كتبت الدكتورة سلوي الشرفي في مقالة نشرتها لها مواقع تونسية حرة عن الفتوي في العالم العربي والاسلامي، وانطلقت من نقل رواية عن سيف الله المسلول خالد بن الوليد، وبلغة شاعرية احيانا وفلسفية احيانا اخري، زعمت ان رمز الشجاعة والاقدام والتضحية في سبيل العقيدة الاسلامية لم يكن الا قاتلا سفاكا من اجل ان يظفر بحسناء لم تمنعه العقيدة ولا تعاليمها الصارمة من تاجيل تلبية غرائز بشرية، كما لو ان خالد بن الوليد الذي يختزن التاريخ الاسلامي له صورا بطولية، ليس الا مقاتلا من اجل النساء. قرأت الرواية التونسية وفي ذهني تاريخ طويل لواحد من اكبر الشخصيات الاسلامية بطولة وشجاعة واقداما وامانة، حتي انه عد من اولئك الرجال الذي صنفهم كتاب الله بقوله: لله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، رجال قال الله فيهم: لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه. لم تفاجئني الدكتورة سلوي الشرفي بهذه الافتتاحية، فالشيء من مأتاه لا يستغرب، وهي ليست سباقة الي هذه المعلومات الزائفة والشاذة والمدسوسة في حضارتنا كما يفعل كثير من كتاب هذا الزمان، فقد دشنت نوال السعداوي في مصر ورفيقتها في النضال فريدة النقاش رمي السهام الي صلب العقيدة الاسلامية، قبل ان يشتد عود الدكتورة السلوي بعد ان غابت شمس استاذها وشقيق والدتها وخالها الدكتور محمد الشرفي صاحب التاريخ التحرري العميق، يوم ان ضاقت عليه ارض الجامعات التونسية بما رحبت فاستعان بالامن الجامعي للدفاع عن افكاره وحماية المناخ المناسب لتورق افكارا واساليب كالتي طالعتها في مقدمة مقالك.
وليس غريبا من الدكتورة سلوي الشرفي ان تتهم خالد بن الوليد بانه عاشق للجمال والاغتصاب، فقد سبقها خالها يوم ان طالب باعتبار سيدنا خالد بن الوليد بطل الاسلام مجرم حرب، وطالب بمنع اطلاق اسمه علي الشوارع داخل المدن الاسلامية، فهذه الشبلة من ذاك الاسد الذي سن مشروع تجفيف ينابيع التدين، كما لو انه الفيل الذي يمم وجهه للاطاحة بالكعبة المشرفة، لكن حال دونه وذلك الطير الابابيل وتعهد رب العالمين بانه الحافظ لهذا الدين: يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره… ، اقول لم يكن مستغربا ان تعمد سلوي الشرفي الي لي عنق الاحداث التاريخية والتصيد في المياه القذرة بحثا عن روايات موضوعة جرح فيها العلماء، واختلفت فيها الروايات، حتي لكان رواية سلوي الشرفي بنتها من ذات افكارها، دون ان تذكر ان للحدث رواة وشواهد ومناهج في البحث والتنقيب، واخذت الرواية من الزاوية التي تبحث عنها، لتأكيد فكرتها المسبقة عن الاسلام ووضاعة المسلمين، وهذا لعمري اسلوب يتنافي وكل المناهج العلمية القديم منها والحديث، لا سيما عندما يتعلق الامر بدين مليار ونصف المليار من المسلمين! سوف لن اعيد رواية القصة التي يذكرها مؤرخو ورواة التاريخ الاسلامي، فقد سبقني الي ذلك الدكتور محمد الهاشمي الحامدي في مقالته المنشورة عن فضائل خالد بن الوليد، ولكنني اضيف الي ما قاله رواية واحدة للدكتور علي الصلابي في كتابه ابو بكر الصديق (219) عن قصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة فقال: خلاصة القصة ان هناك من اتهم خالدا بانه تزوج ام تميم فور وقوعها في يده، لعدم صبره علي جمالها، ولهواه السابق فيها، وبذلك يكون زواجه منها ـ حاش لله ـ سفاحا، فهذا قول مستحدث لا يعتد به، اذ خلت المصادر القديمة من الاشارة اليه، بل هي علي خلافه في نصوصها الصريحة. ولان مقدمات البحث التي انطلقت منها الباحثة التونسية عن امجاد غابرة قد مضمض عليها الزمن واستنشق، لفسادها وعدم دقتها، فان ما تلاها من خلاصات اتت في تبسيط يصل حد السذاجة احيانا لما اعتبرت ان حكم الدنيا هو للرأي وللعقل البشري بينما الدين يصلح ان يكون سلاحا للمعارضة، في لهث مستغرب لابعاد الدين عن الحياة العامة كما لو ان بينها وبينه ثأرا قديما تتحين الفرص في كل مرة للنيل منه، ولهذا كان واضحا الاستعلاء علي المنطق والمنهج العلمي والتاريخ بل وحتي الجغرافيا، حين عمدت الي المقارنة الساذجة بين خليفة للمسلمين اتخذه علماء الاجتماع والمستقبليات ومراكز البحوث الاستراتيجية العالمية نموذجا للحكم العادل والاجتهاد الصائب وبين الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي لم يتشرف بمصاحبة خاتم الانبياء والمرسلين ولم ينم تحت شجرة في صحراء قاحلة بعد ان عدل بين الناس كما فعل بن الخطاب رضي الله عنه، بينما هو صوب وجهته لتجسيد نموذج اتاتورك المتهاوي هذه الايام علي وقع صعود حزب العدالة والتنمية صاحب التوجهات الاسلامية، ولعمري انها مقارنة ضيزي! عبد الحميد الحمديالدنمارك 6