العدالة والفوضي… في العراق

حجم الخط
0

أحمد المهنا

كان حديث عهد بالغربة. قذفته آخر هجرات العراقيين الي حيث أعيش في جزيرة سياحية. وفي فترة قصيرة نشأت بيننا مودة وألفة. كنت ارتاح كثيرا الي شخصه الذي يوحي بالثقة. وحين عبرت له عن هذا الانطباع انفجر في وكأنني كفرت وقال:

ہ أنت تثق بمناسبة ودون مناسبة!

أكذب عليكم اذا قلت لكم انني فوجئت برد فعله. نحن العراقيين، ولا فخر، إنمردنا! ولذلك ليس علينا حرج، ولذلك ايضا لم ارهق نفسي في تعليل انفعاله. ونحن علي العهد القديم منذ برج بابل ما زال الحكم علينا ساريا بالبلبلة: كل فرد لسان، وكل امرئ قنبلة موقوتة. فلماذا اتعب رأسي في محاولة فهم اندفاعة طارئة؟

لكن انفعاله كان حقيقيا. لاحظت ذلك رغم انني رجل اشتري رأسه. غير ان الدماغ يعمل احيانا رغما عنك. وقبل ان أهم بقول شيء تكلم وكأنما ليعفيني من القيام بأي مجهود.. ہافرض عقوبات مشددة علي نفسي بالامتناع عن أهم ملذاتي بما فيها الجنس… حلاله قبل حرامه!

كان جادا. كلماته بدت مثل انفجارات… ما من مجال للافلات من تأثيرها. وتابع.. ہ أنت فرصتي الأخيرة. أنت انسان. بلي، أنا متأكد من ذلك. فمنذ سنوات قليلة صرت اميز قسمات الانسان. واكتشفت أنه حتي في مجرم كهل مثلي يمكن ان يولد انسان. لا. ما زلت وحشا. والعقوبات التي أفرضها علي نفسي لن تطهرني، أو تكفر عن ذنوبي، أو تجعلني انسانا. عرفت علي الفور ان الرجل حزبي او عنصر مخابرات من زمن صدام. حدقت في قسمات وجهه.. فرأيت نصبا من ألم. يا إلهي كم كان جميلا! في تلك اللحظة اكتشفت تماما لماذا يحب الله التوبة: انها اشراقة ظلمة. انتقالة أخاذة من التشوه الي الصفاء. إنعتاقة من الثقل الفولاذي للرغبات إلي خفة التحرر من الحاجات. سرت في أنحائي كهرباء من مشاعر قوية غامضة. رجل كبائر ضد الانسانية تحول أمامي الي نصب من ألم. وفجأة دون وعي مني نهضت وقبلت رأسه. غمرتنا موجة من دموع. وما ان هدأنا قال:

ہ أشعرتني ردة فعلك أنك تحققت من أن جرائمي كبيرة حقا دون ان اروي منها لك شيئا. ہولا أريد لك أن تفعل رجاء!

ہلن أفعل. كنت ابتهل الي الله ان يأتي اليوم الذي تتمكن مني فيه العدالة، وتقتص مني لضحايا صرت أعرفهم وأحبهم أكثر من أبنائي. وحين طوي العالم صفحة عراق صدام تفاءلت بقرب الجزاء والعقاب. فلم اكن اريد ان اواجه الله دون تسديد ديوني الي ضحاياي الذين صرت اشعر بدين شخصي تجاه كل فرد منهم. وهم دون أن يدروا حكموا علي بالشقاء… جزاء نعيمي الذي كان يقوم علي التطرف في إشقائهم. ليس تأنيب الضمير وحده يشقيني، ولا حرماني من عقوبات تنصف ضحاياي، ولا تعذر اللقاء بهم والحديث اليهم وطلب الصفح منهم والاستمتاع بإذلال نفسي أمامهم، وهو ذل تصورته والله مجدي الممكن الوحيد الباقي. الذي فجعني أن تغييرا لم يمس ورثتنا في الحكم. لقد أشاروا الي الناس ان البعثيين سبب كل بلائهم، وهذا صحيح، ونفخوا بالهجوم فانقضت عليهم جماعات لا تحصي بأنواع من الانتقام بدل العدالة. رأيت شرور شبابي في اندفاعات تلك الجماعات الهوجاء. فعرفت انني حرمت من العدالة الي الأبد: فكم علي الانتظار حتي تصفوا الأمور وأنا في الستين. وتحتم ان تترتب علي بقائي جريمة، فلم ارد ان احمل أحدا وزر دمي بعد ان تحول قتل البعثيين الي عمل شعبي، فهاجرت العراق. ہأنا ايضا هاجرت ولكن في اطار الهجرة الجماعية وليس لأسباب خاصة. ہيا صاحبي لابد انك.. وهم! ففي بلادنا لم يظهر بعد احد يفهم احدا، ناهيك بردة فعلك التي استعرتها ربما من كتاب او عالم آخر:

فمن ذا الذي يندفع مشفقا علي مجرم تائب!

ہتقصد ان أخلاقي هي الوهم. فكيف أكون وهما وانا الكاتب الذي يبتكر أمثالك من ابطال المقالات والقصص. فتصرف وكأنك موجود حتي أستكمل المقالة. ہ أمرك! لكن ماهو رأيك في؟

ہاليوم أنت مجرد وهم. فلم يعد موجودا بيننا من تاب، ولا من اعترف بذنب. أنت وهم يكشف واقعا، اوخيال يضيء حقيقة هي.. استحالة امكانية تحقيق العدالة في العراق اليوم حتي لو تلهف المجرمون انفسهم الي ان ينزل بهم قصاص القانون. ہالآن وقد إستعنت بي للوصول الي هذه الخلاصة لم تعد لك بي حاجة. حدق مباشرة في صورة الجريمة والعقاب، أو العدالة، في العراق لتوضح أسباب إستنتاجك المريع. لذلك دعني انسحب من الصورة راضيا لأتركك تتفاهم مع قرائك. دعواتي لك بالنجاح في هذه المهمة الحزينة!

ہموافق لكنني قد اعود لذكرك آخر المقال. قبيل هجرتي من العراق منتصف آذار الماضي تعرض مكتب اعلامي كنت أديره في بغداد الي سرقة: سائق في المكتب ذهب، كالعادة المتبعة لثلاث سنوات، الي البنك وصرف مبلغا للمكتب ولم يظهر حتي الليل زاعما انه خطف وسرق المبلغ منه. وبتحقيق اداري بسيط تبين ان قصته ملفقة وانه هو السارق. لم احتمل بعدها وجوده في المكتب فصرفته علي أساس أن يعود الي عمله عندما يظهر التحقيق براءته المؤكدة: هكذا خاطبناه لتطمينه الي حين. وكلف محامي تقديم شكوي ضد السائق، فأتاني المحامي يوما حاملا معه امر القاء القبض بحق السائق وسلمني اياه. قلت للمحامي: ماذا أفعل بهذه الورقة؟ أجابني: هكذا تسير الأمور… عليك انت ان تجد طريقة لتنفيذ الأمر!

أبلغت ضابطا كبيرا، واعطيته عنوان السائق وانتظرت تنفيذ أمر إلقاء القبض دون نتيجة. فما كان مني الا ان شمرت عن ساعد الجد، ودعوت المتهم الي المكتب بزعم الحاجة الي توقيعه بعض اوراق التحقيق. وجاء الرجل فدعوته الي الانتظار، ثم تدبرت دعوة دورية شرطة بالواسطة، فجاءت وألقت القبض عليه. بعدها بأيام، وكنت قد غادرت البلد، أطلق سراحه، وعاد للعمل أيضا في موقع اعلامي تابع هذه المرة للدولة. وأفدح من ذلك انه بعث بتهديدات الي أحد أقاربي بالويل اذا رآه في الكرادة الشرقية حيث يسكن السائق! وأدهي من ذلك كله ان شكواي اعتبرت بطولة! فمن يحمي الشاكي اذا خرج المتهم وقرر الانتقام؟

وحسب مصادر قضائية مطلعة فإن 99% من المتهمين يخرجون بأحكام براءة. كما ان 99% من الدعاوي المسجلة دون متهمين تقيد ضد مجهول. والدعاوي في الحالتين، علي أي حال، قليلة في العراق لأن الربط والحل هذه الأيام بيد العشائر والميليشيات لابيد مراكز الشرطة.. المهجورة. كان أخطر ما فعله صدام علي الاطلاق هو انه لوح يوما بورقة للجمهور قائلا ان القانون ورقة نكتبها أو نمزقها! ورغم ذلك فانه، بكل وحشيته، لم يستطع تدمير تقاليد قضائية مهمة وان تكن شكلية: فقد اطلعت، مثلا، علي الملف القضائي لحادثة مقتل حسين كامل. وفيه تجد تفصيل القصة كاملة، لم يختف منها سوي جثث القتلي وأسماء القتلة. وكان معروفا ان الأسرة الحاكمة نفذت العملية، لكن مركز الشرطة القريب من مسرح الحادث في السيدية قام بتحقيقاته الروتينية، بما فيها كيفية تطليق ابنتي الرئيس من الأخوين كامل. أما تحقيقات هذه الأيام، ان وجدت، ففقرها يجعلها والعدم سواء حسب مصادري القضائية. وتبعا للمصادر ذاتها فان القضاء العراقي فقد ذاكرته، بعدما نهبت ملفاته في الفرهود الذي أعقب سقوط بغداد. وكم أتمني أن تكذب جهات مسؤولة هذه المعلومة، ويكون ما رأيته بأم عيني من ملفات تباع وتشري مجرد حوادث محدودة. في بداية الفراغ الامني في نيسان 2003 تطلعت بأمل الي ان يستعيد الشرطي في العراق لا اعتباره وحسب وانما هيبته ايضا. فمع إنطلاق رياح الهلع أدرك خلق كثيرون ان الحياة ليست مرة بدون الشرطة فقط وانما غير ممكنة أصلا. يا لسخف عبارة برنارد شو الشهيرة (القائلة إذا سقط المرء صار شرطيا)! فهنا سيعاد اكتشاف أهمية الشرطة، مثلما اعيد اكتشاف اهمية الكهرباء، ومشتقات النفط، والطرق، والجسور، تسقط الجاهلية تعيش الشرطة. لكن هذه الأخيرة سقطت ضحية ميليشيات وعصابات وتهديدات، وحيرات بين الأمانة والخيانة، الوطن والطائفة، والواجب أو الراتب. الشرطي ايضا خائف. لا يوجد آمن في الفوضي. والأقوي هو الأشد خوفا، والخائف مخيف: انظر الي مثال الجندي الامريكي بعدما اكتنفه شعور الوجود في جو معاد، فمن ذعره صار يطلق النار حتي علي الهواء إذا تحرك!

الفوضي شر كلها. انها ترجمة لنضوب الطاقة الأخلاقية. بطلي العزيز لم يكن وهما خالصا. في منتصف السبعينيات بكي أمامي رجل في الثلاثين، كان محاميا في محكمة الثورة، بكي دما لأن محكمة الثورة سيئة الصيت حولته الي ضمير للتأجير، يقول ما يطلب منه، ولا ناقة له ولا جمل في مصائر موكليه المفترضين. بطلي كان جنينا في السبعينيات لكنه اليوم جثة أو شرير أو مخلوق فاقد الرجاء. لماذا عبرت جنوب افريقيا مرحلة الانتقال من نظام الي آخر بنجاح؟ جزء مهم من اسباب ذلك النجاح يعود الي معجزة أخلاقية جسدها نيلسون مانديلا. كان ذروة معنوية وزعت صفاتها علي شعبه، وكان هو نفسه نتاج طاقة شعبه الأخلاقية. ولكل شعب طاقة أخلاقية تشحذها الظروف اوتهدها الصروف. هذه الطاقة هي الروح الدينية التي يعرفها احدهم بأنها النداء الملح لأن يكرس المرء نفسه لهدف أبعد من مجرد إرضاء شخصه. ويعبر عنها السياب بهذه الأبيات الخالدة: حين عريت جرحيوضمدت جرحا سواهحطم السور بيني وبين الاله بانهيار هذه الروح لدي أي مجتمع يدخل عصر الجريمة الشاملة. العصر الذهبي للجريمة… سياسية وجنائية معاً. عصر يصير العقاب نفسه فيه نوعا من انواع الجريمة. وانظر الي اعدام صدام لتري الجريمة في الضحية والجلاد، الحاكم والمحكوم. فالعدالة اولي ضحايا الفوضي. والفوضي ترجمة متطرفة لنضوب الطاقة الأخلاقية. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية