هشام نفاع
علي الرغم من اسراع البعض الي تسميته مؤتمر دولي، يجب التدقيق في ان ما يقترحه الرئيس الامريكي هو لقاء دولي للشرق الوسط. لا ياتي هذا التنويه من باب التشدّد في دقّة التسميات بل منعًا لتغييب معانيها. خصوصًا اننا نعيش اليوم في عهد تصحّ تسميته عهد اغتيال المعاني في مهرجانات الكلام.
كان المؤتمر الدولي هو الآلية التي اصرّت عليها منظمة التحرير الفلسطينية، ومعها الكثير من الحلفاء العرب والامميين، لادارة مفاوضات سياسية متكافئة حول القضية الفلسطينية. وهو ما يعني اجراء المفاوضات بمشاركة اطراف الصراع ومندوبي المجتمع الدولي ممثلا بالامم المتحدة. فرادة المؤتمر الدولي، انه لا يتيح لحكّام اسرائيل التملّص من القرارات الدولية المُقرّة والتي يجب اعتمادها بهذا الشان. اما ما يقترحه جورج بوش فليس اكثر من لقاء بهذا المستوي التمثيلي او ذاك، لا يجري الاعداد له كدفيئة لاجراء مفاوضات حقيقية، بل كخيمة مؤقتة مزركشة ينتهي دورها بمجرّد انتهاء مراسيمها المتلفزة. هنا، لن يجري اعداد مسوّدات تهيّئ للخوض في المياه العميقة للقضايا الاساس التي تؤلف الصراع المستمر منذ نحو ستة عقود؛ لن تكون مرجعية واضحة للتفاوض، هي القرارات الدولية 194، 338، و242؛ لن تكون ايّة جداول زمنية للتقدّم في المحادثات وضبطها؛ وبالتالي، ليس هناك ما يُلزم رسميًا او مُسبقًا خروج هكذا لقاء باي شيء.
اخطر ما في هذا المقترح الامريكي انه عبارة عن صورة ظلّ لما بدات الولايات المتحدة بفرضه بشراسة مطلع هذا العقد، متمثّلا بالعدوان علي العراق واحتلاله وتدميره. فقد ركلت واشنطن جميع الاصول والمواثيق الدولية المتفق عليها وقادت حربًا همجيّة حاولت صبغها باصباغ دولية، عبر اقامة حلف حربي دون اية شرعية او مرجعية من مؤسسات الامم المتحدة. هنا ايضًا، في سياق اللقاء الدولي برعاية بوش، يجري تجاوز القرارات والمرجعية الدولية، وتاليف محفل يلفّه البريق الدبلوماسي ويتراءي كانه دولي، لكنه في الحقيقة لا يتجاوز مساحة الحظيرة الامريكية.
ان عملية التسويق العنيفة لذلك اللقاء، والمبالغة في تصوير التوقعات منه تـُخفيان اسئلة خطيرة. فما يجري عمليًا هو عمليتان، احداهما مُعلنة بينما الثانية تجري علي ما يبدو في الخفاء، رغم انه يتم التصريح بها بشكل مُوارب. هناك تزامن بين خلق حالة سياسية وهمية تعدّ لسلام قريب، وبين تحرّكات واضحة وخطوات ملموسة تثير شكوكًا بانها تشكل ارضية لتفجير حرب جديدة في المنطقة. من تلك الخطوات، اطلاق سباق تسلّح اقليمي جديد يتمثّل ببيع واشنطن عتادًا عسكريًا ضخمًا لحلفائها، خصوصًا اسرائيل، السعودية ومصر. ان الهدف شبه مُعلن وهو كل من لا تعتبره واشنطن معتدلا. يوم الاثنين عدّدت وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس الراديكاليين الذين تاتي تحركات نظامها التسليحيّة لمواجهتهم، وهم: ايران وسورية وحزب الله وحماس. (هذا مع ان وزير الخارجية السوري وليد المعلم اعلن لاحقًا استعداد بلاده المشاركة المشروطة في اللقاء الدولي المذكور). لا جديد امامنا يمكنه الاقناع بان هناك طفرة في السياسة الامريكية (وبالتالي الاسرائيلية) نحو المنطقة. في السنوات الاخيرة اطلقت واشنطن مشروع الدمقرطة وسرعان ما تركته لان عواقبه بدت غير متساوقة مع ركائز سياستها، اقصد تعميق الهيمنة الامبريالية. لاحقًا، جاءتنا نظريات/سياسات الاعتدال والتطرّف سريعة التسويق وسهلة الهضم. وهي السياسة التي تعني تفتيت القضايا المترابطة والمركّبة وتقديمها مقطـّعةً في قوالب هوليوودية لطمس حقيقة الامور. هكذا لا تعود القضية هي حقوق الشعب الفلسطيني مقابل الاحتلال الاسرائيلي، بل الصدام بين معتدلين و متطرفين فلسطينيين. وقس علي ذلك في مواقع اخري.
سبق ان تم هنا وصف ما تعيشه المنطقة بالمنخفض السياسي، وهو منخفض يكاد يلامس الحضيض. هناك ضباب امريكي كثيف يُراد منه اعماء الشعوب عن هوية عدوّها الحقيقي وزجّها في حيّز العداوات الضيقة، شبه القبلية. وهجوم السلام الامريكي الجديد الواهي هذا، ما هو الا محطة نحو الهجوم الحقيقي، في الوقت الحقيقي، وبالعتاد الحقيقي.. ذلك العتاد الذي تمطره واشنطن الآن في المنطقة قبل ان يتم امطاره علي المنطقة وعلي شعوبها.
لقد آن الاوان للقول والتحذير بصراحة من ان تتحوّل بعض القيادات الفلسطينية الي حليف من النوع التقليدي لواشنطن وسياساتها. هناك حركة متسارعة من المقترحات التي لا تُلاقي بنفي فلسطيني رئاسي او حكومي (من قبل الحكومة غير المنتخبة) واحيانًا ولا حتي بتعليق ايضًا. هناك اسئلة خطيرة:
ما هي حقيقة الطبخة التي يتم السعي من خلالها الي ادخال قوة عسكرية اردنية لمحاربة الارهاب في الضفة الغربية، وهي الفكرة التي اعلن ايهود اولمرت انها تستهويه؟
الي ايّة مرحلة وصل مخطّط اعداد الارضية لاستقدام قوات عسكرية من حلف الناتو، لتحلّ محلّ جيش الاحتلال الاسرائيلي ضمن اعادة انتشار محدودة مزمعة له؟ ما معني اقتراح استبدال قوات دولية باخري تتلقي الاوامر من البيت الابيض مباشرة، بعيدًا عن رقابة واشراف الامم المتحدة؟
لماذا تقوم جهات في السلطة الفلسطينية بتجاهل الحقيقة التي يعرفها الجميع، ونسمعها يوميًا من الاسرائيليين الرسميين، وهي ان حالة الانشقاق الفلسطيني هذه يجب ان تستمر، وانها تخدم مصالح اسرائيل؟ كيف يُعقل عدم الالتفات الفعلي الي هذه الصراحة الاسرائيلية الزائدة؟
هناك معطيات كثيرة تتراكم، ومنها ما تعبر عنه الاسئلة السالفة، تشير الي وجود سيرورة في حالة تسارع من الانخراط الفلسطيني الرسمي في مشاريع امريكية ـ اسرائيلية. واعتمادًا علي حقيقة ان اسرائيل لا تزال ترفض جميع مبادئ حل الصراع بموجب القرارات والمرجعيات الدولية؛ وعلي ان واشنطن تمارس سياسةً صُلبها تجاوُز تلك القرارات والمرجعيات لصالح نظرية الاعتدال والتطرّف؛ وعلي ان هذه التحرّكات تتزيّي بقناع سياسي مؤقّت ريثما يتم كشف الزي العسكري المختبئ تحتها – اعتمادًا علي كل ذلك، بات من الضروري والملحّ مطالبة الرئاسة والحكومة الفلسطينية (غير المنتخبة)، بالتروّي، قبل اعادة القضية الفلسطينية الي مربّعات فاشلة ومجرّبة.
لقد جرت في السنوات الـ 14 الاخيرة محاولات للتوصّل الي نوعين من التسويات، ولا اقول الي سلام، المؤقت منها والدائم. كان اوسلو بمثابة محاولة التسوية المؤقتة، وكامب ديفيد المحاولة الدائمة. كلاهما تعرّض للافشال الاسرائيلي. جري اغتيال اوسلو عبر سيرورات تسريع وتكثيف الاستيطان وبناء علاقة فوقية مع الشعب الفلسطيني، استغلتها بعض الاوساط المتنفّذة للفساد والافساد. وهكذا فان الشعب الفلسطيني، الذي لم يحقق اوسلو حقوقه ولم يحسّن احواله، فقدَ الثقة بالسيرورة ومسيّريها جميعًا! اما في كامب ديفيد فقد كانت المسالة بمثابة قصة فشل مُعلن سلفًا، وهكذا انتهت القصة. فقد ظنّ الجنرال ايهود باراك ان معارك السلام تُحسم بالمدفعيّات الثقيلة، ليُدخلنا في دوّامة سفك الدماء التي لم نخرج منها بعد.
هناك استعارتان: الاولي تجسّد مصير اوسلو عبر الانتقال من صورة الرصاصات الاسرائيلية التي اغتالت اسحاق رابين وصولا الي صورة تتويج مرشح اليمين والاستيطان بنيامين نتنياهو رئيسًا للحكومة. والاستعارة الثانية تجسّد مصير كامب ديفيد عبر الانتقال من صورة باراك يدفع ياسر عرفات دفعًا الي قاعة التفاوض وصولا الي صورة الدبابات الاسرائيلية تجتاح المدن الفلسطينية وتزرع الموت والدمار منذ ايلول/تشرين الاول 2000. حسنًا، لا بدّ من العودة الي سؤال الاسئلة: ما العمل؟
لا توجد حاجة حقيقية، ولا مبرر جديّ، لاعادة صنع او اكتشاف العجلة. فقد تم ذلك منذ الفيّات في الصين. وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فعلي الرغم من كافة التحوّلات والتطوّرات والانهيارات، لا توجد حاجة حقيقية ولا مبرر جديّ لاعادة اختراع ذلك الحل القديم، الذي يشكّل اكثر الحلول القابلة للتطبيق، والمقبول علي اوسع الشرائح، فلسطينيًا واسرائيليًا ودوليًا. وهو انسحاب اسرائيل، بجيشها ومستوطنيها وجدارها وحواجزها وسيطرتها الجوية والبحرية، حتي حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، بما يشمل القدس الشرقية بوصفها عاصمة للدولة الفلسطينية كاملة السيادة، وحل قضية اللاجئين بموجب القرارات الدولية. كلّ اقتراح، بعد التجارب المريرة الفاشلة السابقة، لا يرتقي الي هذه المبادئ لن يكون سوي لعب علي الوقت، ومن جهة اسرائيل هو اقتناص للوقت، لعبة سياسييها المفضّلة.
من الواضح ان السبيل للوصول الي ارضية كهذه فلسطينيًا، يمرّ عبر وضع برنامج وطني واضح المعالم. هذا يحتاج مناعة وصلابة، لن تتوفر بالطبع طالما ظلت الحالة السياسيّة الفلسطينية اسيرة الانشقاق الداخلي. لا مبرّر للانشقاقات العدائية تحت الاحتلال، مهما كان! وعليه، فان قيادة فتح مطالبة بفتح الباب مجددًا للحوار ورأب الصدع الخطير. من غير المعقول فتح ابواب الحوار مع الخارج علي اتساعها واتساعه، مقابل مواصلة ايصاد ابواب الحوار في الداخل. ولنكرّر، ان هذا بالضّبط هو ما يخدم مصالح الاحتلال فكيف يُعقل الاصرار عليه؟ اما بالنسبة لحماس فقد آن الاوان للتصرّف بمسؤولية كما يليق بحركة سياسية ان تتصرّف. لقد اصاب د. احمد يوسف، مستشار رئيس الحكومة المنتخب اسماعيل هنيّة بالقول ان اية تسوية بعيدًا عن مشاركة حماس لن تنجح (تصريح خاص لـ هآرتس، الخميس). ولكن، لهذا السبب بالذات، فان حماس مطالـَبة بوضع وتوضيح برنامجها السياسي للمرحلة القادمة. ليس كمجموعة تصريحات متناثرة، بل كبرنامج مفصّل. لا يمكن الهرب من هذا الاستحقاق ولا الاكتفاء بالتصريح بما لا تريده. لقد انتقلت حماس الي موقع اضافي كحركة تنافس علي الحكم ووصلت اليه فعلا. في هذا الموقع يُنتظر ممن يعتليه طرح سياسات واضحة امام الشعب.