المشهد السياسي بشبه القارة الهندية بعد 60 عاما علي التقسيم

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

ستون عاما مضت علي تقسيم الهند، وما تزال ذكريات تلك الحقبة تنغص عيش الكثيرين ممن شهد وقائع التقسيم، وما تزال تبعاتها تطارد شبه القارة الهندية، ولم تختف أشباح الحرب عنها الا لماما. فما الذي حدث؟ وما هي التركة التي خلفها ذلك الحدث التاريخي الخطير؟ والي اين تتجه اوضاع منطقة جنوب آسيا في ضوء النمو الاقتصادي المصحوب بتنامي مظاهر الاختلاف السياسي والديني والعرقي؟

فعلي مدي يومين متواصلين من شهر آب (اغسطس) 1947، كانت خريطة شبه القارة الهندية تتعرض لاعادة ترسيم علي اسس دينية وعرقية، ليس بالحبر علي الورق، بل بالدماء التي أريقت علي طرفي ما عرف يومها بـ خط رادكليف نسبة الي المحامي البريطاني الذي كلفته الادارة البريطانية في الهند بترسيم الحدود بين اقليمي الهند والبنغال استعدادا للتقسيم. وما ان اصدر البرلمان البريطاني في 18 تموز (يوليو) 1947 قانون استقلال الهند الذي تضمن نصوصا حول التقسيم، حتي بدأت الاستعدادات لتنفيذه. وفي غضون الاسابيع الاربعة اللاحقة، عبر اكثر من 14 مليونا الحدود الجديدة وفق خط رادكليف. كان نزوحا تاريخيا يقترب من التساوي العددي، اذ نزح اكثر من سبعة ملايين مسلم من الهند باتجاه الغرب الي اقليم البنغال الغربية او باكستان الغربية ونزح عدد مقارب من الهندوس والسيخ بالاتجاه المعاكس. ولكن قرابة المليون شخصا لم يصلوا الي الارض الموعودة، بل سقطوا ضحايا العنف الديني والطائفي. كان رانبير راي هاندا، الشاب الهندوسي ذو الاربعة عشر ربيعا، يهم بالنزوح من لاهور علي قطار يتحرك من باكستان التي تستعد للاستقلال، باتجاه الهند. وما رآه عندما وصل الي أمريتسار في 14 آب (اغسطس) 1947 ما يزال كابوسا مزعجا لا يفارقه، وكثيرا ما ايقظه ليلا كحلم مرعب. فقد شاهد بعينيه آلاف المسلمين (رجالا ونساء وأطفالا) كانوا يتأهبون لصعود القطارات المتوجهة في الاتجاه المعاكس نحو باكستان، وهم يقتلون امام عينيه، او يطعنون او يذبحون. كانت هناك ثلاثة او اربعة قطارات تستعد للتحرك باتجاه باكستان، ولكن لم يتحرك منها قطار واحد. تطور مشروع التقسيم منذ 1930 عندما بدأ الساسة يناقشون مستقبل الجاليات الدينية في الهند، التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني المباشر. ومن المفارقات ان يكون العلامة محمد اقبال من أكبر دعاة الانفصال، ففي خطابه الرئاسي امام مؤتمر الرابطة الاسلامية في ذلك العام، عبر عن شعوره بضرورة وجود وطن للمسلمين للانفصال عن الهند الخاضعة لسيطرة أغلبية هندوسية. بينما كان محمد علي جناح، الذي كان عضوا سابقا بحزب المؤتمر الهندي، في البداية من دعاة التقارب بين المسلمين والهندوس. ولكن بعد ان أقر برلمان السند في 1935 اطروحة الوطن المستقل للمسلمين اصبح مقتنعا بها. وفي خطابه امام مؤتمر رابطة المسلمين لكل الهند قال: ان الهندوس والمسلمين ينتمون لأديان وفلسفات وعادات اجتماعية وثقافات مختلفة. وان محاولة صهر امتين من هذا النوع في دولة واحدة، احداهما تمثل اقلية عددية والأخري اكثرية، سوف يؤدي الي الاضطراب والتدمير النهائي لأي نسيج قد تبنيه حكومة موحدة لهما. اما المهاتما غاندي فكان معارضا بقوة لانفصال المسلمين عن الهندوس، ونقلت عنه مقولته المشهورة: ان روحي كلها تتمرد ضد فكرة ان الهندوس والمسلمين يمثلون مبدأين وثقافتين متعاديتين. وان التأكيد علي هذا القول يمثل لي إنكارا لله. برغم ذلك فقد سارت خطوات التقسيم بشكل متواصل علي مدي السنوات اللاحقة، وفق ما عرف بـ خطة ماونتباتن حتي قامت دولة باكستنان بشقيها الغربي والشرقي. وفي 1971 انفصلت باكستان الشرقية عن الغربية في ما سمي وقتها حرب تحرير بنغلاديش. وبصدور قانون استقلال الهند من البرلمان البريطاني في 18 تموز (يوليو) 1947 الذي أكمل خطط التقسيم وفقا لـ قانون حكومة الهند 1935 تم الانتهاء من وضع الاطار الجديد للدولتين المنفصلتين. واعطيت الـ 565 مقاطعة خيار تقرير الالتحاق بأي من الدولتين، وان كان أغلب المقاطعات قد ألحقت بالهند. لقد كان قرار تقسيم الهند محطة تاريخية مهمة لمسلمي شبه القارة الهندية، وهو قرار ما يزال موضع اختلاف في الآراء والمواقف بين ابناء شبه القارة الهندية. فلم يكن ذلك القرار موضع اتفاق كل المسلمين، الامر الذي يؤكده عدم انتقال كل مسلمي الهند الي الدولة الجديدة التي يفترض ان تكون موطنا يضمهم جميعا. بل قرر اكثر من ربع المسلمين البقاء في ولاياتهم الهندية ولم يعبروا الحدود لشطري باكستان المستقلين (البنغال الشرقية والغربية). وتعتبر الهند حاليا الدولة الرابعة من حيث عدد السكان المسلمين، بعد اندونيسيا وباكستان وبنغلاديش. ويلاحظ من خلال قراءة مواقف الساسة المسلمين والهندوس حالة التوتر التي نشبت في ظروف تميزت بالنضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني، في الوقت الذي كان الموقف يتطلب تماسكا بين جميع الطوائف. وليس واضحا بعد الدور البريطاني في اثارة الاختلاف والخلاف بين المسلمين والهندوس في شبه القارة الهندية، غير ان الواضح ان خطة ماونتباتن كانت تتضمن التقسيم الذي تزامن مع الانسحاب البريطاني من الهند التي كانت تعرف آنذاك بـ درة التاج البريطاني. وما تزال ظروف التقسيم والانفصال تخيم بظلالها علي اوضاع شبه القارة الهندية حتي الوقت الحاضر. فلم تستقر العلاقات بين الهند وباكستان علي مدي العقود الستة الاخيرة، بل بقيت متميزة بقدر كبير من الحساسية، وما اكثر الحالات التي كادت الحرب تندلع بينهما. وقد وقعت الحرب الاولي بين الكيانين المنشطرين بعد ربع قرن علي الانفصال، ادت في العام 1971 الي انفصال بنغلاديش عن باكستان. كلا الطرفين بدأ يخطط للحرب المحتملة منذ السنوات الاولي بعد التقسيم. ففي منتصف الخمسينات بدأت الهند مشروعها النووي في اطار ما سمي وقته بـ الذرة من اجل السلام بمساعدات من كندا والولايات المتحدة. وفي 18 ايار (مايو) 1974 فجرت الهند اول قنبلة نووية لتدخل بذلك النادي النووي العسكري. كانت باكستان تراقب عن كثب تطورات الهند في المجال النووي، فبدأت مشروعها النووي في 1972 علي يدي الرئيس ذو الفقار علي بوتو. ومع عودة عالم الذرة، عبد القدير خان، في 1975 من هولندا، بدأت باكستان طريقها لتطوير السلاح النووي. ويعتقد ان اول تفجير نووي باكستاني حدث في 1987. وبذلك اصبح هناك توازن رعب بين الهند وباكستان. وبقبت قضية كشمير عالقة بين البلدين منذ التقسيم، اذ تطالب باكستان بمنحها استقلالا، الامر الذي ترفضه الهند بشكل قاطع. وفي السنوات الاخيرة تراوحت طبيعة العلاقات بين البلدين بين التوتر والتهدئة، ولا يستبعد اي منهما نشوب الحرب مع الآخر في اي وقت.

يكاد السياسيون والمفكرون في الهند يجمعون علي ان أهم ثروة لدي الهند تتمثل بديمقراطيتها. ومع الاعتراف بانها غير كاملة، ولكنها تعتبر اكبر ديمقراطية في العالم، وفي الانتخابات الاخيرة التي عقدت قبل ثلاثة اعوام أدلي 400 مليون ناخب باصواتهم. يفتخر المفكرون الهنود بتلك الديمقراطية ويقولون ان كل من حاول المساس بها تعرض لعقاب ديمقراطي بافشاله في الانتخابات البرلمانية. فقد تعرضت تلك الديمقراطية للتحديات منذ الاستقلال ولكنها خرجت منها بسلام. ففي 1975 علقت انديرا غاندي، رئيسة الوزراء آنذاك، الممارسة الديمقراطية واعتقلت معارضيها وفرضت احكام الطوارئ، وقمعت الحريات، واستعملت المادة 352 من الدستور لحل البرلمان. واعتبرت تلك المرحلة واحدة من أحلك الفترات في تاريخ الهند بعد الاستقلال. وبعد انتشار أنباء باحتمال وقوع انقلاب عسكري ضدها، رفعت احكام الطوارئ في اذار (مارس) 1977، ودعت لانتخابات عامة. ولكن الشعب الهندي عاقب حزب المؤتمر الذي تترأسه، ولم تفز الا بـ 153 مقعدا من 542، فخرجت من الحكومة. وقد اغتيلت في 1984 علي يدي أحد حراسها. وبعد صعود حزب جاناتا الهندوسي المتطرف الي الحكم بعد فوزه بالانتخابات في التسعينات، عاد التوتر مجددا الي الهند. وفي 2002 حدثت اضطرابات في البنجاب راح ضحيتها اكثر من 2500 من المسلمين علي ايدي المتطرفين الهندوس. وجاءت الانتخابات بعد عامين صفعة لحزب جاناتا الذي فشل فيها وخرج من الحكومة. هذه الممارسة الديمقراطية فتحت ابوابا علي التقدم التكنولوجي، ومنعت تعمق التطرف الذي يترعرع في اجواء الاستبداد و القمع. وتقف الهند اليوم في مصاف الدول التي تشهد نموا اقتصاديا كبيرا، ولكنها تعاني ايضا من تصاعد الفجوة بين الاغنياء والفقراء، واستمرار النظام الطبقي المقيت الذي يصنف المواطنون فيه الي مستويات عليا ودنيا علي اساس انتماءاتهم العرقية. ربما استطاعت الهند تجاوز التركة الاستعمارية الثقيلة، وما اعقبها من تقسيم، ولكنها ما تزال تبحث عن صيغ لتجاوز مشاكلها الاجتماعية والدينية، فالاضطرابات الدينية لم تتوقف نهائيا، ومشاعر الغبن تنتاب الملايين الذين ينتمون للمستويات الوضيعة في السلم الاجتماعي، وحالة الفقر منتشرة برغم النمو الاقتصادي الواسع.

اما باكستان فتعيش ذكري تأسيسها في اجواء تقترب من التأزم. وفي الاسبوع الماضي أشيع ان الرئيس برويز مشرف الذي يتمسك بمنصبه كرئيس عسكري منذ 1999 يعتزم اعلان الطوارئ وتأجيل الانتخابات البرلمانية المزمعة في نهاية العام. ومع ان المقربين منه أكدوا زيف تلك الانباء، فان حالة من الترقب تخيم علي هذا البلد الذي لم يستطع حتي الآن التصالح مع نفسه. فقد اعدم رئيسه، ذو الفقار علي بوتو في 1979، واغتيل رئيسه العسكري، ضياء الحق في آب (اغسطس) 1988، الذي انقلب ضد سلفه المنتخب ثم اعلن الاحكام العرفية، بتفجير طائرته. ولم تمكث بنازير بوتو رئيسة للوزراء بعد انتخابها في 1988 الا عشرين شهرا، قبل ان تزال من منصبها بقرار رئاسي بتهم الفساد. وبعد ان أعيد انتخابها في 1993، لم تمكث سوي ثلاثة اعوام أقيلت بعدها من المنصب بتهم الفساد ايضا. وقام الجنرال برويز مشرف في 1999 بانقلاب ضد حكومة نواز شريف، وبقي في الحكم حتي الآن. انه تاريخ سياسي مضطرب، تداخلت فيه سياسات الفساد من جهة مع ظروف التوتر الناجمة عن انتشار التطرف والارهاب. وكانت حقبة الثمانينات فترة امتحان صعب بسبب الاحتلال السوفياتي لافغانستان والدور الذي لعبته باكستان، بدعم امريكي مكشوف، لتمويل المقاومة ضد ذلك الاحتلال. باكستان اليوم تعيش هواجس كثيرة ترتبط في جانب بتبعات الوضع الافغاني وانتشار تنظيم القاعدة، وتتصل من جهة اخري بعلاقات الحب والكره مع الولايات المتحدة الامريكية. لقد تعاون مشرف مع الامريكيين بدون حدود، ومع ذلك صدرت تصريحات مؤخرا باحتمال تدخل عسكري امريكي لضرب قواعد الارهاب في الاراض الباكستانية، الامر الذي ازعج القادة الباكستانيين الذين شعروا بالاهانة وعدم احترام السيادة. ومسألة الارهاب هذه تشوش علي العلاقات مع الهند التي حدثت فيها اعمال ارهابية في الاعوام الاخيرة اتهمت المخابرات الباكستانية بدور فيها. المخابرات الباكستانية متهمة اساسا بدور في تأسيس حركة طالبان في نهاية الثمانينات، ورعاية عناصر قيادية في تنظيم القاعدة، وما تزال متهمة بايوائهم والتستر عليهم خصوصا في المناطق القبلية الحدودية. وفي الوقت نفسه، تنطلق واشنطن في سياستها تجاه باكستان من رفضها المشروع النووي الباكستاني، والمطالبة المستمرة بالتحقيق مع عبد القدير خان المتهم ببيع خبراته لدول اخري. ولا تساهم سياسات مشرف خصوصا اصراره علي البقاء في منصب الرئاسة بزيه العسكري، في تحسين صورة بلاده لدي الآخرين. وجاءت محاولته لطرد رئيس القضاة، افتخار تشودري، مؤخرا، لتلقي بالمزيد من الظلال علي طبيعة تصرفاته ونمط حكمه. وقد حكمت المحكمة العليا باعادة افتخار الي منصبه، الامر الذي اعتبر صفعة قوية لمشرف. الامر المؤكد ان حكم العسكر لا يحقق الاستقرار. فلم ينجح في اندونيسيا في عهد سوكارنو، ولا في تركيا في العهد السابق، ولا في نيجيريا ولا في باكستان. ومن الصعب جدا الاعتقاد بامكان احتواء الوضع في باكستان اذا استمر مشرف متشبثا بمنصبه بعد مرور ثمانية اعوام علي انقلابه ضد حكومة شريف المنتخبة. فالفساد يمكن ان يعالج من خلال المحكمة العليا، كما حدث مع بنازير بوتو، وليس من خلال حكم العسكر. وهكذا يبدو المشهد الباكستاني مضطربا بعد مرور ستين عاما علي تأسيس الدولة التي اريد منها ان تكون وطنا لمسلمي شبه القارة الهندية. ومرة اخري، ما يزال التساؤل مطروحا؟ هل تحقق للمسلمين حقا ما كانوا يتطلعون اليه من امن واستقرار وحقوق في موطنهم الجديد؟ وهل اصبحوا في وضع افضل من اخوانهم الذين بقوا في الهند ولم يهاجروا الي باكستان؟9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية