سامي مهدي
لا أدري ما إذا كان الداعية يوسف البدري يعرف الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي عن قرب، أم أنه يعرفه عن بعد فقط، أي عن قراءة وسماع، إذ لو عرفه عن قرب، كما عرفته، لعلم أنه قد قاضي إنساناً كريماً نبيلاً شهماً له من أخلاق الفرسان وكبريائهم، وحتي عنادهم أحياناً، ما يحرج خصومه ويضعهم في موضع لا يحسدون عليه.
أنا لم أقرأ ما قاله حجازي عن البدري، ولا أعرف السياق الذي جاء فيه القول، ولكن جريدة الدستور الأردنية (عدد 9/8/2007) نقلت عن البدري نفسه أن حجازي وصفه بالجهل والتخلف في إحدي الصحف المصرية، فإذا كانت هذه هي تهمة حجازي، فما أقسي أن تحمل البدري علي مقاضاته بسببها. فالمتوقع من أي داعية أن يكون حليماً، حكيماً، متسامحاً، وأن يبرهن بحلمه وحكمته وتسامحه علي جدارته بلقب الداعية، لا أن يكون غضوباً سبّاقاً إلي مقاضاة خصومه والانتقام منهم ثم التنكيل بهم.
ربما كان أولي بالبدري أن يواجه حجازي بعدته العلمية والثقافية، ويُري الناس، وحجازي نفسه، أن وصفه بالجهل والتخلف وصف جائر، ولكن يبدو أن عدته هذه لم تسعفه فاختار لمواجهته وسيلة أخري ليس من شيم العلماء والمفكرين والمثقفين والأدباء اللجوء إليها.
وإذا صح ما نقلته جريدة الدستور عن البدري فإنني شممت في كلامه المنقول رائحة الشماتة بخصمه والإصرار علي إلحاق الأذي به، حتي بعد علمه أن خصمه لا يملك مبلغ الغرامة المالية التي حكمت بها له المحكمة. بل هو يبدو سعيداً بفقر خصمه المادي ويصر علي استيفاء المبلغ منه في كل حال. وهذا أيضاً مما لا يتوقع من داعية، لأن فيه من روح التشفي ما فيه. والتشفي بالخصم شيء بشع تأباه المروءة، لأنه أشبه بالتمثيل بجثة القتيل.
إن عجز حجازي عن دفع مبلغ الغرامة (20 ألف جنيه مصري) لهو مفخرة له، لأنه يدل علي مدي عفته وأنفته وترفعه عن الانتفاع بشعره واستغلال مكانته الشعرية والأدبية، في حين يبدو خصمه وكأنه كان ينتظر الفوز بهذه الغرامة والانتفاع بها، وإلا فلماذا يستحث أصدقاء حجازي علي تنظيم حملة تبرعات لجمع المبلغ، كما ورد في جريدة الدستور؟!
وأنا الآن لا أعرف كيف استوفي البدري مبلغ الغرامة، أمن بيع أثاث بيت حجازي المتواضع، أم من تبرعات أصدقائه الفقـراء، غير أنه يخـــطئ إذا تصـــــــور أنه قد نال منه. فلا الحكم القضائي كان نصراً له ولا مبلغ الغرامة، لأن المنتصر هنا هو حجازي بإبائه وترفعه وفقره، وبتضامن المثقفين معه في مصر وفي غيرها من الأقطار العربية، وبما ظهر به خصمه من رغبة ملحّة في الانتقام منه والتشفي به. والغريب أن خصم حجازي قد أخذته العزة بعد حكم المحكمة فلم يتورع عن تهديده. فهو يطلب منه أن يفكر في المستقبل ألف مرة قبل أن (يشتم) المدافعين عن دين الله. وهذا، في الواقع، ليس تهديداً لحجازي وحده بل لكل المثقفين والمفكرين المتنورين الذين يتهمهم بعض المدعين والمتزمتين باتهامات ملفقة بذريعة الدفاع عن دين الله، وكأنهم وحدهم أهل هذا الدين والمخلصون له والمفوضون بالذود عنه.
وأشهد أن حجازي ليس ممن يمكن أن توجه إليهم مثل هذه التهمة المبتذلة الجاهزة، كما تؤكد جميع كتاباته النثرية. ولكنه شاعر مثقف متنور يفهم الدين فهماً عميقاً علي غير ما تفهمه العقول المغلقة، وهو يدعو إلي التنوير ويدافع عن حرية الرأي، ويقف إلي جانب المتنورين بجرأة وشجاعة، وهذا ما يؤلب عليه أصحاب تلك العقول. وأكيد أن الحكم القضائي الذي حكم به لن يغير موقفه، كما يريد خصمه، بل سيزيده صلابة وإصراراً علي موقفه ودفاعه عن التنوير والتنويريين، وسيفكر ألف مرة قبل أن يسمح لأعداء التنوير بإرهابه.
نعم، إن قضية حجازي مع خصمه هي إحدي القضايا التي تفرزها معركة التنوير في مصر وفي سائر الأقطار العربية، وينبغي أن تفهم علي هذا الأساس. ومع أنني أجل القضاء المصري، وأحترم حياده، وأشيد بحكمة رجاله، ولكن هذا لا يمنع دعوته إلي أن يكون أرحب أفقاً وأعمق فهماً لما يدور علي أرض الواقع من حراك اجتماعي وسياسي، ومن صراع ثقافي حاد، ومعارك فكرية وأدبية تنبو فيها الأقوال في بعض الأحيان وتتراشق الاتهامات، بقصد أو بلا قصد، فيجد فيها هواة التقاضي وصيادو الغرامات، فضلاً عن حملة السكاكين والخناجر، فرصتهم للانتقام من خصومهم والتنكيل بهم.
ما أريد قوله إن قضية حجازي وخصمه ليست قضية قذف عادية كالتي تحدث بين عامة الناس في الحارات والأسواق وغيرها، بل هي قضية صراع ثقافي في جوهرها، والنظر في القضايا الناجمة عن هذا الصراع ينبغي أن يكون أكثر مرونة وحصافة، خاصة إذا تعلقت بخلافات فكرية وأدبية وتراشقات ندّت عنها. وأعتقد أن سعي القضاء إلي مصالحة الخصوم ينبغي أن يكون هو القاعدة في مثل هذه القضايا، وإذا كــــــان لا بد من التقاضي والوصول به إلي نهـــــايته فلـــــتكن الأحكام رمـــــزية واعتبارية، أي مخفـــــفة إلي أدني الحدود، وإلا فسنشهد مجازر قضائية يقع ضحيتها صفوة من المفكرين والمثقفين والأدباء، وهذا مما لا يشرف أي قضاء.
ما يدفعني إلي هذا القول أن قضية حجازي هذه ليست الأولي، ولن تكون الأخيرة، ما دام الصراع الثقافي مستمراً، وما دامت حدته آخذة في التزايد، في ظل حراك اجتماعي وسياسي عسير واحتقان نفسي شديد يكثر في خضمّهما المتصيدون والانتهازيون والقتلة.
شاعر وكاتب من العراق