عناية جابر
قرأت كثيرا خلال الاسبوعين الماضيين. اجهزت علي كمية لا بأس بها من الكتب الثمينة، اذ كان من المستحيل تحت هذه الشمس اللاهبة وتشع باكرا مرخية لهبها علي البشر والحجر، ممارسة رياضة المشي، فكان ان خصصت للقراءة في احد المقاهي البحرية، الفترة عينها التي كانت قدسا قدوسا لممارسة رياضتي المحببة.
احببت جدا بيوغرافيا الجوع لأميلي نوثومب، الكاتبة السوبر ستار اليوم، ابنة سفير بلجيكي مكنتها وظيفة والدها من كتابة ترحالها الدائم في انواع من العيش ادرك اليابان والصين ونيويورك وبنغلاديش وكمبوديا ودول الشرق الاقصي، خصوصا الارخبيل الاوقياني فانواثو وعرف في الماضي بـ هيبريديس الجديدة من موقعه في عرض البحر قبالة شواطئ كالدونيا الجديدة وجزر فيجي. نوثومب ببراعة ورشاقة قلمها، مع حسن فكاهة بالغ، خاضت في بيوغرافيا الجوع في مأساة انتفاء الجوع في فانواثو! المأساة التي لم يتطرق اليها احد من قبل، شأن الامراض اليتيمة التي لا تحظي باهتمام البالغين.
عاودت قراءة الكاتب الصيني داي سيجي في رائعته بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة حائزة علي غونكور، سرحت متمهلة في التلذذ بتلك الشحنات السردية لدي سيجي، ومحملة هذه بالنظرة الانتقادية الساخرة، والمعلومة الجديدة، وان بدا الاعتناء باللغة مبالغا به، فأثث قاموسية الي حد حتي مع سهولتها وانسيابها، وذلك شأن القادمين الجدد الي لغة غير اللغة الأم، فسيجي الصيني كتبها بفرنسية فخيمة راقت للفرنسيين، فلاقت استقبالا نقديا احتفائيا، نوه بقيمتها الادبية والسينمائية، جامعا فيها الراوي بين الفنين بأسلوب أخاذ. روايته تمحورت حول الممانعة التي نشأت ضد الايديولوجية المهيمنة في عهد ماوتسي تونغ. فالرواي وصديقه يؤديان بالتناوب دور شهرزاد الأدب الغربي، ففي مجتمع حيث ينفي المثقفون الي الريف من اجل اعادة تأهيلهم من قبل الفلاحين الفقراء تعيش تلك الخياطة الصينية الصغيرة التي تتظاهر بحياكة الصوف بينما هي تكتب قصائد في رأسها، لما يحولها الاستماع الي روايات بالزاك، تحويلا جذريا.
قرأت ايضا وانا ألامس الماء في المقهي البحري الغابة النروجية لأحد ابرز روائيي اليابان والعالم اليوم هاروكي موراكامي، حيث كل رواية له هي حدث. شاب جامعي يموت صديقه فيعيش الموت كمفصل من مفاصل الحياة، وتتحول حياته الي اخيلة جنسية كاشفة التداعي بين الاشياء واختلاط الواقع بالحياة، والموت بالحياة، والعقل بالجنون. ذكرني موراكامي بالياس خوري، حيث السرد هو الحياة، والحياة هي السرد، وحيث كتابة غابة الاخيلة بعد زمن من حدوثها، هو ما نتذكره منها، وحيث ما نتذكره ونكتبه هو ما نتمناه فعلا، ضياع الحد بين السرد والواقع، الوعي واللاوعي.
سعدت ايضا بقراءة كتاب دلتا فينوس لأناييس نن، بعد ان كنت اغرمت بقراءة يومياتها. عملها هذا، وتأتي فيه علي ذكر زمن كانت فيه بصحبة الكتاب هنري ميللر وادموند ولسن وغورفيدال وجونا بارنيس وجيمس آجي ولورنس داريل، يتناوبون جميعا وهم الشخصيات الادبية البارزة علي كتابة قصص مثيرة للشهوة الجنسية وتتضمن دلتا فينوس الكثير الغريب والمثير، كتبته نن. ايروتيكا بثمن دولار للصفحة الواحدة، ليبدأ سيل القصص الفائحة بالشبق، محض خيال هؤلاء الكبار في وجههم الآخر الانساني، الذين ما كانوا ليتورعوا عن الانخراط في مغامرات من اي نوع، منها هذيانهم النشط هذا، وتمثل في نوع الكتابة الوقحة الدقيقة، مدعاة التساول الكبير عن اسرار دواخل كتّاب كبار، كما دواخل الناس العاديين جدا، الظاهر ونقيضه.
متعتي المتجددة، غذاء روحي وحبي الذي لا يتنازل عن غطرسته قيد أنملة، كان مع قراءة الحارس في حقل الشوفان ج. د. سالنجر، ربما للمرة المليون، في اعادة طباعته، والترجمة لغالب هلسا الذي يتقن الغوص بعربية متمردة ومشرقة، تشبه تماما كتابة سالنجر في رائعته وانموذجه الأمثل للكتابات التي عرفت في ما بعد بكتابات الغاضبين، حين عبر اثرها جيل الرفض في امريكا عن تبنيه لهذه الرواية برفع شعار كلنا هولدن كولفيلد وهو اسم بطل هذه الرواية، ومفتاحها هو كلمة الزيف التي تتردد علي مدي الرواية، فباستثناء الاطفال، الكل مزيفون.
حصيلة قد تبدو ضحلة من حيث الكم، دسمة وكثيفة في اشباعاتها وادركت بعض الجديد، ومعاودة قراءة بعض القديم. الحر، الحرمان من رياضة المشي، الانتخابات المتنية والبيروتية واستحقاقاتها؟ لا بأس. القراءة تبدل الثقل وتمنحنا حياة بديلة، طرية، شتائية، يرمح فيها الفكر والقلب، وتختفي في اخيلتها شخصياتنا السياسية اللبنانية.. العظيمة.