د. مصطفي عبد العال
كثيرا ما نري اونسمع هذه الجملة في نهاية العديد من الاحاديث العربية المتعلقة بما نعانيه من تدهور، وبالرغم مما فيها من ايمان فانها تحمل في طياتها شيئا من اليأس من ان يكون الواقع المعاش قابلا للتحسن اذا ما حاولنا ارساء قواعد او قوانين تمكن الناس من نيل حقوقها او الوقوف في وجه مغتصبي هذه الحقوق. ودون ان ندخل في متاهة قيمة الايمان وضرورته وهل من ضمن الايمان الاستسلام لعجزنا عن الفعل الانساني من اجل اقرار العدل ارتكازا علي ان الله هو وحده القادر علي كشف الغمة، دعونا ننظر الي التبعات الفعلية لحالة تعميق اليأس فيما يحدث في مصر المحروسه.
بداية قد يكون من المفيد ان نعلن اننا لسنا من مؤيدي المشروع السياسي للجماعات الاسلامية، ليس خوفا من نظام حاكم باطش يعادي هذه الجماعات وتعاديه ولكن الاقتناع بان هذا المشروع حتي في جوانبه الفكرية البحتة لا يعرف معني التعامل مع قضايا الواقع وكلما اصطدم بهذا القضايا احالها الي نصوص دينيه يمكن ان تؤدي الي معان مختلفة تبعا لقدرات وخلفية من يفسرها فاذا كنا نختلف مع هذه الجماعات علي هذا المستوي فمن باب اولي ان نختلف معها عندما تسعي لطرح رؤاها تلك عبر استخدام العنف والقهر.
لكن هل من الطبيعي ان يؤدي رفضنا هذا الي القبول بماتقوم به السلطة الحاكمة في مصر في مواجهة هذه الجماعات، رغم ان الاجابة السريعة علي هذا السؤال هي بالنفي الا ان الامور قد تتضح اذا ما نظرنا لتلك السياسات بشيء من التفصيل. النظام الحاكم في مصر يرتكز في تعامله مع هذه الجماعات بشكل اساسي علي الصيغة الامنية والتي تسمح بالاعتقال والتعذيب والضرب بعرض الحائط بالاحكام القضائية التي تبرئ ساحة بعض المتهمين من ابناء هذه الجماعات سواء لعدم جدية الادلة التي تقدمها الجهات الامنية او لكون المتهمين لا ناقة لهم ولا جمل وانه تم اعتقالهم لاسباب قد تتراوح بين الكيد الشخصي او التظاهر بالتفاني في العمل امام رؤساء امنيين يمكنهم العصف باي رجل امن قد يبدو متقاعسا في ممارسة الشدة والتجبر من اجل حماية النظام ومقاعده، بدءا بمقعد الرئيس وانتهاء بمقعد رجل امن ذي مكانة او طامح في مكانة اكبر، هذه السياسات تحول رجل الامن الي مجرد حيوان مروض ومدرب علي اتقان الشراسة فتفقده القدرة علي كسب تعاطف الناس الذين حتي وان ارتجفوا من تعسفه وشراسته يظلون وقودا خامدا قابلا للاشتعال عند حدوث شرارة غضب جماعي، داخل هذا الاطار يعيش رجل الامن ويتعايش مع حالة من تراجع القدرات والمهارات اللازمة لبحث وتحليل القضايا التي يتعامل معها، فما حاجته للبحث والتحليل اذا كان بامكانه انتزاع ما يريده من اعترافات عبر سلخ المتهم ليقر بكل ما يريده رجل الامن الهمام، وتغلق القضايا ويكافأ علي حلها ولعل الامثلة التي عايشها المجتمع المصري حتي المتعلق منها بقضايا جنائية بحتة لا دخل للسياسة ولا للامن المسمي امن دولة علاقة بها، كما حدث عند اعتراف اب بقتل ابنته التي ثبت بعد ذلك وجودها علي قيد الحياة او اعتراف امرأة بقتل زوجها ليظهر فيما بعد بعض المحبوسين في قضايا سرقات ويعترفوا بانهم قاموا بقتل الرجل، هذا التردي في وضع الامن وقدرات القائمين عليه يؤدي الي نتائج كارثية. فالمواطنون الذين تدفعهم ظروفهم او افعالهم للوقوع تحت رحمة او لارحمة هذا الامن هؤلاء المواطنون واسرهم وكل من اقترب منهم تصيبهم بدرجات متفاوته شظايا هذا الدمار الكارثي فالمعتقلون ونتيجة لما يقع عليهم من تعذيب واهدار لكل مقومات الكرامة الانسانية يتحولون الي احد احتمالين لا ثالث لهما اما ان يدفعهم ما حدث لهم الي عنف يائس تصعب محاصرته، او ان تنهار مقاومتهم ويتحولوا الي كائنات مشوهة يصيبها الانكسار بعاهات نفسية حتي وان ادت الي امتناعهم عن اي نشاط سياسي فانها تجعلهم عاجزين عن امتلاك اي مساحات للتواجد او الانتماء لبلادهم ومجتمعاتهم وهذا بدوره ينعكس علي اسرهم مما يجعل بعضهم يتحول الي كتلة انتقامية اكثر عنفا وشراسة من عضو الاسرة الذي انهار لانهم يرفضون ان يصيبهم ما اصاب اخاهم او اباهم، وفيما يخص كل من اقترب من هؤلاء المعتقلين دون ان يكون جزءا من اعضاء الاسرة الضيقة فانه في الغالب الاعم يذهب وبقوة الي حالة من الانسحاب من اي مشاركة يمكن ان يشتم منها ما يوقعه بين براثن الة الرعب التي رأي اثارها علي من كان قريبا منه بل ان بعضهم يندفع ايضا وبشدة ليصبح عينا للامن من باب ان يضمن انه امن من اي وشايات حتي كاذبة يمكن ان ترسله الي حيث كان قريبه الذي تم تدميره.
هذا الوضع الذي يمكن ان يكسب القائمين علي الامن نشوة لتصورهم انهم نجحوا في سحق اي معارضات او تيارات يمكن ان تؤثر علي استقرار النظام، لا يدركون غالبا انهم يفتحون بوابة الخراب علي مصراعيها، فوطن يتحول ابناؤه الي كتل من الناقمين والمرعوبين والقابلين بالاذلال لا يمكن ان يصمد في وجه اي ازمات داخلية او خارجية لان الاوطان تحميها شعوبها بما لها من طاقة وقدرة علي الانتماء لهذه الاوطان ولو كان الاستقرار والامن لا يحتاجان الا لعدة الاف او مئات الالاف من رجال الامن الاشداء المتجبرين لما انهارت كل الانظمة الاستعمارية التي حكمت مستعمراتها بالحديد والنار.
والناظر لكل هذا الخراب المحيط بنا يمكن ان يستوعب كثرة تداولنا لجملة حسبي الله ونعم الوكيل كما لو كانت يأسا من الفعل اذ ان المرددين لهذه الجملة وبحكم ايمانهم يعلمون ان الله جل شأنه قد اعلمنا انه لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم وهنا تكمن الحلقة المفقودة والتي تجعل من ايمان الناس قوة للتغيير وليس مجرد انكسار او انفجار ينقصه الوعي مما يدفع بنا الي انهيارات خطيرة لا نجد في مواجهتها الا ان نقول حسبنا الله ونعم الوكيل. 9