هناك شيء ما يختبئ وراء ضباب الحرب الذي يلف الجبهة السورية الاسرائيلية

حجم الخط
0

الجميع يتحدثون عن السلام ويستعدون للحرب ولا أحد يعرف ما هي الحقيقة

الجنرال الذي كان في السابق سكرتيرا عسكريا لرئيس الوزراء قال مرة انه تعلم في ديوان رئيس الوزراء بأن هناك نوعين من الأنباء في وسائل الاعلام: تلك المعروفة منذ زمن وتلك الغير صحيحة. كما أن الوقت وكثرة الأضرار حولت السكرتيريين العسكريين الي اشخاص أكثر تواضعا، أحد آخِرهم، قائد المنطقة الشمالية اليوم، غابي آيزنكوت، قدّم صيغة مغايرة تماما. جلست في الغرفة المجاورة لرئيسي وزراء، قال آيزنكوت، وكنت ألتقي بهما يوميا وأنا لا استطيع ان اقول أنني عرفت ما الذي يفكران به.

من الصعب أن نعرف. عندما ستُكتب سيرة صيف 2007، وهي ستُكتب فقط اذا حدث ما يقوله الجميع ولا يريده أي أحد. قد نعرف بصورة مؤكدة ما الذي حدث هنا. ما الذي كان غير صحيح وما الذي لم نعرفه. حتي ذلك الحين يجدر بكل من يحاول اعطاء مؤشرات لما يحدث بين اسرائيل وسورية، أن يكون حذرا: هناك قدر كبير جدا من المعلومات المتناقضة والامور المتعاكسة، بما في ذلك امور تُقال في الغرف المغلقة. يجدر بمن يغامر باعطاء نفسه صورة المثقف في هذه الفترة أن يتحدث بصوت منخفض وكلمات بسيطة. نحن لا نعرف بكل بساطة.

الرواية الاسرائيلية الرسمية هي اننا لا نريد الحرب. والسوريون لا يريدونها ايضا. الجيش في نهاية المطاف أجري تدريبات لاعادة بناء قدراته بعد حرب لبنان الثانية، ولكن علي المسار السوري، لان الجيش بحاجة الي خطة ميدانية يتدرب عليها. ولكنه لا يري تهديدا بحدوث هجوم سوري حقيقي. كما ان اسرائيل لا تنوي البدء بالهجوم بالتأكيد. هذا يبدو منطقيا، فالحرب ستتسبب فقط بضرر هائل للجانبين من دون اية جدوي، ولكن منذ متي كان المنطق هو الفيصل. وفوق ذلك، تترافق تلك العبارات مع سلسلة من المؤشرات التحذيرية المختلفة والمتناقضة والتي تبعث علي البلبلة والحيرة.

علي سبيل المثال، مشاعر الاستعجال في الجيش، كما تُبث للضباط في المستويات الوسطي. المستوي التنفيذي في الجيش لا يحصل من الأعلي علي شعور بأننا نتدرب في نهاية المطاف. الساعة الكبيرة التي رسمها رئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي فوق التدريبات والمداولات وبلورة الخطط الميدانية، لا تبدو لقادة الوحدات كمناورة نظرية تهدف فقط الي استعادة قدرات الجيش المفقودة. بعضهم يخرجون من غرف المداولات مع شعور بأن قادتهم في الأعلي يستشعرون خطرا حقيقيا.

كما انه من الواضح لقادة ألوية المشاة والمدرعات الذين تدربوا في السنة الأخيرة في الجولان ان الواقع كما يطلقون في الجيش علي الحرب الحقيقية لتمييزها عن التدريبات، لن يكون مشابها بالمرة لما يتدربون عليه. اذا كانت المسألة وشيكة الي هذا الحد، كما يظهر من الأجواء التي يبثها القادة في الأعلي، يسأل قادة الألوية أنفسهم: لماذا لا نتدرب علي مسار أقرب الي ما قد يتوجب علينا القيام به لاحقا؟.

هذا ليس جديدا بالنسبة للجيش. في التسعينيات تدربت تلك الوحدات علي مناورات مختلفة حيث قال لهم قادتهم حينها أنها ليست ما سيتم تنفيذه في اللحظة الحقيقية. الحرب مع سورية، اذا حدثت لا سمح الله، ستكون في اغلبها ضربات نارية ثقيلة ومدمرة من الجانبين علي العمق الداخلي لكل طرف. ألوية المشاة تواصل تدربها علي اختراق العقبات والعوائق، إلا أنه يتوجب أن يتدرب الجنود علي شيء ما، كما قال أحد قادة المناطق السابقين قبل عشر سنوات؛ وهذا الجنرال الذي نتحدث عنه قد أصبح اليوم رئيسا لهيئة الاركان.

ولكن ليحدث ما يحدث، فربما كان من الاجدر ان نفكر بذلك بصورة أكثر قليلا، مجريات التفكير في الجيش ما بعد حرب لبنان الثانية وغيرها من المصطلحات من عهد يعلون أصبحت مشرذمة. اللغة التي تستخدم في الجيش اليوم تختلف عن الواقع الحربي وعما يمكن أن يحدث علي الارض. وهنا يتساءل الجنود هل يمكن لنا أن نعتمد علي ما يفكر به القادة وعلي الحسابات التي يُجرونها هناك؟.

متلازمة ما بعد فينوغرادفي الصيف الماضي قرروا في الجيش الاعتماد كليا علي قسم الاستخبارات حتي يُعلمهم اذا كان السوريون ينوون الشروع في اطلاق النار. اعتمدوا عليه كثيرا لدرجة أن الحكومة لم تناقش بالمرة قضية استدعاء قوات الاحتياط المطلوبة لحماية الهضبة، ولم يطرح الجيش القضية علي المداولات. الفرق الأساسية المخصصة لهذه المهمة لم تُستدعَ او انها استُدعيت في اواخر الحرب وأُرسلت الي لبنان. من الممكن الاختلاف مع هذه السياسة، فالجيش السوري كما نعلم قد دخل في جاهزية لم تعد خلالها حاجة لانذار مبكر لتوجيه الضربات، ولكن علي الارض برهنت علي نفسها: توقعات الاستخبارات تحققت وليس فقط الاصرار المتواصل بأن سورية لن تدخل في الحرب.

هل من الممكن الاطمئنان؟ الجواب هو لا. في عام 1973 ايضا كانت لدينا صورة استخبارية جيدة، ونحن جميعا نعرف ما آلت اليه الامور. في وضع الجاهزية للجيشين، قرار تغيير السياسة يمكن أن يحدث خلال فترة قصيرة جدا لدرجة لا تتمكن فيها مستويات التحصين الاسرائيلية من توجيه إنذار مبكر، أو خُذوا جلسات المجلس الوزاري المصغر الذي انعقد أكثر من سبع مرات في الشهر الأخير للتداول حول مجريات مختلفة بصدد سورية. هل ينبع ذلك من حاجة ملحة وفورية أم انها تغطية تحت شعار ما بعد فينوغراد، حتي لا يتمكن أحد من القول أنهم لم يستعدوا ولم يتشاوروا، أو انهم اتخذوا القرارات وهم واقفون في الممرات. منطق من يعرف الجهاز يقول بأن الجواب الثاني هو الصحيح. ولكن من يدعي أنه يعرف بالفعل قد يصبح ضحية للمناورة الدورية التي لا تربطها صلة بالحقيقة.

يبدو ان الجمود المعروف عندنا حول قدرات العدو هو الذي يحركنا في المرتبة الاولي. سورية تتسلح بالفعل، وخصوصا بأسلحة هجومية ودفاعية، بما في ذلك الصواريخ المضادة للعمق الداخلي الاسرائيلي وصواريخ ارض ـ جو لتصعيب الامور علي الضربات الجوية الاسرائيلية المضادة. اسرائيل كانت مصابة دائما بفكرة استحواذية بصدد قدرات العدو من خلال الاعتقاد الأساسي أن المسدس المعلق علي الجدار في المعركة الاولي هو الذي يطلق النار بالدرجة الثالثة في منطقة الشرق الاوسط. اذا كان من يحصون الوسائل القتالية عندنا قد وصلوا الي كثافة معينة من الدمار الموجود بحوزة السوريين، فهم يستنتجون ان الأسد يسير نحو الحرب، وليقل الرأس ووسائل الاستشعار ما يقولونه. العقلانية المنطقية لن تنقذنا، قرر روبرت مكينمارا الذي كان وزيرا للدفاع في الولايات المتحدة في عهد فيتنام في الفيلم الكلاسيكي ضباب الحرب لـ أرول موريس، حيث يحلل فيه كيف وصلت امريكا بشكل مناقض لكل الاعتبارات المنطقية الي تلك الحرب. هذه واحدة من 11 عِبرة استخلصها مكينمارا من مأساة فيتنام، التي لاحقته حتي آخر ايامه. هذه العِبرة ملائمة جدا للوضع الحالي بين اسرائيل وسورية. وهناك قاعدتان أخريان تقولان بأن العقيدة والتنكر هما أمران خاطئان في احيان كثيرة و أنت لا تستطيع أن تُغير الطبيعة الانسانية.

العقلانية تقول انه لا جدوي من الحرب بالنسبة لاسرائيل ولسورية علي حد سواء. كل ما سيحدث فيها هو دمار للجانبين، وإن كان عند السوريين أكبر، من دون حسم أو انجاز. ولكن المنطقية لا يمكنها أن تكون مُخلِّصا، الأمر المطلوب هو ثقة القادة في الجانبين بأن ذلك خطأ. في هذا الاسبوع قال فاروق الشرع بعض الكلمات حول التهدئة، فرد عليه ايهود باراك بلعثمة خاصة به، كلاهما ظهر غير متحمس ومنطقي بصورة صارخة. في نهاية الصيف سنعرف اذا كانت المنطقية والعقلانية قد نجحت في انقاذنا هذه المرة، وربما سنتفرغ لنعرف بالضبط ما الذي وقف من وراء ضباب الحرب. هذا إن لم نكن مشغولين باخلاءات مغايرة تماما.

عوفر شيلحكاتب دائم في الصحيفة(معاريف) 17/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية