كل وعود اولمرت وأحاديثه مع ابو مازن عن السلام والمشاريع مجرد كلام فارغ وبلا رصيد

حجم الخط
0

من يعجز عن إزالة بيت في بؤرة استيطانية لا يمكنه ان يزيل المستوطنات

اذا كانت خطط السلام الكثيرة التي بدأ رئيس الوزراء ايهود اولمرت فجأة دراستها بجدية نوعا من المناورة، فإن شيئا ما سيئا جدا قد حدث حتي لهذه الأداة التي كانت تُستخدم لساعات اضافية وبفعالية كبيرة في عهد سلفه ارييل شارون: شارون يصدر اليوم صوت كليك ضعيف فقط. يبدو أن أحدا لا يكترث: لا مما يقوله اولمرت ولا من تصريحات محمود عباس ولا من الانسجام الناشئ أو غير الناشئ بينهما، ولا من كل تلك الخطط والمشاريع المثيرة التي نُفي أمر طرحها فورا.

واذا لم تكن مناورة ـ فان الامر يكون اسوأ بأضعاف المرات، ذلك لانه حدث لاولمرت شيء غير لطيف، وهناك شك أن يكون قد حدث مع أحد قبله: هو فقد اهتمام الجمهور بكل بساطة.

في فيلم فليني ذكريات يسقط البطل الشاب طريحا للفراش والحمّي: يهذي ويغلي ويبدأ بالحماس من خلال اطلاق كلمات دراماتيكية ويُقسم ويعِد بعظائم الامور. خلال تلك الساعة تجلس أمه الطيبة الي جانبه تهدئ من روعه باشارة الموافقة علي كل ثرثراته وهذياناته لارضائه من دون أن تأخذ أي كلمة من كلماته علي محمل الجد: سي، سي (نعم، نعم). علي هذا النحو تقريبا يستقبل الجمهور اقوال اولمرت. هو قال بعد لقائه مع أبو مازن انه مستعد وجاهز لاقامة دولة فلسطينية بأسرع وقت ممكن. هو قال ما قاله (وليس هناك ما يُقال عن وعود شريكه في المحادثات). اجل اجل، سيأتي السلام وستكون هناك دولة فلسطينية بأسرع وقت ممكن ويتم تفكيك العصابات وإزالة المستوطنات، هناك اتفاقات، وستحدث لقاءات مستقبلية. اجل، بالتأكيد: تلك الحكومة التي لا يوجد لديها استعداد لزحزحة برميل في بؤرة استيطانية ـ ستعطي الفلسطينيين مئة في المئة من اراضي الضفة. وحتي 200 في المئة. اجل، بالتأكيد، سي، سي.

في الايام الغابرة ـ قبل سنة تقريبا ـ كانت نفس تلك التصريحات التي تُقابل الآن بهز الرأس ونصف تثاؤب، قادرة علي اثارة الجمهور ودفعه للخروج الي الساحات واثارة الجدل المحتدم في صفوفه. ولكن الآن؟ لم يكن أحد ليهتم لو أعلن أبو مازن واولمرت علي انهما توأمان سياميان وانهما سيُسلمان القدس للبابا.

كيف حدث ذلك؟ في البداية كان هناك بيننا من أصروا علي أخذ رئيس الوزراء ما بعد الكاريزماتي الاول علي محمل الجد. خطاب القسم الذي ألقاه أمام الكنيست كان حافلا بالأفكار والوعود والآمال والتفاؤل الي جانب الفطنة والصحوة. كما أنه لم يكن من الممكن ايجاد عيوب في خطاباته التالية ايضا: اقواله حاضرة خالية من الأوهام، واقعية، منطقية. ولكن رويدا رويدا ظهر الادراك غير اللطيف بامكانية وجود علاقة بين كلمة واخري وبين جملة واخري ـ ولكن ليست هناك علاقة بين ما يُقال وبين الواقع؛ كل هذا كلام جميل ولكن في غياب الأفعال التي تلازم ذلك يصبح كل شيء كلاما فارغا بلا رصيد.

بعد أن اكتوي بنار عمله الهام الوحيد كرئيس للوزراء ـ حرب لبنان الثانية ـ يبدو أن اولمرت أصبح حذرا من الإقدام علي أية خطوة في أي مجال كان، مع الوقت، وربما بدأ يشعر بعدم وجود رصيد لكلماته وأخذ يحذر في التفوه بها ايضا، ولاحقا بدأ يوفر حتي لفتاته الجسدية المفرطة التي حظيت بالسخرية لدرجة أنه وصل في نهاية المطاف الي نقطة الاستنفاد الذاتي. الأحاديث وبث الأفكار انتقلت منه الي شمعون بيريس، والاعمال الهادئة انتقلت الي ايهود باراك، وفي المكان الذي وقف فيه رئيس الوزراء، بقي هناك هواء من دون اوكسجين. مع نهاية السنة يبدو أن اولمرت قد نجح في تجسيد وعد مؤقت واحد تحديدا كان قد قطعه علي نفسه: إبقاء كرسي شارون خاليا.

دورون روزنبلومكاتب في الصحيفة(هآرتس) 12/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية