مخلوقات سينمائية!! خيري منصور
ان اي استخفاف بدور السينما في صياغة وعينا وأوهامنا يحذف من تكويننا النفسي الكثير، خصوصا في مرحلة الاسود والابيض التي اقترنت بها طفولتنا، ومن ثم صبانا، من تلك الافلام لثغنا بالكلمة الاولي في الحب، وعلي ابواب دور السينما رغم ندرتها في بعض المدن العربية كانت تعقد المواعيد، ولم يكن للذهاب الي سينما اي بديل ينافسه في مساءات مقفرة، تشح فيها الكهرباء مثلما تتراجع شهوة الحياة… فالناس لا يزالون يحفظون في باطن الوعي ذلك الطقس الجنائزي لغروب الشمس، يوم كانوا يظنون انها تموت، ولا تذهب الي مكان آخر، وينتظرون قيامتها اليومية كل فجر!
السينما استبقت الكتاب والموسيقي الي حياتنا التي كانت شاغرة بانتظار اوهام الصّبا، وما شاهدناه من روايات علي الشاشة أفسد علينا ما بعد قراءة تلك الروايات، وبالتحديد اعمال نجيب محفوظ التي كان لها نصيب الغابة لا الأسد فقط في الافلام الروائية علي امتداد ثلاثة عقود علي الأقل… أذكر ان رواية كازانتزاكي زوربا الاغريقي عندما صدرت ترجمتها العربية كانت صورة الغلاف للممثل انطوني كوين، وسرعان ما زيّن غلاف رواية العرّاب مارلون براندو، مما دفعني في تلك الايام الي المساهمة في برنامج تلفزيوني عن الافلام الروائية، وما الذي ربحته او خسرته من خلال هذا التحويل الذي غالبا ما اعاد السيناريست المحترف من خلاله صياغة النّص، وللمثال فقط أذكر رواية أربع وعشرون ساعة في حياة إمرأة لإستيفان زفايج التي تحولت الي فيلم سينمائي حذف منها اكثر مما أضاف، وتكرر الامر مع غاتسبي العظيم لسكوت فيتزجرالد، اضافة الي روايات اخري لإرنست همنغواي وآخرين!
واليوم حين اعود الي مشاهدة الأفلام المأخوذة عن روايات نجيب محفوظ، يتأكد لديّ ان المزاج العاطفي والفكري الذي ساد في الستينات حتي اواسط السبعينات لعب الدور الأهم في تسطيح بعض النصوص وبعض الشخصيات أيضا.
ففي اللص والكلاب تتواري مشاهد روائية متوترة ومشحونة بموقف أخلاقي وراء مشاهد أشد إضاءة واكثر جذبا للجمهور، بحيث ينتهي الفيلم دون أن يدرك مشاهده من هو اللص ومن هم الكلاب…. وتكرر هذا في رواية الشحّاذ وهي من أعمال محفوظ ذات الهاجس الميتافيزيقي، فالفيلم عوّل كثيرا علي لقطات جنسية تراوح بين التصريح والتلميح، وهي ثنائية معروفة في ثقافة المكبوتين، حيث تبدو الايماءات والترميز بمثابة بدائل للوقائع، وعلي اللبيب أن يفهم تلك الاشارات!
اما رواية الطريق التي تحولت ايضا الي فيلم سينمائي اثار جدلا واسعا عند عرضه لأول مرة، فإن ما يمثله صابر الرحيمي في الرّواية من ضياع وشكوك عميقة في المنظومة الاخلاقية، واحيانا ما يرمز اليه من حالة يُتْم كوني، لا ينعكس بهذا العمق علي الفيلم السينمائي، وبدلا من أن تتحول المواقف الجنسية بين صابر وكريمة الي دلالات وانفجارات للمكبوت النفسي والثأرية الاجتماعية، تكتفي هذه اللقطات بنفسها وتنغلق احيانا بلا ايحاءات تنقل هواجس المؤلف، ومصائر ابطاله المخذولين!
ان جيلين عربيين علي الاقل تربيا في حاضنة السينما الرومانسية، التي اختزلت الوطن والجسد والواقع كله الي مقولات تكرس ما كان رائجا في تلك الايام… بالأمس شاهدت فيلما مبكرا عرض لأول مرة قبل أكثر من نصف قرن عن القضية الفلسطينية بعنوان أرض السلام، وأدهشني ما جاء فيه من حوار ومشاهد عن فلسطين، لكأن من كتب السيناريو، ومن أخرج الفيلم وحتي من مثّلوه لم يكونوا من سكان هذا العالم في مطلع الخمسينات من القرن الماضي!
ويصلح فيلم كهذا لأن يكون عن الاندلس او اي فردوس مفقود، لكن بمعزل عن البشر وحالاتهم الانسانية ولحظات ضعفهم، ولا يمكن العزل بين فيلم سينمائي كهذا وبين الوعي السياسي والثقافي الذي كان سائدا في ذلك الزمن.
فالرؤية بالغة السطحية للتاريخ ولمفهوم المقاومة، ولكل ما له صلة باللجوء القسري عن الوطن.
ان السينما التي صاغت وعيا مبكرا لدي أجيال عربية قدمت نماذج بشرية واصحاب مهن، علي نحو كاريكاتوري في بعض الاحيان، فالطبيب الشاب الذي تخرّج للتو يركب سيارة فارهة، ويستغرق طوال نهاره وليله في قصة حب رومانسية، ولا يظهر في العيادة او المستشفي الا ليرد علي هاتف الحبيبة، او ليفاجأ بخيانتها!
ولا تختلف شخصية المحامي الشاب عن هذا النسق، والقول ان السينما في تلك المرحلة كانت تقدم شريحة اجتماعية معيّنة تنتمي الي الارستقراطية لا يكفي لتبرير التزوير التاريخي!
وقد لا ابالغ اذا قلت بأن النماذج البشرية والمهنية التي قدّمتها السينما العربية حددت لبعض الافراد تطلعاتهم للمستقبل، وقد يكون دور المحامي الوسيم العاشق الذي لعبه كمال الشناوي او يحيي شاهين في العديد من الافلام سببا في اختيار طالب ما لكلية الحقوق!
اذكر اننا في المدرسة الثانوية كنّا ننادي بعضنا بأسماء فنانين مشاهير لأن الشبه قائم بين بعض الطلبة وهؤلاء النجوم، تماما كما كان يحدث في المباريات الرياضية في الازقة عندما ينادي اللاعبون بعضهم بأسماء اللاعبين المشاهير!
ما كنا تعلمناه عن الحبّ تراجع امام تأثير السينما، خصوصا لدي أجيال عربية كانت مرجعياتها العاطفية لا تتخطي انفعالاتها وبضع حكايات متداولة شفويا عن العذريين وعنترة العبسي وبعض القصص الشعبية!
لهذا لم يكن غريبا ان يتقمص الشاب العربي دور شكري سرحان او عمر الشريف او أحمد رمزي، وتتحول حياته الي فيلم آخر، بالمقابل كانت شخصيات سينمائية انثوية من طراز سعاد حسني وناديا لطفي وأخريات تسطو علي الفتيات اللواتي يحضنّ الوسائد الخالية!! لقد كانت سينما الابيض والاسود تفكر لنا وتحلم لنا، وتقدم لنا عينات نموذجية لواقع محلوم به، وغير متحقق!
في السياسة قدمت تلك السينما معادلا رومانسيا لما قدمته في مجالات اخري أقل جدية، واحيانا كان البطل المهموم بالتغيير او السجين نموذجا غير بشري علي الاطلاق، فهو معصوم لا يخطيء، وعازف عن الحياة بكل مسراتها، وحقيقة الامر ان الكائن البشري لا يقبل مثل هذا الاختزال الي بُعد واحد، كأن يكون سياسيا او عاطفيا او أي شيء آخر، لأنه مزيج من هذه الأبعاد، ويصدق عليه ما قاله الراوي في رباعية الاسكندرية عن البطلة التي تقف في غرفة لقياس الملابس محاطة بالمرايا من الجهات الأربع… والسينما لم تكن مجرد فيلم يشاهد في دور العرض فقط، انها رحلة تتعدد فيها القرائن، واحيانا تكون كرحلة الصيد آخر ما يهم الصياد فيها هو السمك خصوصا اذا كان من هواة الصيد لا من الذي يبحثون عن وجبة في البحر… يقول ت. إس. إليوت: ان الصياد يتمتع بالرحلة، وبشاطيء البحر وبالشمس وبتدخين غليونه، فالصيد ليس الطريدة فقط، انه احيانا كل شيء عداها…. رحلة السينما، تسوّق، وتجوال ومراقبة، وهي ايضا صحبة او بحث عن صحبة في الطريق، ففي دور السينما وفي الصفوف الخلفية كانت تعقد المواعيد، وقد لا يري الجالسون علي تلك المقاعد في الظلام مشهدا واحدا من الفيلم!
وحين جاءت السينما عبر الفيديو السي. دي الي غرفة النّوم لم تعد تلك الرحلة تجذب سوي القليل من الناس، وقد سمعت من بعضهم في القاهرة انهم احيانا يذهبون الي السينما بحثا عن هواء بارد في الصالات المكيفة خصوصا في اكثر شهور السنة قيظا!
اننا بشكل ما مخلوقات سينمائية، ساهمت الافلام التي شاهدناها في صبانا في تشكيل مزاجنا العاطفي، واحيانا تصوراتنا عن مهن، وعن الحياة الجامعية، واعترف بهذه المناسبة انني حظيت بفرصة الدراسة في اوروبا بعد الثانوية العامة، لكن السينما هي التي قادتني الي القاهرة.. وهي التي كانت طريقي الي روايات الطريق و الثلاثية و زقاق المدق لنجيب محفوظ. فقد شاهدت تلك الروايات شأن معظم أبناء جيلي قبل ان أقرأها، وحين قرأتها كانت الذاكرة البصرية تمارس سطوتها علي الخيال.
وهذا بالضبط ما أردت قوله عن تحول الروايات الكبري الي سيناريوهات، فالفيلم يحجر احيانا علي الخيال، والاشخاص والاماكن التي نبتكر لها اثناء القراءة اشكالا متعددة، تصبح ذات شكل واحد في السينما!
وبقدر ما نشكر من نفوذ السينما علي وجداننا ومفاهيمنا منذ البواكير علينا ان نعترف لها بالفضل ايضا، فهي التي اجترحت لنا آفاقا وأطلقتنا من سطوة المكان وأسره…!!!