أوروبا ونــــحن: رعـــــاية المجــــال الــــــحيوي (1 من 2)
أوروبا معذورة فهي لن تكون عربية أكثر من العرب وقد رأت كيف ضربتهم امريكا وحاصرتهم فازدادوا التصاقاً بهالا بد من التمييز بين أوروبا الشعبية والرسمية فالمجتمعات الأوروبية تتفهم عدالة قضايا العرب وتتعاطف معها أوروبا ونــــحن: رعـــــاية المجــــال الــــــحيوي (1 من 2)سامي لطيف:ـجاء وفد هارون الرشيد إلي الملك الفرنسي شارلمان محملاً بالهدايا، كانت أجواء القصر الباريسي الحجري العتيق مشحونة بالإثارة، تترقب وصول هؤلاء النفر من العرب والمسلمين إلي ضفاف الصين، من بلاد تحوم الأساطير حول غناها وتقدمها ومنعتها وتحضّر أهلها، من العراق والجزيرة العربية والشام ومن بغداد، قبلة التجارة العالمية والمركز الرئيسي في العالم للقوة والنفوذ ورؤوس الأموال..دخل أعضاء الوفد علي الملك، فاقتربوا من العرش وشرعوا يخرجون ما في صناديقهم من هدايا نفيسة اختص بها هارون نظيره الفرنسي تودداً وتألفاً ورغبة في السلام والتعارف والوئام، وحان الوقت ليخرج أعضاء الوفد إحدي النفائس، ساعة ضخمة نصبوها قبالة قوائم عرش الملك، وأداروها وهم يشرحون له كيف تعمل والغرض من عملها، حتي وصلوا إلي أن دقت الساعة العملاقة، هنالك عقدت ألسنة شارلمان والحاضرين وأخذ فيهم الخوف كل مأخذ، ففروا هاربين من قاعة العرش تاركين أعضاء الوفد العربي في حيرة شديدة! التاريخ كائن حي لا يموت إلا يوم القيامة، لذلك هو الكائن الحي الأكثر خلوداً والأكثر تأثيراً، وايضاً الأكثر تعرضاً للهجوم والتحوير والتزييف والتشويه والردم والتناسي علي وجه الأرض..وأنا اعتقد أنه من العبث تجاهل التاريخ وتناسيه في أي ظرف أو مكان أو زمان، والذي يغامر ويفعل يحكم علي حركته بالفشل، والشعب الذي لا يقرأ ويستوعب ويستحضر التاريخ ويضعه نصب عينيه هو شعب يأخذ طريقه إلي الحضيض بقوة اندفاع هائلة..والأوروبيون بيننا وبينهم تاريخ، كما أن بيننا وبينهم حاضر وأمامنا وأمامهم مستقبل، ولما كنا الطرف الأقل تقدماً وحظاً علي صعيد التقنية والموارد والقدرات كافة، ولمّا كان الطرف الأكثر تقدماً يعمد دائماً إلي سوق الطرف الآخر إلي حيث يريد قسراً، من الزي إلي نمط الحياة إلي أسلوب الاستهلاك إلي طرائق التفكير بل والي المعتقدات الأيديولوجية والتطبيقات السياسية والاقتصادية والمناهج الثقافية، لكل تلك الاعتبارات فان من مصلحتنا نحن الطرف الأضعف في هذه العلاقة ـ لسوء الحظ ولأسباب أخري ـ أن نستحضر التاريخ دائماً في كل شيء: في قراءاتنا لما يحدث وفي استنتاجاتنا لما سيحدث، من واجبنا أن نستدعي التاريخ علي عجل في كل قرار نفكّر في اتخاذه، ضماناً وتأميناً كي لا نقع في المحظورات التي وقعت فيها الأمة في أزمنة غابرة فدفعت بل ولا تزال تدفع أثماناً باهظة لخياراتها الخاطئة..يجب أن نتحلي بالجهوزية التاريخية إذن، هذا ما يفرضه المنطق علي أمة سادت زمناً ثم تردّت وهوت إلي التبعية والتخلف لأسباب كامنة وأخري خارجية، ولهذا فأنا أعتقد بصوابية الدعوة التي كان الأخ العقيد معمر القذافي قد أطلقها من الجزائر وتحريضه للجزائريين لمطالبة الفرنسيين بالتعويض عن المرحلة الاستعمارية التي دامت 130 عاماً، هذه الدعوة قبل سنوات لم تجد للأسف طريقها للتنفيذ علي أيدي الجزائريين وفعالياتهم السياسية والشعبية والثقافية فوصلنا الآن إلي فرنسا ساركوزي التي تريد إعادة الاعتبار إلي تاريخ فرنسا الاستعماري، التي تريد طمس القراءة التريجولية للتاريخ وتكريس القراءة النابليونية له، والتي تريد طرح مسألة تعويض المستوطنين الفرنسيين في الجزائر ( كان عددهم نحو ثلاثة ملايين) علي الأقل معنوياً، يحدث هذا الآن وعلي مسافة نصف قرن من اندحار الاستعمار الفرنسي من الجزائر ليبرهن علي أن القاعدة الذهبية في العلاقة بين ضفتي المتوسط لا زالت في القرن الحادي والعشرين كما كانت طيلة القرون الست الماضية: الاستعمار يتوفر إذا توفرت شروطه ..بين الأوروبيين وبيننا تاريخ من الدم الطويل، هم لا ينسون ولكنهم يريدون لنا أن ننسي، هم لا زالوا ينشغلون به إلي درجة اللجوء إليه لتفسير سلوكنا في المقاومة الحالية ضد الكيان الصهيوني في فلسطين ولبنان، ولتبرير قراراتهم الجائرة ومواقفهم الخاطئة التي تساوي بين المعتدي والمعتدي عليه، بين الجلاد والضحية، ورغم ذلك يجد الأوروبيون في خطابهم ذرائع لكي يطلبوا منّا نحن أن نتغير، وأن نبدّل قناعتنا ونهيل التراب علي ثوابتنا..وتاريخ العرب مع الأوروبيين هو تاريخ من المظلومية الطويلة، تعرضوا علي مدي ما يزيد عن قرنين ونصف القرن لتسع حملات صليبية قتل فيها 20 مليون عربي مسلم في حين لم يكن العرب مسؤولين عن الرد العثماني علي أوروبا والاجتياح العسكري العثماني لها من الشرق إلي الوسط، من سالونيك إلي أبواب فيينا وبودابست، لم يكن العرب مسؤولين عن تلك الحملات في القرون الوسطي ولكنهم تحملوا وزرها من قبل الأوروبيين الذين أطلقوا علي العرب اسم الترك!والعرب صدّقوا وعود بريطانيا لهم بمنحهم الاستقلال والحرية إذا ما انحازوا لها في الحرب العالمية الأولي والي حلفائها ضد السلطنة العثمانية، فإذا بهم بمجرد انتهاء الحرب أمام سايكس بيكو، الاتفاق الدولي علي تمزيقهم بحسب المسطرة الأوروبية للمصالح والأهواء، مصر والعراق والسودان للإنكليز والشام للفرنسيين، وفلسطين للانتداب الذي كانت مهمته التمهيد والاعداد لتنفيذ وعد بلفور بمنحها لليهود فأوروبا بعد الحرب العالمية الأولي هي التي مكنت اليهود من أنحاء العالم من التجمع في فلسطين، وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية هي التي سلمت فلسطين للصهاينة ودعتهم لإقامة كيانهم وأوروبا هي التي تآمرت مع الصهاينة ضد مصر والعرب في عدوان 1956، وأوروبا ـ عدا ديغول ـ هي التي تتحمل المسؤولية التاريخية عن فقدان العرب لوحدتهم القومية وعدم تبلورهم كأمة في دولة واحدة قبل قرن من الزمان..لا يعني ذلك أن أوروبا كانت خالية تماماً من الرموز المضيئة، من الشخصيات التاريخية ذات السعي الحثيث إلي الرقي الإنساني والعمل الدؤوب علي التواصل الحضاري مع الآخرين في هذا العالم..نذكر من هؤلاء بالطبع شارل ديغول، القامة الشامخة التي امتلكت الرؤية الاستراتيجية وفهمت الدور التدميري الخطير الذي يقوم به الكيان الصهيوني في المنطقة العربية والعالم كله ولخدمة مخططات الهيمنة الأمريكية في كل مكان، لهذا كان له مواقفه المعلنة القوية من العدوان الصهيوني علي العرب عام 67 ومن الغارة الإسرائيلية علي مطار بيروت الدولي عام 68 والتي قرر إثرها إعلان حظر بيع الأسلحة الفرنسية إلي الكيان الإسرائيلي بسبب استخدام طائرات ميراج ـ 5 في تلك الغارة، والموقف الصارم الذي اتخذه تجاه الصهاينة إثر سرقتهم خمسة زوارق حربية فرنسية من ميناء شيربورغ علي المتوسط إثر تواطؤ استخباراتي إسرائيلي / فرنسي ضد قرار الرئيس ديغول بحظر بيع الأسلحة لتل أبيب..وهناك رئيس الوزراء السويدي أوولف بالمه الذي اغتيل بسبب نشاطه الهادف لوقف الحرب العراقية الإيرانية ودفع أوروبا لاتخاذ مواقف مغايرة للرغبة الأمريكية الإسرائيلية في إطالة أمد الحرب في الثمانينات..وثمة ساسة أوروبيون كثيرون تميزوا بالحس العقلاني والتوق إلي العدالة والرغبة في إصلاح الأوضاع الدولية نذكر منهم علي سبيل المثل الرئيس الفرنسي الديغولي الأصل جورج بومبيدو ورئيس الوزراء الاسباني ماريو سواريز والمستشار الألماني ويلي برانت الذي تعرض لهجمة صهيونية عارمة لمحاولته (مجرد المحاولة) اتخاذ مواقف محايدة أو علي المسافة ذاتها بين العرب والصهاينة، وهناك المستشار النمسوي برونو كرايسكي، اليهودي الذي حاول صياغة حل عادل للصراع العربي الصهيوني فاستغله أنور السادات في طبخ كامب ديفيد وصياغة الخروج المصري من الصراع العربي الصهيوني في نهاية السبعينات من القرن الماضي، وهناك رئيس الوزراء اليوناني باباندرو، صديق العرب الحقيقي والذي طالما أغاظت مواقفه الكيان الصهيوني، هناك رموز أوروبية إذن كانت قد ناصرت الحق العربي أو فهمت الصراع بين العرب والصهاينة علي حقيقته فابتعدت عن التأثر بالدعاية الصهيونية، وحاولت ـ خصوصا بعد حرب 73 ـ إقامة حوار متكافئ وصريح وفعال مع العرب، سندلف من التاريخ إلي الواقع السياسي المعاصر، لنجد أن قوساً من الأزمات يحيط بنا وبالأوروبيين، طابعه الدامغ هو اللاعدالة في المواقف الأوروبية تجاه القضايا العربية، والسذاجة العربية(وهذا تعبير ووصف مفرط في التهذيب) في التعامل مع أوروبا، إذ يعاملها العرب منفردين ولكنهم يتلقون نتائج ذلك مجتمعين!أولاً: المؤثر الأمريكي في العلاقة بين أوروبا والعربكان المأمول أن أوروبا المتبلورة سياسياً واقتصادياً في كيان عملاق واحد ستتزحزح عن ممالأة المواقف الأمريكية في الوطن العربي وتجاه القضايا العربية، وتتخذ مواقف اقرب إلي منطق الجوار والعدالة والإحساس بالمسؤولية التاريخية تجاه شعوب مستعمراتها السابقة التي قاست بسبب هذا الاستعمار الطويل صنوف التخلف والحرمان، غير ان القزم السياسي الأوروبي ظل قزماً علي عكس المارد الاقتصادي الأوروبي، فأوروبا عقب انتهاء الحرب الباردة أسرعت خطاها نحو الاندماج بين دولها، وظهرت بوادر تمايز في مواقفها السياسية من القضايا العالمية، وقد نتج ذلك عن قناعة تولدت لدي الأوروبيين في مستهل تسعينات القرن المنصرم بان أمريكا تريد الاستئثار بالعالم والسيطرة علي موارده بعد سقوط المنظومة السوفييتية، وهكذا ظهر من يدعوا في أوروبا إلي الخروج من العباءة الأمريكية، وكانت هناك مرحلة شعرت فيها أوروبا عقب حرب الخليج الأولي بالتهميش من قبل أمريكا، في هذه المرحلة ظهر اتجاه قوي قادته فرنسا وإيطاليا للقيام بدور أنشط وأهم في قضايا الصراع في المنطقة رداً علي التهميش وعلي دور التبعية اللامحدودة الذي تقوم به بريطانيا لأمريكا، وهكذا علي سبيل المثال عقد مؤتمر مدريد (للسلام) واستضافت أوسلو المفاوضات السرية بين منظمة التحرير، أو أطراف في المنظمة إن شئنا الدقة، وبين الكيان الصهيوني، بدأت أوروبا تفصح عن رؤيتها لملامح دور مستقل عن الدور الأمريكي، وكانت أبرز تلك الملامح الاستقلالية:ـ إعلان ضرورة التمسك بتنفيذ قرارات ما يسمي بالشرعية الدولية 242، 338، 425 (لبنان).ـ إعلان رفض سياسة الاستيطان الإسرائيلية.ـ رفض إجراءات القمع الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين.ـ إبداء الاستعداد لتقديم العون الاقتصادي لبناء البنية التحتية في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية..وفي تلك المرحلة، شهدت العلاقات الإسرائيلية الأوروبية تراجعا ناتجاً أساساً عن رفض الكيان الصهيوني أي دور حقيقي وفعال تلعبه أوروبا في حل الصراع، في حين كان أعمدة النظام الرسمي العربي يتبارون في الإلحاح علي أوروبا لتقوم بدورها، دون أن يجرؤوا علي المجاهرة بذلك خوفاً من الغضب الأمريكي..!غير إن التمايز الأوروبي عن المواقف الأمريكية تبيّن لاحقاً انه تمايز وهمي وغير متجذّر وغير قابل للصمود والاستمرار، وتبيّن ان الدافع الحقيقي والأساسي لوجوده لم يكن قناعات متشكلة ورؤي استراتيجية متبلورة، وإنما كان نوعاً من الاحتجاج علي محاولة التفرّد الأمريكي بالعالم والتجاهل الأمريكي المتعمد للقارة العجوز، استمر ذلك طوال المرحلة الأخيرة من عهد كلينتون وتعزّز بوصول بوش إلي ولايته الأولي وقراره بغزو العراق، عارضت أوروبا الغزو سياسياً إلي حد أغاظ بوش ودفع رامسفيلد إلي الحديث عن فرنسا الدولة القديمة وتحدث كولن باول عن أوروبا الضعيفة الهزيلة، ثم جاءت تطورات الحرب في العراق في غير صالح الولايات المتحدة، علي نحو اضطر معه بوش إلي تغيير موقفه من أوروبا في مستهل ولايته الثانية، جاء بوش في جولة خمسة أيام بعد 3 شهور من بدء تلك الولاية ليخطب في بروكسل أمام القادة الأوروبيين: لا توجد قوة علي الأرض قادرة علي التفريق بيننا ، وعاد رامسفيلد ليصرح بحاجة أمريكا إلي أوروبا في محاربة من أسماهم بالمتطرفين الإسلاميين، في تلك الجولة في الربيع / آذار ـ مارس 2005 ناقش بوش مع زملائه الأوروبيين التحديات المشتركة التي تواجه ما أسماه السلام في الشرق الأوسط ، ثم عقد لقاءات خطيرة في نورماندي تالياً مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، أسفرت عن تحول الموقف الفرنسي 180 درجة باتجاه المواقف الأمريكية من الفلسطينيين وسورية ولبنان وإيران وغيرها، وهكذا يبرز الدرس المستفاد: إذا شعرت أمريكا باستغنائها عن أوروبا تتحسس أوروبا وتذهب لتبحث لنفسها عن دور مستقل، أما إذا غلّبت واشنطن روابطها مع أوروبا علي نزاعاتها للتفرّد فإن أوروبا حينئذ ستكون أطوع لأمريكا من حديقتها الخلفية.. أمريكا اللاتينية! وإلا كيف نفسّر هذا التحّول في المواقف الأوروبية خلال أقل من عشر سنوات؟..أوروبا التي وجدت عقب تولي بوش الابن ولايته خلفاً لكلينتون متنفساً في إعلان الرئيس الأمريكي الجديد ان بلاده ستتوقف عن رعاية مفاوضات بين العرب والإسرائيليين (كان هذا في الأساس استجابة لمطلب إسرائيلي ملح ورداً علي سياسة كلينتون في المثابرة علي إدارة حوار بين النظام الرسمي العربي والكيان الصهيوني)، راحت أوروبا تلك تبحث لنفسها عن دور ملء الفراغ بالوساطة، وكي تقدم نفسها كوسيط، لجأت إلي انتقاد سياسة الاستيطان، وأصرت علي اعتبار عرفات طرفاً في المفاوضات، وفي تلك الفترة ظهرت لجنة ميتشيل الخماسية، المكونة من ثلاثة برلمانيين أمريكيين واثنين أوروبيين أحدهما خافيير سولانا، فواجهت القيادة الصهيونية ذلك كله بعجرفة منقطعة النظير، متهمة الأوروبيين بالانحياز إلي العرب (…)، وهو الاتهام الذي أزعج الأوروبيين إلي درجة أن بياناتهم لإدانة أية عملية للمقاومة الفلسطينية علي الأرض المحتلة رداً علي المجازر الصهيونية كانت تسبق في صدورها البيانات الأمريكية ذاتها، ثم في المرحلة الأخيرة قبل التحوّل انحصر دور أوروبا في ممارسة الضغوط علي الرئيس عرفات لدفعه إلي إصدار بيانات إدانة بدوره لعمليات المقاومة والاعتراف بالذنب، كان العدوان الإسرائيلي يستشرس علي الأرواح والممتلكات، كان يدمّر البنية التحتية والمرافق التي أقيم بعضها بتمويل المساعدات الأوروبية، وكان الأوروبيين يتعاملون مع الفلسطينيين علي أنهم في نفس الوضع والدرجة مع الإسرائيليين، لم يصدر بيان إدانة أوروبي واحد للهمجية الإسرائيلية في الضفة والقطاع المحتلين، وانتقلت أوروبا من الخطأ إلي الخطيئة بسلاسة منقطعة النظير، من موقف محايد يساوي بين العدوان الصهيوني الظالم علي الشعب الفلسطيني وبين المقاومة الفلسطينية التي يسميها عنفاً، إلي موقف يتبني بالكامل وجهة النظر الإسرائيلية بأن المقاومة هي الإرهاب بعينه!نحن ـ للتذكير ـ نتحدث عن التحول في المواقف الأوروبية خلال عشر سنوات، فنري التراجع الأوروبي عن نص إعلان برشلونة الذي صدر عام 1995 والذي كان رئيس الوزراء الإيطالي الحالي رومانو برودي قد وضع حجر الأساس له آنذاك كرئيس للمفوضية الأوروبية، بعد أن يتحدث الإعلان عن الشراكة الأوروبية المتوسطية، يقول بحق الشعوب في تقرير مصيرها وعدم جواز الاستيلاء علي الأراضي بالقوة، كان ذلك زمن التمايز في المواقف عن أمريكا، ثم تعود أوروبا لتنقض هذين المبدأين في إعلان ميثاق الأمن الأوروبي المتوسطي الصادر عام 2000، والذي يركز علي منع الصراعات بين دول إعلان برشلونة، أي تخلي أوروبا عن دورها في معالجة الصراعات وأولها الصراع القائم بين العرب والصهاينة، بكلمات أخري تكريس الاعتراف الأوروبي بالاحتلال الصهيوني لأراضي العرب وتكبيل العرب لمنعهم من إثارة أي صراعات مع عدوهم في المستقبل ولو من أجل استعادة أراضيهم التي سبق احتلالها!وإعلان ميثاق الأمن الأوروبي يريد من سورية ولبنان مثلاً ـ الدخول في مشاركة أمنية واقتصادية مع الصهاينة دون تسوية للصراع وفي ظل عدوان إسرائيلي مستمر علي فلسطين ولبنان والجولان! يريد الإعلان من مصر والأردن المشاركة مع الصهاينة أمنياً واقتصادياً فيما أولئك يغتالون الفلسطينيين بالطائرات ويدمرون منازلهم بالجرافات ويمنعون عنهم دخول البضائع والإمدادات عبر المعابر الأردنية والمصرية، محمولة علي الشاحنات!ونحن رغم تحفظاتنا علي إعلان برشلونة، الذي تتسم روحه بالمساواة بين المعتدي الصهيوني والمعتدي عليه العربي، إلا اننا نطالب أوروبا بالتمسك بما أقرته هي قبل أن تنزلق إلي إعلان ميثاق الأمن الأوروبي المتوسطي، إذ من غير اللائق أو المعقول ان تتراجع أوروبا باستمرار كلما ازدادت الضغوط الأمريكية عليها ثم تفلسف ذلك التراجع، تلك البراغماتية هي داء أوروبا القاتل!وخافيير سولانا عضو لجنة ميتشيل السابق الساعي إلي حل في مرحلة ما قبل التراجع الأوروبي، يلتقي الإرهابي شمعون بيريس نائب الإرهابي شارون في رئاسة الحكومة الصهيونية يوم 18 ـ 12 ـ 2005 ويخرج من اللقاء ليصرّح بالموقف الرسمي لأوروبا : إذا فازت حماس في الانتخابات التشريعية القادمة فإن الاتحاد الأوروبي سيجد صعوبة في التعامل مع السلطة الفلسطينية ..كان ذلك بالطبع بعد الموقف الأمريكي بالرفض القاطع لمشاركة حماس في الانتخابات التشريعية قبل أن تعترف بحق الكيان في الوجود وتسلّم أسلحتها.. إليه!وهكذا انقلب الحال، أوروبا التي كان الإسرائيليون يرفضون تدخلها في أية مفاوضات ويحصرون التدخل بأمريكا، استدارت وانقلبت لتأخذ نفس موقف أمريكا وترضخ للإسرائيليين!وأوروبا الآن هي التي تحاصر الشعب الفلسطيني وتمنع عنه المساعدات العينية والمالية وتحرم الموظفين الفلسطينيين مــــن أجورهم رضوخاً واستجابة للقرار الإسرائيلي الأمريكي…وأوروبا التي رفضت العدوان الأمريكي علي العراق، وشهدت عواصمها المظاهرات المليونية الجماعية ضد الغزو، هي التي انقلبت علي نفسها وعادت بعد تصحيح بوش لموقفه منها في مستهل ولايته الثانية، عادت والتحقت به وأرسلت قواتها تحت مسمي مضحك مبكٍ: قوات متعددة الجنسية، حتي أولئك الذين انضموا إلـــي الاتحاد الأوروبي متأخرين (الدول العشر) وجدوا أنفسهم يتقرّبون إلي قبــول عضويتهم فيه بإرسال جنودهم إلي الموت في العراق، كالبولنديين والمجريين والسلوفاكيين!ونحن هنا لا بد أن نفصل أو نميز بين أوروبا الشعبية وأوروبا الحكومات، فالمجتمعات الأوروبية تتفهم عدالة قضايا العرب وتتعاطف معها ضد المظالم التي ارتكبت وترتكب خصوصاً في العراق وفلسطين ولبنان، بدليل الاستطلاع الذي جري قبل سنوات عقب اندلاع الانتفاضة الثانية، والذي اعتبر فيه 59% من الرأي العام الأوروبي ان الصهاينة يتحملون مسؤولية زعزعة الاستقرار في المنطـــقة والعــــالم، وان سياساتهم العدوانية مسؤولة بشكل مباشر عن ردود الأفعال العربية..دليل آخر علي ان النسبة الأهم من الرأي العام الأوروبي والمجتمعات الأوروبية عموماً هي ضد السياسة الأوروبية المعلنة فيما يتعلق بالقضايا العربية الرئيسية، هي تلك التحركات الشعبية التي تشهدها أوروبا بين الفينة والأخري، سيسجل التاريخ تظاهر مليون بريطاني ضد الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، كما سيسجل الدور الذي لعبه النائب جورج غالاوي، والصديق جون رايس وزملاؤه من قادة اليسار الديمقراطي البريطاني الذين نلتقي وإياهم دورياً في مؤتمر الحملة الدولية لدعم المقاومة في العراق وفلسطين، ولقد انتفض الشارع الأوروبي بمظاهرات مليونية معارضة لأمريكا وللمواقف الحكومية الأوروبية ذاتها في معظم أوروبا الغربية، وثمة تقدير شعبي عربي كبير للشارع الأوروبي وحيويته وقدرته علي التفاعل مع الأحداث الدولية، سواء تلك المتعلقة بقضايا العرب أو بالقضايا الإنسانية العالمية الأخري، ومنها الاحتجاجات الكبيرة وحركة المعارضة القوية من الشارع الأوروبي للعولمة، والتي لاحقت وتلاحق رموز العولمة واجتماعاتها من سياتل إلي جنوا، ومؤخراً في ألمانيا، فإذا غادرنا الشارع الأوروبي إلي النخب الفكرية والثقافية وبعض السياسية، سنجد أيضا بعض الرموز المستنيرة التي اتخذت وتتخذ مواقف قوية مناصرة للحقوق العربية ورافضة للظلم والتمييز اللذين تتسم بهما السياسات التقليدية الأوروبية ضد العرب والمسلمين عموماً، ويحضرني هنا نموذج المفكر والمناضل والصديق البريطاني توني بن، الذي استهل حياته السياسية مع حزب العمال البريطاني في الخمسينات نائباً رافضاً للعدوان الثلاثي علي مصر عام 56، وهو أقدم برلماني بريطاني (نحو 51 عاماً في البرلمان)، هناك إذن علي مستوي الشارع وعلي مستوي بعض النخب غرب آخر، أو أوروبا أخري غير معادية للعرب نجلّها ونحترمها ونقدرها ونعتبرها رصيداً لحركتنا باتجاه التحرير والتقدم والتنمية..هكذا عادت أوروبا إلي ماضيها الاستعماري بغباء شديد، نقول بغباء لأنها قبل قرنين استعمرت العرب لحساب نفسها أما اليوم فهي تستعمرهم لحساب أمريكا!لقد عدّلت أوروبا موقفها بأثر رجعي، نأخذ مثالاً لذلك من الرئيس الفرنسي الجديد ساركوزي الذي وجد المناظرة المرئية مع منافسته رويال قبيل الانتخابات الأخيرة فرصة ليقول ما عنده، فيصف التهديد الذي كان شيراك قد لوّح به لاتخاذ قرار استخدام حق النقض ضد العملية العسكرية العدوانية ضد العراق عام 2003، بالموقف المتغطرس.. أي أن ساركوزي متضايق من مجرد التلويح بموقف مغاير للموقف الأمريكي!ومن جهة ثانية، قد يصح لبعض الأوروبيين أن يجادل بعدم وجود إجماع أوروبي علي اللحاق بأمريكا، بدليل التغيير النوعي عبر الانتخابات الذي جري في كل من اسبانيا وإيطاليا وأدي إلي إسقاط رمزين من رموز التبعية الأوروبية لأمريكا أزنار وبرلسكوني، ومن ثم سقوط كلب بوش المدلل كما تصفه الصحافة البريطانية، توني بلير، الذي أدت سياساته الخارجية قبل الداخلية إلي خسارة حزبه، حزب العمال بنسبة كبيرة في الانتخابات البلدية التي جرت مؤخراً، خصوصاً في بعض المعاقل التاريخية الموالية تقليدياً للحزب في الإقليم الاسكتلندي، وهي نتيجة طبيعية لسلسلة أكاذيب مارسها بلير علي الشعب البريطاني طويلاً ولكننا في النهاية نأخذ الاتحاد الأوروبي كمجمل عام عند قراراته ومواقفه الجماعية، وهي بلا شك تنوء تحت ثقل ليس فقط التبعية وإنما التبعية المفرطة لأمريكا في كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية، ليس فقط فيما يتعلق بالعلاقات مع العرب، بل ومع الصين ومع روسيا ومع أمريكا اللاتينية والمثال الأبرز.. إيران !وربّ قائل ـ من باب الإنصاف ـ ان أوروبا قد تكون معذورة، إذ هي لن تكون عربية أكثر من العرب أو عربية علي نفس درجة العرب، وهي قد رأت كيف ضربت أمريكا العرب وحاصرتهم فازدادوا ـ رسمياً ـ التصاقاً بسياساتها المتطرفة ضدهم، وأوروبا رأت كيف ضرب الصهاينة العرب فاعترفوا بكيان عدوهم وبادروه من بيروت بمبادرة استسلامية أسموها مبادرة للسلام.. !فأوروبا لديها ربما يقين بأن العرب هم الجنس الذي كلما ضغطت عليه.. أحبك أكثر ! وهم قد قيّموا الشراكة الأمريكية الغربية التي أعلن عنها قبل نحو سبع سنوات علي هذا الأساس، كيف يطلب منها التأوه بالنيابة عنهم كلما جلدت أمريكا ظهورهم بسياطها أو كلما اقتطع الصهاينة قلوبهم من نياطها؟!ہ و كاتب وصحافي ليبي7