قضية دارفور بين الرؤية الجهوية والمطامع الدولية

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

لا يشك احد في أن هناك مشكلة حقيقية في إقليم دارفور السوداني، وهي مشكلة في جميع وجوهها لا تختلف عن كثير من مشاكل أقاليم السودان الأخري، ولكن هذه المشكلة لا تسير في طريق الحل السليم بسبب تداخل كثير من العوامل المتناقضة، وخاصة مواقف المجتمع الدولي الذي لم يظهر حتي الآن أي توجه حقيقي لحل هذه المشكلة وكل ما يركز عليه هو القرارات التي يصدرها مجلس الأمن والتي تتميز بتوجهات سياسية أكثر من كونها توجهات إنسانية، وذلك ما يدعونا إلي التوقف أمام المشهد السياسي في السودان لنري العقبات التي تحول دون حل المشكلات الحيوية في تلك البلاد.

وكما هو معروف فإن السودان بلد قاري تبلغ مساحته مليون ميل مربع وتسكنه قبائل وثقافات متباينة، وعلي الرغم من التواصل الإجتماعي بين هذه القبائل فهي لم تنتظم في دولة واحدة قبل غزو محمد علي باشا في عام الف وثمانمئة وواحد وعشرين غير أن انتظامها في هذه الدولة لم يضع حلا للمشكلات التحتانية، ومرد ذلك إلي التخلف والفقر وبعض القيم والمفهومات الموروثة.

وإذا رجعنا إلي عهد السلطة البريطانية في السودان وجدنا أن معظم الناس في تلك الحقبة ما كانوا يعرفون أنفسهم كسودانيين بل كانوا ينسبون أنفسهم إلي قبائل وبطون وأعراق وكان ذلك حال طلاب لمدارس. وقد أوجد هذا التوجه إحساسا عاليا عند أفراد الجمهور بالانتماءات القبلية والجهوية. ولعله لم تكن هناك غضاضة لو أن الانتماء كان مسألة توصيف فقط ولكن الانتماء في جوهره كان نوعا من التمايز بين القبائل الشمالية وغيرها علي الرغم من أن القبائل الشمالية كانت تتنافس في ما بينها وكل منها تنسب سلالتها إلي مجد تحرم القبائل الأخري منه، وكان هناك من الجانب الآخر تمييز عرقي بغيض بين أولاد العرب وبين من يطلق عليهم اسم العبيد وغالبيتهم من الأصول الأفريقية الخالصة وهناك تمييز بين هؤلاء والحلب الذين هم من أصول غير سودانية مثل المهاجرين من المصريين والأتراك والأقباط وغيرهم، وهذا التمايز العرقي لم يكن صحيا بصفة عامة ذلك أن الاختلافات العرقية موجودة في كل بلاد العالم ومنها الولايات المتحدة ولكن تجاوز هذه الاختلافات هو الذي مكن لقيام دول حديثة، غير أن الثقافة السائدة في السودان لم ترق إلي هذا المستوي. وإذا نظرنا إلي مشكلات دارفور وأفريقيا وجدناها في مجملها نتيجة إحساس بالضيم والتفرقة العنصرية أكثر من كونها نتيجة اختلافات اقتصادية وسياسية، وقد وضح ذلك علي نحو الخصوص مباشرة عندما ذهبت الوظائف بعد الاستقلال إلي أبناء قبائل معروفة وكانت هناك تفرقة واحدة ضد الجنوبيين الذين نظر إليهم نظرة دونية وهو ما فجر قضية جنوب السودان التي لم تحاول السلطات السودانية معالجتها بحكمة بكون الحكومات المختلفة صنفتها علي أنها مشكلة تمرد وبدأت تواجهها بالقمع بل ذهبت الحكومة في عهد سلطة الرئيس إبراهيم عبود إلي تطبيق برنامج واسع للتعريب والاسلمة يتعارض مع الثقافات الموروثة في المنطقة.

ولا شك أن هذه التوجهات عقدت المشكلات وجعلت الكثير من أبناء الأقاليم ينظرون إلي الظلم الواقع عليهم في إطار لا يتسم بالواقعية بالنظر لظروف السودان، ذلك أنه حين يطالب بعض أبناء الأقاليم بتقاسم الثروة والسلطة فكأنهم يفترضون أن هناك من سرق ثروتهم أو من ينتزع السلطة منهم وذلك ليس تعبيرا حقيقيا عن الواقع السياسي في السودان لان التفكير الطبيعي هو أن يقرر الجميع أولا هل هم يريدون العيش في بلد واحد موحد أم يتخذون التمرد ذريعة لتفكيك هذا البلد إرضاء لطموحات النخب وتلبية لأهداف أجنبية بكون القراءة الحقيقية لأهداف الدول الأجنبية تنطلق أولا من حسد بسبب إمكانات السودان الواسعة التي تفتقر إليها كثير من الدول المتقدمة وأيضا من أهداف سياسية تريد تقسيم السودان لأسباب تتعلق بمواقف الدول الغربية من العالم العربي وهي التي تريد أن تنفرد بكيانات صغيرة تخضع لنفوذها ويمكن استغلال مواردها.

والمؤسف حقا أن الحركات الجهوية لم تتبين هذا الواقع بشكل كامل فهي تجد في الدعم الأجنبي تشجيعا لها وتنساق وراءه دون تفكير موضوعي في النتائج المستقبلية لهذا الانسياق.

وإذا نظرنا بشكل موضوعي لما يجري في دارفور تبين لنا أن الدول الغربية ليست في الحقيقة جادة من اجل التوصل إلي حل لهذه المشكلة بكونها لم تساعد في دفع جميع الأطراف للتوقيع علي اتفاق أبوحا وحتي بعد أن توصلت إلي توافق مع الحكومة السودانية بشأن إرسال القوات الدولية إلي دارفور نري أنها قد صرفت النظر عن هذا التوجه وبدأت تركز علي المفاوضات مع الحكومة من خلال مؤتمر أروشا الذي جمع حركات التمرد وكان المفروض أن تركز جهودها في المرحلة الحالية علي جمع الأموال لنشر القوات الدولية لأنه لا معني للسير في طريق التفاوض مع الحكومة قبل التوصل إلي حل لمسألة الأمن في دارفور وتأمين المواطنين من أجل العودة إلي قراهم. ولكن هذا لا يعتبر منطقا مقبولا لدي الدول الغربية التي لا تستهدف في نهاية الأمر التوصل إلي موقف تستفيد منه حكومة السودان بل تريد أن تستمر هذه القضية بكل تعقيداتها من أجل ممارسة مزيد من الضغط علي الحكومة. وذلك ما جعل رئيس المفوضة الأفريقية ألفا عمر كوناري الذي زار السودان أخيرا والتقي الرئيس البشير يقول إن الإتحاد الأفريقي توصل إلي قرار بعدم الموافقة علي قبول قوات أجنبية من خارج الدول الإفريقية وهو موقف أيده الرئيس البشير ويعكس في مجمله الموقف السوداني الأصلي قبل قرار مجلس الأمن ويعني هذا الموقف الجديد العودة بقضية دارفور إلي المرحلة الأولي من الخلاف بين السودان والعالم الغربي ما ينذر باستمرار النزاع في هذا الإقليم ولعله ليس من المجدي إضاعة الوقت بالحديث عن مواقف الأطراف المختلفة في هذه القضية لأن الحقيقة هي أن أي حل لمشكلة دارفور وغيرها من المشكلات الجهوية يجب أن يبدأ بسؤال أساسي هو هل الهدف من استمرار النزاع التوصل إلي حل يرضي جميع الأطراف أم الغرض هو تحقيق أجندة لا علاقة لها بالقضية ذاتها؟ بمعني هل تريد جميع الأطراف الاستمرار في وطن موحد أم أن الهدف إيجاد الذرائع من اجل استمرار الخلاف؟ وإذا كان الهدف هو الاستمرار في وطن موحد فيجب ألا يكون الحديث مركزا فقط علي تقاسم الثروة والسلطة لأنه في مثل هذه الحال سيكون السؤال ما تلك الثروة المقصودة هل هي ثروة البلاد بأسرها التي تشارك فيها أقاليم مختلفة أم هي ثروة الإقليم المقصود؟ سواء كان دارفور أوغيره وهنا لا بد أن نتساءل هل يمكن أن توزع الثروة علي هذا النحو أم أن الأمر يحتاج إلي نظام يمكن من تنمية كل إقليم من موارده مع الاستعانة بالموارد القومية، وأما بالنسبة للسلطة فينبغي أن يكون هناك تساؤل يقول من ينتزع سلطة من؟ وكيف تتمكن جميع الأطراف من المشاركة في السلطة حتي لا تنفرد بعض الأطراف بها؟ وما أراه في الوقت الحاضر هو أن كل أقاليم السودان تشارك في السلطة وليس هناك ما يحول دون ذلك علي الرغم من الهنات التي يمكن تداركها بشيء من التنظيم.

وعلي الرغم من ذلك فيجب ألا نفترض أن الأمور يمكن أن تبسط إلي هذا المستوي الذي نشير إليه لأن ما ذكرناه يتطلب درجة عالية من الوعي والقدرة التنظيمية علي تغيير الواقع السياسي في السودان وهذا وضع غير متوافر في الوقت الحاضر. وذلك ما يعقد المشكلات لأن الأطراف التي تتحاور في الوقت الحالي بالسلاح لا تري فائدة في أن تجلس إلي طاولة المفاوضات أو التفكير في مصالح الوطن بغير الطريقة التي تتبعها، وقد ظهر ذلك في موقف عبد الواحد نور الذي وضع شروطا لمشاركته في التفاوض مع الحكومة وهي شروط لو تحققت فلا جدوي للمفاوضات أصلا وتتركز شروطه في حديثه عن وقف القتال والتعويضات، ولا يعني ذلك أن موقف الحكومة أفضل، ذلك أن الحكومة لا تنظر لنفسها في إطار وطني شامل بل تنظر إلي نفسها من زاوية أنها تمثل حزبا حاكما لن يتنازل عن السلطة من أجل أن يتيح الفرصة لغيره للمشاركة في العملية السياسية، وبين هذين الواقعين المغلقين تظل قضية دارفور وغيرها من القضايا المهمة في السودان تراوح مكانها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية