الثقافة والسياسة: أمريكا والعرب

حجم الخط
0

سميح حمودة

يتحدد اتجاه السياسة الداخلية والخارجية لأية دولة بناءً علي ثقافتها السائدة ونظامها الفلسفي وتجربتها التاريخية. ويري علماء الإنسان (الأنثروبولوجيا) أن الثقافة كل متكامل، وأنها تشير إلي طريقة حياة مجتمع معين، بكل ما تشمله الحياة من نشاطات وأفكار ونظم وقوانين. ويجادل علماء الإنسان محقّين بأنّ فهم جزء من ثقافة المجتمع لا يمكن أن تتم إلا بالدراسة الشمولية لثقافة هذا المجتمع. وعليه فإنّ السياسة الخارجية للدولة تنبع أساساً من وتستند إلي ثقافة هذه الدولة ورؤيتها للإنسان والكون والحياة.

يري العديد من دارسي السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم العربي، وتجاه الصراع بينه وبين إسرائيل، أنها قائمة علي مبدأ الحفاظ علي المصالح الإستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة في المنطقة العربية وفي العالم، ويشيرون إلي أهمية موضوع النفط، الذي يملك العرب حوالي ثلثي مخزونه في العالم، بالنسبة للولايات المتحدة، وأهمية الأسواق العربية للمنتجات الأمريكية، وغيرها من القضايا المشابهة. ولا شك أن هذا التحليل صحيح في شقه المتعلق بالأهمية الإستراتيجية للمنطقة، وله من الدلائل والإشارات ما يجعله في عداد الحقائق، بيد أنه يعجز عن أن يفسّر كل منطلقات ودوافع السياسة الأمريكية في العالم العربي. فهو مثلاً لا يستطيع أن يفسر لنا موقف الولايات المتحدة في عهد رئيسها ودروو ويلسون في العقد الثاني من القرن العشرين من المشروع الصهيوني، وتأييدها لوعد بلفور، قبل أن يكون النفط همّاً ودافعاً أساسياً للسياسة الخارجية الأمريكية، كما لا يفسِّر لنا لماذا تلجأ السياسة الأمريكية دائماً لأساليب تهدف إلي إخضاع العرب وتركيعهم وفرض إرادتها عليهم بدل أن تتعامل معهم بما يتناسب مع تحقيق مصالحها الاقتصادية دون مشاكل وعوائق من خلال إرضائهم ومصادقتهم. وإذا راجعنا السجل التاريخي لعلاقة أمريكا بالعرب لوجدنا أنّ أصواتاً عديدة داخلها حاججت بأنّ المصلحة الإستراتيجية للولايات المتحدة تقتضي التقرب من العرب والتفاهم معهم لا معاداتهم وإغضابهم، وأحد هذه الأصوات الوزير لانسنغ الذي كان وزيراً للخارجية في عهد ويلسون نفسه، وقد احتج لانسنغ علي وعد بلفور، وجادل بأنّ مصالح أمريكا واقعة مع العرب وليست مع اليهود الذي هم أقلية في العالم مقارنة بالعرب آنذاك. كان رفض ويلسون لرأي وزير خارجيته، وقيامه بالتالي بسحب صلاحياته فعلياً، وممارسته لهذه الصلاحيات بنفسه، مستنداً إلي رؤياه وإيمانه الديني المتعلق بالعودة الثانية للمسيح، ومستنداً أيضاً لصورة العرب والمسلمين السلبية في العقل الأمريكي والغربي. ولنتذكر جيداً أن ويلسون صاحب المبادئ العشر في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الأولي، والتي كان منها حق الشعوب التي خرجت من السيطرة العثمانية في تقرير مصيرها بنفسها، فسّر هذا الحق أنه لليهود لا لعرب فلسطين. لم تكن حالة ويلسون شاذة في تاريخ العلاقات العربية الأمريكية، فما زالت المنطلقات الثقافية والفلسفية تحكم وتوجِّه سياسة أمريكا في المنطقة، ولا حاجة لنا لسرد واقتباس ما يدللّ بوضوح علي تحكّم هذه المنطلقات في سياسة جورج بوش الابن الحالية. وربما يكفي أن نشير إلي التصريحات العديدة لرؤساء أمريكيين حول الواجب الأخلاقي الذي يلزم أمريكا بدعم إسرائيل المطلق وسياستها في المنطقة. الواجب الأخلاقي هذا هو تعبير عن الرؤية الثقافية ـ الفلسفية للنخبة الحاكمة في الولايات المتحدة للعرب والمسلمين ولليهود، وهي رؤية تستند إلي المفاهيم التوراتية والإنجيلية كما يُفسِّرها الأنجليكان المسيحيون. كما أنّ هذا الواجب يستمد من المفاهيم العنصرية التي تعتقد بتفوّق الرجل الأبيض علي سائر الأعراق البشرية، وتعتقد بمركزية أوروبا والغرب في الحضارة والتاريخ الإنسانيين، وتعتقد بدونية الآخر ولزوم إخضاعه والتحكّم فيه وفي الثروات الموجودة في أرضه. الواجب الأخلاقي في المنظور الأمريكي دفع حكومة الولايات المتحدة في عهد كلينتون لدعم الابتزاز المنظّم الذي مارسته المنظمات الصهيونية في أمريكا مع الدول والبنوك التي اتهمت، والعديد منها زوراً وبهتاناً، بالمشاركة في الكارثة الناّزية وفي سرقة ثروات اليهود في أوروبا. وقد قدمت الحكومة الأمريكية دعمها لهذه المنظمات في ابتزاز مليارات الدولارات من المتهمين دون أخذ الحقائق بعين الاعتبار، وكما يعلّق أستاذ العلوم السياسية الأمريكي اليهودي الدكتور نورمان فنكلستاين في كتابه صناعة المحرقة، فإنّ هذا الواجب الأخلاقي لم يقابله واجب دفع تعويضات مماثلة لضحايا الجرائم والكوارث الأمريكية مثل إبادة الهنود الحمر، السكاّن الأصليين للأرض الأمريكية، واستعباد الأفارقة السود لعقود طويلة. كما أنً هذا الواجب لم يجبر المنظمات الصهيونية علي دفع التعويضات التي سلبتها من البنوك السويسرية وغيرها للضحايا أنفسهم أو لورثتهم، إذ أنّها بدل ذلك قامت باستخدامها ورصدها لمشاريعها الخاصة والتي منها دعم إسرائيل ودعم نهبها للأرض الفلسطينية. ولم تقم حكومة الولايات المتحدة بأي إجراء يضمن حقوق الضحايا الحقيقيين.

تقوم القضية الفلسطينية علي اختراق وانتهاك واضح للقيم والأخلاق الإنسانية، فقد قام الغرب الأوروبي بحلّ مشكلته اليهودية عن طريق خلق المشكلة الفلسطينية. طردت أوروبا جزءاً من سكّانها (اليهود) بعد أن أبادت أعداداً كبيرة منهم، إلي الشرق الإسلامي، ومكنتهم بقوة السلاح من احتلال أرض شعب آخر وطرده. المشكلة الأخلاقية هنا لم تحلّ، وهي غائبة تماماً عن حوار السلام الحالي. لا أحد يتحدث عن انتهاك أوروبا وأمريكا للقيم الأخلاقية في إنكارهما المستمر للحق الفلسطيني، فالفلسطينيون هم الآخر الذي لا حقوق له في منظومة القيم الاستعمارية والإمبريالية. وإلي أن تتغير ثقافة الولايات المتحدة، وتعترف بحقوق الآخر، لا يمكن الحديث عن سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية