دمشق ـ “القدس العربي” ـ من أنور بدر: بداية نقول أنّ مهرجان قصيدة النثر الأول الذي استضافه المركز الثقافي الروسي بدمشق مؤخراً كان فرصة للإطلالة علي المشهد الثقافي المنفلش في عشوائيته، فإذا كان المركز الثقافي الروسي قد استضاف هذا المهرجان فإنّ جهداً شخصياً للشاعر فاتح كلثوم كان وراء تنظيمه، وهو مشكور علي هذه المبادرة، لكنّ أي مهرجان يتسع لمساحة بلد فإنه يحتاج إلي جهود تنظيمية مؤسسة علي أكثر من المبادرة الفردية. وهذا يفتح علي أسئلة أخري حول غياب اتحاد الكتاب العرب ولجنة الشعر فيه، أو وزارة الثقافة، وحتي الإعلام الرسمي عن احتضان هذه التظاهرة، رعايتها، دعمها، تطويرها.. شارك في هذا المهرجان (35) شاعراً من أجيال عمرية مختلفة، ومن تجارب أكثر تبايناً. وكانت المستويات متفاوتة أيضاً، وربما هذا ما شجع بعض الأسماء علي التخلف عن المشاركة. بعدما أُعلنت الأسماء، وربما كان هذا سبباً لاعتذار البعض منذ بداية الفكرة، فغابت أسماء مهمة في قصيدة النثر السورية، واعتذرت في اللحظات الأخيرة هنادي زرقا وكذلك علي سفر، علي أهميّة تجاربهما الإبداعية. لكنّ ذلك لم يثن ِ كل من فؤاد كحل، ميرزا ميرزا، آصف عبد الله، طارق عبد الواحد، جودت حسن، محمد المطرود أن يقدموا مساهماتهم الجميلة، والمفتوحة علي حالة إبداعية متمردة من قيود الوزن والقافية ومن بلاغة اللغة المقعرة. لنذهب في اقتفاء أثر الرؤيا وحواملها الفلسفية فيما تبقي منها، والأكثرية كانت تكرز علينا من قصائدها الشعرية أو ما يُعرّف بقصيدة اليومي والمعاش، التي أعلي من شأنها الراحل محمد الماغوط في كل ما أصدره من نصوص أخيرة. ويبدو هذا التأثير واضحاً في رغبة الكثير من الشعراء المشاركين في هذا المهرجان، أن يطلقوا علي قصائدهم التعبير الماغوطي نصوص. بعد ذلك انثالت علينا تجارب جديدة في هذا المهرجان، بعضها كان موفقا في التقاط ما هو شعري داخل مصطلح النثر، وبعضها الآخر كان خارج الحالة الشعرية، وقسم ثالث قرأ علينا ما اصطلح علي أنه قصائد نثر أو نصوص نثرية، لنكتشف أنها مثقلة ببلاغة ومفردات تراثية لا تليق بمن هو دون المتنبي وأبي تمام، بل إنّ موسيقي شعر التفعيلة، ونظام المقطع الصوتي كان يدعونا لتصنيف هكذا مشاركات في خانة خارج حدود قصيدة النثر. لكنّ الأسوأ هو وجود مشاركات لا تجيد اللغة العربية، ولا تجيد الإلقاء، ففوّتت علينا فرصة سماع نص أدبي إن لم يكن شعرياً، وهذا يُعيدنا إلي مسؤولية الجهة المنظمة بكل تأكيد. كنت أتمني أن أشير إلي كل حالة بعينها، لكنني فضلت الخروج من دائرة توزيع العلامات، وإحالة الإشكالية في هذا المهرجان علي ضرورة وجود رعاية ولجان قراءة وتحديد مستويات قبل المشاركة دون أن ينفي ذلك أو يُقلل من أهمية هذه المبادرة التي حفلت بجانب نقدي أفضل من خلال مساهمات الدكتور خالد الحسين في دراسة عن الشاعر الراحل رياض صالح الحسين، وعبد القادر الحصني عن الشاعر إسماعيل عامود، والدكتورة ندي عادلة عن الشاعر سليمان عواد وغسان غنم حول أدب الماغوط. تبقي الإشارة إلي كثافة المشاركات النسوية في هذا المهرجان، وهذا بحد ذاته شيء يدعو إلي التفاؤل، رغم توزعها علي مُجمل سويات المهرجان، مع التأكيد علي وجود جرأة أدبية في التقاط الصور الشعرية المفتوحة، وفي اصطياد المتناقضات الغنية في خصوصية واقع المرأة وإشكالاتها.
ہہہ نص مداخلة الدكتور خالد الحسين حول الشاعر رياض صالح الحسين. استراتيجية الكتابة الشعرية لدي رياض الصالح الحسين تمكن مقاربة الخطاب الشعري للشاعر السوري رياض الصالح الحسين من خلال إدراجها في سياق قصيدة النثر التي انفجرت في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته لتستمر حتي اللحظة الراهنة، من حيث انَّ قصيدة النثر مغامرة قائمة علي تقويض النسق الشعري السابق عليها متمثلاً بتجلييه (قصيدة العمود) و(قصيدة التفعيلة) وتأسيس جماليات شعرية عبر المزج بين آليات الجنس الشعري وضديده النثري. في هذا السياق تشكلت تجربة رياض الصالح الحســـــين عبر رباعية شعرية: خراب الدورة الدموية ـ 1979، أساطير يومية ــ 1980، بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس ــ 1982، وعل في الغابة ــ 1983. في هذه المجاميع الأربع يمكن بسهولة مطاردة استراتيجية الكتابة الشعرية في تجربة رياض إذ تبرز في المجموعة الأولي عبر اتخاذ الحدث الشعري طابعاً فانتازياً وتهويماً لغوياً والاتكاء علي الموضوعات العامة في بناء القصيدة: كئيباً ومنفتحاً كالبحر، أقف لأحدثكم عن البحر مستاءً وحزيناً من الدنيا، أقف لأحدثكم عن الدنيا متماسكاً وصلباً ومستمراً كالنهر، أقف لأحدثكم عن النهر ــ ص7 لكن هذا التشكيل العام للعالم يبدأ رويداً رويداً بالانحسار لحساب السياسي واليومي وبروز التفاصيل الصغيرة مع انخفاض التهويل من الحدث الشعري، والاتجاه به نحو الواقعية واستمرار السرد وآلية التكرار النحوي في مجموعة أساطير يومية: أنا رجل وسيم طولي 196سم أنا تراكتور معطوب أبحث عن عمل منذ ثلاثة أشهر وتوابيت جلست في المقهي لأشرب شاياً ممزوجاً بالدبابيس جلست في مقهي النساء فيه يتدلين من الأشجار كما تتدلي مصابيح النيون في معرض دمشق الدولي أنا رجل وسيم ــ 53. مع مجموعة بسيط كالماء…. يستغل رياض اليومي ويبدأ ببناء القصيدة حيث يختفي التهـــــويل وتغدو الكتابة الشعرية لديه واثقة من نفسها، مع هيمــــنة التكرار النحوي كاستراتيجـــــية عامة لتوليد القصيدة والاتجاه نحو جماليات التجاور (كمال أبو ديب) بدلاً من جماليـات البلاغة، حيث تنبثق شعرية النص من التجاور بين أشياء العالم لتمنح النص طابعاً مكانياً حاداً. وهذه السمة الأخيرة تطبع المجموعة الرابعة (وعل في الغابة) بقوة: حذاؤك في الزاوية ثوبك فوق الكرسي وفوق المنضدة دبابيس شعرك خاتمك الذهبي وحقيبتك السوداء وأنت معي عارية وخائفة ــ 127. إن استراتيجية الكتابة في تجربة رياض تقوم علي تسريد اليومي بتفاصيله في بنية تكرارية تسعي إلي تأسيس جماليات شعرية بالضد من النسق الشعري السائد لحظتئذٍ. وفي المقابل فإنَّ هذه الاستراتيجية بلغت مأزقها المتمثل بالتماثل علي حساب الاختلاف والنمطـــــية بدلاً من التنوع البنائي للقصــــــيدة النثرية بل إنَّ قصيدة رياض من خلال بساطتها وسهولة تركيبها كان لها دورها النمطي في تكريس تجارب شعرية لاحقة بين الشعراء الشباب تعاني من الفقر الرؤياوي والمعجمي دون قدرة علي رسم آفاق جديدة لقصيدة النثر والخروج من إسار التناص التماثلي القائم علي المحاكاة والتشاكل وإجهاد المعجم اللغوي إلي درجة الغثيان.