائلي الديمقراطي او (التيار الثالث) المتمسك بالانجازات الوطنية، ان في صلابة وقوف نضالات الجماهير الفلسطينية في وجه كل المحاولات الهادفة لطمس الهوية الوطنية لشعبنا، او في الحفاظ علي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن وفي الشتات والمناداة بضرورة اعادة بنائها واصلاحها في اطار من الديمقراطية الحقيقية وتفعيل المؤسسات لتكون الحاضنة لكل الوان الطيف الفلسطيني الفصائلي وكل القوي الاجتماعية الفلسطينية، واجراء المراجعة النقدية الشاملة لمرحلة اوسلو وتداعياتها الخطيرة ونهجها والاستفادة الحقيقية من دروسها، هذا التيار معني بانجاز مهمته وتوحيد صفوفه والنأي بالهدف الوطني بعيدا عن المناورات والمصالح الضيقة، مثلما هو معني بقطع الطريق علي اصحاب اتجاه وحركة متنامية بدأت بترتيب اجندتها في الوطن وفي الشتات، وهي تحمل نفس الاسم ولكن بمسميات مختلفة في استغلال واضح للظروف الانقسامية الحالية، والتنكر لعقود طويلة من النضالات الوطنية التاريخية الفلسطينية من خلال الترويج (لعقم) تجربة الفصائل ودورها (التدميري) باعتبارها السبب الرئيسي والمباشر في ما آلت اليه الساحة الفلسطينية من اوضاع! وفي الوقت الذي لا ننكر فيه دور اتجاهات معروفة ومحددة من بعض الفصائل في الوصول الي حالة من الاقتتال الفلسطيني الداخلي وصولا الي حد الاحتراب والدخول في نفق فلسطيني مظلم وخطير، فاننا ننادي باخضاع هذا الاقتتال الي التشريح التقييمي من خلال الحوار بهدف محاكمة المتسببين فيه، والاستفادة الحقة من دروسه بترسيخ نهج تحريم الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، وهو الذي كان سائدا علي مدي عقود طويلة من عمر الثورة المعاصرة. من زاوية ثانية، فان تجربة مريرة مثل الاقتتال لا تلغي دور الفصائل في الثورة وفي تضحياتها وتحقيق الكثير من الانجازات ايضا لشعبنا ولا تلغي الاهمية لاستمرارية هذا الدور.
مما لا شك فيه، ان احد اهم الاهداف الامريكية والاسرائيلية والغربية عموما هو تسويد وتسخيف تجربة الفصائل وتصويرها (بالبلاء للشعب) انطلاقا من محاولة ترسيخ مفهوم (عقم) المقاومة المسلحة للشعوب المحتلة والاعتماد علي الاساليب التفاوضية السياسية، وهو نفس المنزلق الذي يقع فيه هؤلاء، فاضافة الي افتقاد ما اصدروه من وثائق (هي بين يدي) الي كلمات (العدو الاسرائيلي) و(المقاومة المسلحة) فان اهدافهم تتمثل في اعتماد برنامج كفاحي وسياسي تفاوضي، يعيد الاعتبار للأساس الوطني والقانوني للمفاوضات)، اما مقاومة الاحتلال فهي من وجهة نظرهم تتلخص في (التركيز علي المقاومة الشعبية باعتبارها عملا سياسيا وجماهيريا ينسجم مع اخلاق قضيتنا… الخ). هذا غيض من فيض.
ما نود التأكيد عليه هو ان نجاح اية حركة لا يرتبط فقط بتبني الاهداف الجماهيرية، وانما ايضا بالاساليب الكفيلة بايصال الشعب الي هذه الحقوق، والا سيبدو التبني لفظيا فقط!
ہكاتب من فلسطين 8