بغداد.. كيف تنامين؟

حجم الخط
0

كيف تغمض عيناك يا بغداد وهي التي تلألأت بشعاع قمر العشاق وهو يتراقص علي صفحات مائك وسنائك؟ كيف تغمض عيناك يا بغداد وتتركين قمرنا، وهو حبيبك ورفيق عمرك، وحيدا فريدا.. حزينا كئيبا.. تائها ضائعا بين النجوم وبين الغيوم.. كيف تنامين وخصلات شعرك المهفهفة تتماوج مع حركة أغصان الصفصاف وسعف النخيل حين يهب النسيم العليل بين ثناياك ورحابك.. كيف تنامين وأنغام الجالغي البغدادي ترن في كل أذن من آذانك وبكل ركن من أركانك!

؟ كيف تنامين يا بغداد وتتركين شارع ابي نؤاس بؤنسه وناسه، بزحمته وصخبه، بأنواره و حركته، بمطاعمه و مسقوفه.. مهجورا.. مغدورا.. يبحث عنك!

؟ كيف تنامين وليالي هارون الرشيد العتيدة صورة من لياليك.. وقصص الف ليلة وليلة جزء من قصصك وتراثك! لا يا بغداد فأنت والنوم ضدّان لا يجتمعان!

بغداد.. أين عشاق زورائك.. أين مدينة ألعابك.. أين زحمة أسواقك.. أين شارع النهر.. أين النخل والشجر.. أين دجلة الخير.. أين رحلة الليل.. أين الشاي والهيل.. ؟ تكلمي.. تحدثي.. أجيبيني.. إفتحي عينيك يا بغداد.. نحن لا ننظر الي بهاء الدنيا وجمالها إلاّ من خلال عيونك.. ولا نستمع الي أهازيج الطيور وألحانها الاّ في ربوعك.. ولا نشعر بلذة الحب والحياة إلاّ في ثناياك.. فلا حراك لنا دون حراكك.. ولا إستقرار لنا دون إستقرارك.. ولا سعادة تنتظرنا غير سعادة قربك.. ولا شمل يلمّنا غير شمل أرضك وسمائك. إستيقظي فالنوم لا يليق بك يا بغداد.. نحن كالأيتام بدونك.. أنت أمّنا ولن تروق لنا أمّ غيرك.. وأنت ملاذنا ولن تهدأ أنفسنا بصدر غير صدرك.. وأنت سكينتنا فلن تغمض عيوننا بليل غير ليلك.. نحن لا نفرح إلاّ بفرحة نصرك.. ولا نتبسم إلاّ لبسمة ثغرك.. ولا نرتوي إلاّ بماء دجلتك.. ولا نطرب إلاّ بعزف عودك وقانونك.. ولا نشم إلاّ عبيق وردك ورياحين ياسمينك.. ولا نتلذذ إلاّ بأكل شبوطك وقطانك.. ولا نضحك إلاّ لفكاهاتك ونوادرك.. ولا نستمع إلاّ لقصصك وأحاديثك!

إفتحي عيونك لنا يا بغداد، فنحن بدونك ضائعين..! فلا أرض تأوينا.. ولا ماء يروينا.. ولا صدر يضمنا أو يحوينا..! بغداد كيف تنامين..! ؟ إستيقظي، فستجدين بئس ما تجدين.. ستسمعين نواح الثكالي بديلا عن أهازيج الأفراح في أزقتك وأحيائك فما أقبح ما ستسمعين! ستشاهدين قمم المنائر الساحرة التي كانت تعانق الغيوم قد سوّيت بالأرض فما أبشع ما ستشاهدين! سترين دماء الأبرياء تجري رخيصة كالأنهار في أديم رصافتك وكرخك فما أنكي ما سترين! ستشمين روائح بارود الغدر والضغينة بديلا عن عطر المسك والعنبر فما أكره ما ستشمين! ستعرفين بان أواصر الحب والألفة بين أركانك وثناياك قد قطعت إربا إربا فما أحزن ما ستعرفين! ستدركين بأن أبناءك قد هجروا أرضك لأن أيادي الغدر والظلام لم تعف أحدا منهم، حتي تماثيلك ورموزك لم تسلم منهم! فما أدهي ما ستدركين! حتي طيور السند والهند التي تزورك في ربيعك وصيفك قد هجرت أعشاشها وغابت عن سمائك وفضائك فما أغرب ما ستلاحظين! ستجدين الأعداء في أرضك قد تكاثروا.. والحاقدين من حولك قد تناثروا.. الكل ينهش في جسدك.. ويعبث بروحك.. ويدمر في كيانك… فمنهم من يريد حرقك وقتلك لأنك جمعت بين جمال الطبيعة وأناقة الجغرافية وبداعة التأريخ.. ومنهم من يريد أن يسلبك ويسرقك لأنك غنية بمائك ونفطك ونخلك وعقولك.. ومنهم من يريد أن يدفنك ويطمرك لأنك رمز الحضارات ومكرمة الدنيا ودرّة الزمن.. بغداد كيف تنامين.. ؟ كيف تنامين والكارهون يتربصون فيك؟ يكرهونك لأنك الحياة وهم الموت، ولأنك النور وهم الظلام، ولأنك الوجود وهم العدم.. يتربصون بك لأنك الحب وهم الكراهية وأنت الإخلاص وهم الغدر وأنت العلم وهم الجهل.. يحقدون عليك يا بغداد حيث أنت الغني وهم الفقر وأنت الصبا وهم الشيخوخة وأنت الخير وهم الشر.. بغداد كيف تنامين، وأنت حضارة الأجداد.. مستقبل الأحفاد.. وواحة الأمجاد.. ؟ إستيقـظي.. تيقظي.. إعترضي.. إنتفضي.. تحرري.. وإنتصري.. فإنك بغداد.. د. محمد مسلم الحسينيبروكسل6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية